ولذا لابُدَّ من إحياء التُراث لصَون الهوية، وإن استخدمْنا أساليب غربيةً مرفوضة مثل المؤسسات النشرية، والأحزاب والحركات. وقد تطوَّر الأمر لدى مثقَّفي الإسلاميين من لَعْن الثقافة المتغربة والغزو الثقافي، إلى لَعْن الدولة الوطنية والثقافة الوطنية إذ اعتبروهما متغربتَين. ثم جرت الصدامات التي تجلّت في صورة صراعٍ على السلطة في المجتمع والدولة.
أمّا المثقف القوميُّ، والذي صار تقدمياً في الستينيات والسبعينيات، وكان قد انخرط في مشروع الدولة الوطنية؛ فقد عالج المسائلَ ذاتَها، أي مسائل الموروث الديني والثقافي، وبهدف الانفصال أيضاً عن الغرب الاستعماري، للتمكُّن من إقامة الدولة القومية بثقافةٍ وطنيةٍ تقدمية. لكنه كان يرى أنّ العقبة الرئيسية في وجه الثقافة الأصيلة والدولة الوطنية تتجلَّى، إلى جانب عائق الغرب الاستعماري وثقافته، في هذا الموروث الإسلامي بالذات. ولذلك انصرف كبار المثقفين الوطنيين والقوميين إلى القيام بعملية مزدوجة: التحرير من ثقافة الاستعمار، والتحرير من الموروث الديني والثقافي. أمّا العمليةُ الأولى (التحرر من ثقافة الاستعمار) فتجلّت في إقبال الجميع على نقد الاستشراق، وعلى نقد الثقافة الغربية الليبرالية. وقد التقوا في ذلك بوعيٍ أو بدون وعيٍ مع الإسلاميين. فأهمُّ الكتب في نقد الاستشراق لم يقم بها إسلاميون، بل مثقفون قوميون ويساريون. في حين نافسوا الإسلاميين في نقد الليبرالية الرأسمالية الاقتصادية والثقافية. وفي العملية الثانية (التعامُل مع الموروث) انقسموا إلى ثلاث فِرَق: فِرقة أرادت تحرير العقل العربي والإسلامي من الموروث مطلقاً. وفرقة أرادت إعادة تأويل الموروث لإزالة قبضته عن العقل العربي والإسلامي. وفَرقة ثالثة، اعتبرت نفسَها أكثر اعتدالاً فقامت بقراءات انتقائية للموروث، لاكتشاف نماذج مُضيئة وتقدمية فيه، تكافح بها السائد حسب اعتقادها في التاريخ والحاضر، وتنتصر للنماذج التي كانت مهمَّشة. وليس المجالُ متاحاً هنا للتطويل والاستقصاء. لكنْ لنذكُرْ نموذجين هما المفكران الكبيران الراحلان في الشهور والأسابيع الماضية: محمد عابد الجابري، ومحمد أركون. كان الجابري تقدمياً ماركسياً، بينما كان أركون حداثياً غير يساري. وقد اشتركا في الحملة على الاستشراق باعتباره ثقافةً تابعة. ثم افترقا في طرائق التعامُل مع الموروث. أمّا الجابري فانصرف لإعادة تأويله لتحرير العقل العربي منه، وأمّا أركون فانصرف لتحطيم الموروث كُلِّه من أجل تحرير العقل الإسلامي من أرثوذكسياته.

ونقفُ اليومَ، بل ومنذ حوالَي العقدين، وقد انجلى غُبارُ المعارك الحقيقية والوهميّة عند سؤال لينين المُهمّ: ما العمل؟ فما بين أيدينا ثقافةٌ عربيةٌ حديثةٌ بالطبع، لكنها غير مُعاصرة. فالثقافةُ الإسلاميةُ التي وقعت في إسار"الإسلام السياسي" ما تزالُ تمعنُ في عرض نموذجها للأصالة، وللنظام الإسلامي الكامل. ذلك أنّ المثقفَ الإسلاميَّ -وأقصد غير الحزبي- يستفيدُ بالطبع من الأسلمة الجارية في المجتمع والدولة، فيكون مقروءاً ومُشاهَداً، لكنه يُعاني من وعيٍ مغلوطٍ بالتاريخ وبالدين وبالواقع. والمثقف الحداثيُّ أكثر وهماً وإيهاماً. فالموروثُ لا يصنعُ مشكلةً للحاضر وليس سبب المشكلات. وأقصى ما نستطيع فعلَهُ إزاءه قراءتُه قراءةً نقديةً باعتباره جزءاً من تاريخ الأمة والفكر. يستطيع الدارسُ الحديث أن يُدينَ الغزالي، وأن ينتصر لابن رشد وابن خلدون، لكنه لا يكونُ بذلك قد أثَّر، إلاّ في المجال المنهجي أو مجال تاريخ الفكر لدى النخبة العالِمة، وليس أكثر من ذلك. نحن لا نُعاني من مشكلةٍ في التراث أو مع التُراث، ولا علاقة له بما يجري عندنا في الحاضر إيجاباً أو سلْباً. ولو أنّ حسن حنفي أو الجابري أو العروي أو أركون، قالوا لنا إنهم يقيمون منظوماتهم الفكرية الشاملة باعتبارها قراءات في تاريخ الفكر العربي أو الإسلامي، كما فعل الدوري وصالح أحمد العلي مع البُنى الاقتصادية والاجتماعية الكلاسيكية، لما كان عليهم في ذلك غُبارٌ أو لَوم، ولكانوا قد أسهموا في كتابة تاريخٍ ثقافيٍّ لأمتنا في الأزمنة الوسيطة- ولاْنحصر خلافُنا مع أحدهم حول العلمية والموضوعية والمنهجية الصالحة، لهذا الأمر أو ذاك. أمّا أن يَزعُمَ أحدُهُم أنه بذلك إنما يصحِّحُ أو يُحرّرُ الحاضر؛ فهذا ما لا نُسلِّمُ لهم به، وليست عليه شواهد من أيِّ نوع. لقد حوَّل المثقفون النضاليون، الإسلاميون والقوميون والتقدميون والحداثيون، الإسلامَ إلى مُشكلةٍ عالميةٍ، قبل أن يفعلَ ذلك يمينيو الغرب وإعلاميوه واستراتيجيوه.

إنّ مهمةََ المثقَّف الشمولي استطلاع ثقافة العصر، وبلْورة أُطروحات في تشخيص القضايا والمشكلات، والدعوة للإصلاح والاستبدال والإحلال. ولنسلِّمْ بأنّ تاريخنا الديني والفكري يمكن أن يكونَ جزءاً من التشخيص الشامل هذا، فأين بقيةُ الأجزاء؟ إنّ الثقافةَ الغربيةَ هي ثقافةُ العالَم اليوم. والموقفُ منها هو موقفٌ من العصر والعالَم وطرائق التعامُل معهما، ومُواجهة المشكلات الاجتماعية والسياسية والاستراتيجية الجارية عندنا لأننا نعيشُ فيهما. والذي أراهُ أنّ الفكر العربي والإسلامي أحسنَ تشخيصَ المشكلة في مرحلته الأولى عندما كانت إشكاليتُه أو أَولويتُهُ كيف ندخُلُ في العالم. وقد اهتمَّ وقتَها بسبب صحة تشخيص المشكلة اهتماماً عظيماً بمعرفة العالَم والعصر. وربما لم يخطئ ذاك الفكر كثيراً عندما بحث في المرحلة الثانية، في كيفية العناية بالثقافة الذاتية أو ثقافة الأمة التاريخية، لأنه كان قد دخل في سياقات مكافحة الاستعمار. لكنه في مرحلته الثالثة- وبخلاف كُلّ أُمم العالَم- أصاب وَعْيَهُ هُجاسُ التُراث، إمّا لإحيائه أو للخلاص منه. بينما كان المطلوب كيف نبني مجتمعاتٍ حديثة، ودولاً حديثة؛ من خلال ثقافةٍ حديثةٍ وعصرية. وبسبب هذا الخطأ الفاضح في وعي العالم والذات تهمَّش المثقَّف، وضاعت الأَولويات، رغم ضخامة الجهود المبذولة في غير مكانٍ وفي تجاهُلٍ للزمان. لقد تحدَّث العروي عن "الفوات التاريخي" وليس لدينا فقط؛ بل ولدى المستشرقين الأوروبيين، وهذا صحيحٌ وإن يكن قد رتّب عليه نتائج مختلفة لا تحلُّ الإشكالية. ولذا أرى أيضاً أنه لابد من استعادة الأَولويات لدى المثقفين العرب بالتركيز على أربعة أُمور؛ الأول المعرفة ُالشاملةُ والعميقةُ بالبُنى الثقافية والفكرية والمنهجية لعوالم العصر والعالم. والثاني استطلاعُ الثقافة السياسية الاستراتيجية لعمل العالَم، وكيف تُدارُ أنظمتُه، وما هي توجُّهاتُهُ الكبرى، وكيف يمكن التعامُلُ معها. والثالث بلورةُ الأُطروحات في المجالين الكبيرين: الفكري -الثقافي، والسياسي. والرابع استعادة رسالة ودور المثقف العضوي والملتزم العامل من خلال التفاعُل والتجربة على مُراجعة المعارف والتوجُّهات والأُطروحات ونقدها وإنفاذها.
إنّ المعرفة المتقدمة هي التي تجذبُ وتؤثّر. لكنها لا تصلُ إلى ذلك إلاّ إذا توفر عاملان آخران هما: الاُطروحة المتبلورة، والحماس المنقطع النظير إنما بدون تحزُّبٍ مُضِلّ، ولا تعصُّب مُعْمٍ. إنّ أهمَّ قضايانا اليوم: تصحيح التفكير واستنارته بنقد الهجاس الأصالي والحداثية العدمية، والخروج من التجربة السياسية البائسة. وهاتان القضيتان تحتاجان إلى المعرفة والوضوح والالتزام.