الربيعي: الأخلاق والإنسانية لهي الحل الناجع لمشكلة التخلف

حاروره: حسين زين الدين . 

أجرى مركز آفاق للدراسات والبحوث حوارا مع  الأستاذ الدكتور حسن كريم ماجد الربيعي* الذي أكد على أن التناقضات الحاصلة في الدين والمذهب بعد الانشطارات فيهما أكثره يرجع إلى أيديولوجيات مصنوعة لأغراض وأهداف بشرية نفعية.

مضيفا إلى أن رفع الوعي من عوامل دفع التوظيف ورفع محنة الدين واستغلاله لأهداف وغايات شخصية نفعية فردية أو جماعية .

وأوضح أن فهم التاريخية يحتم علينا تغيير القراءة المحراثية إلى قراءة مواكبة تمثل روح الدين وجوهره وتجدد الأجيال وتخلق الحيوية في النهضة والإسهام الفعلي في التفاعل الإنساني العام .

  مبينا أن إعادة قراءة النصوص قراءة واعية نابعة من أسسه وتواكب العصر ولغته هي التي تعيد لمعان المواكبة لتطورات المجتمع الديني وحضارته العريقة .

ويعتقد إن إشاعة ثقافة الاحترام بين الأفكار الدينية المختلفة هي الأكثر تأثيرا من غيرها ،وليس الكراهية حلا في أصل التعليم وليست من الفكر الديني بشىء

وذكر أن هناك ثلاث نظريات اجتماعية تحكم العالم المعاصر ،وهي : الفردية والفردنة والشخصنة تتزعمها الرأسمالية ،والثانية عكسها الأصالة للمجتمع وليس للفردانية وهي الماركسية ،والأخرى الأصالة لنظرية الأسرة وبناء المجتمع يترأسها الدين الإسلامي وهي نظرية يؤيدها بعض علماء الاجتماع الغربيين .

ويرى أن الحل الناجع لمشكلة التخلف في عالمنا العربي والإسلامي قائم على عمودين: الأخلاق والإنسانية .

 

 

كامل الحوار :

 

أهمية الدين .

1-ماذا عن ماهية الدين؟ و هل هناك حاجة وجودية للدين أم أنه ضرورة إنسانية ؟ 

 إن الدين من المفاهيم المتعلقة بصميم الوجود الإنساني، يحدد وظائف نفسية واجتماعية علائقية، وهو موقف مطلوب من البشر بالذات في فكرة الحياة ومابعدها، أو هو موقف من هذا الوجود وصانعه الدقيق المدبر له بهذه الكيفية، الدين: سلوك تنظيمي يضمن للفرد صحة العلاقة الدنيوية وفلسفتها والعالم الآخر وفلسفة الموت، هذه الكلمات في الدين النقي بعد رفض كل أنواع التراكمات التاريخية الماحية لصورته الأصل والانقسامات المشرذمة لكل الأديان في العالم.

  التناقضات الحاصلة في الدين والمذهب بعد الانشطارات فيهما أكثره يرجع إلى أيديولوجيات مصنوعة لأغراض وأهداف بشرية نفعية إلا أن عمود المعرفة خيط واضح لمن تتبع واطلع لمراحل الجينولوجيا ،ومع هذا فالواقع يحكم بالصراع الإيديولوجي مقابل الفكرة أو الأفكار المغايرة لماهية وحقيقة الدين في السلم والتسامح والتعايش والتعارف والإقناع الإيماني لكل من يريد الاختيار والدخول في الدين أو المذهب أو الطائفة فالحرية مكفولة ومتاحة في الاختيار ،لأن ذلك مزروع في القلب أو الاختيار العقلي ولا سيطرة عليهما أو إجبارهما على ما لا يريدان .

  الدين في الحقيقة متعلق بالنفس الإنسانية وهو أعلى من الحاجة أو الضرورة لا ينفك عن البشر وأن تعددت حدوده ، أي تعاريفه التي بلغت اكثر من مائة، فوجوده حقيقي ( لأنه صور يتحلى بها العقل ليستعملها فيما يرجى الانتفاع به بعد الموت ) .

الدين وعلاقته بالإنسان .

2- أين تقع أهمية الدين في الحياة الانسانية و ما مدى تأثيره فيها؟ 

  لايمكن إيجاد  مساحة كاملة في أركيولوجيا التاريخ البشري خالية منه ،وهذا يدل دلالة واضحة على مدى العلاقة الوثيقة بينه وبين الإنسان وتأثره البالغ بشغف في كل أصوله وفروعه ،ولو حقب الباحث التاريخ لم يجد في تحقيبه مناطق خالية تماما منه بل له الهيمنة والغلبة في كثير من الأحيان .

  جدلية الدين والسياسة والتوظيف النفعي مؤشر خطير في صناعة التاريخ الكوني قديما وحديثا وفي المجال الحيوي المعاصر ،الدين أكثر تأثيرا من أي مجال في هذه الحياة مهما كانت المحاولات لإبعاده ،فقد باءت إلى الفشل كنتيجة حتمية لبنية المجتمعات المتفاعلة مع الروح الدينية بشعور أو بلا شعور نتيجة محبة وعاطفة ميل الروح إليهما حتى ضمن العقل الجمعي ،فكثيرا مايجمع الاتباع في تلك التجمعات العاطفة المؤثرة والمتأثرة في صياغة الشعور بخدمة الدين في عالم الدنيا لنيل سعادة العالم الآخر ،وهو المرتكز الأساس في الدين المهيمن على ثقافة الاتباع في الهدف الأسمى ،هذه الثقافة يمكن تطويرها إلى روح التسامح والتعايش والتعارف الإيجابي ودفع حالة العنف وامتلاك الحقيقة المطلقة وفسح المجال للبحث عنها في معارف الآخرين .

  التوظيف النفعي الذي مارسته السياسة للدين وخداع المجتمعات في حمل القرآن أو الانجيل أو التوراة أو كتاب آخر مؤثر في أعتى الدول ممارسة ضد الأديان واحتياجهم في حالة الضعف دلالة واضحة في أهمية الجانب الديني وخدعة العمل والتمسك بهم من أجل الخروج من مأزق الوقوع والإنهيار لكن ذلك لا ينفع بعد فوات الآوان .

  ركوب الدين خدعة قديمة جديدة ممكن انهيارها وقت صعود الوعي الثقافي الديني في المعرفة ( فأول الدين معرفته ) ،إن رفع الوعي من عوامل دفع التوظيف ورفع محنة الدين واستغلاله لأهداف وغايات شخصية نفعية فردية أو جماعية .

  وعلى كل حال من كلامنا تتضح أهميته وموقعه الحيوي في المجال العام المؤثر في بناءات مختلفة في الحياة العامة .

 

التجدد سمة إنسانية.

3- قيمة الدين بحاجة لقراءة متجددة  و مقاربة موضوعية في ضوء معطيات الواقع بحسب نتاجات فعل التدين، كيف يمكن ضبط فعل التدين و تحرير حقيقة الدين و قيمته في الحياة؟

  الأشياء المادية تتجدد بحسب التقدم الحاصل في العالم ،فكيف لا تتجدد الأفكار معها؟ ،التجدد سمة إنسانية وضرورة كونية،كما في حالة حراثة الأرض بالمحراث أو المكننة المعاصرة والجواب بديهي وعقلي اليوم ،ولكن بعضهم يصر على المحراثية، لذا اطلقت هذا المصطلح أثناء كتابتي عن المصطلحات المعاصرة ومحاولة بحث التراث لعالمنا في إعادة الإجابة عن سؤال النهضة وتجديد القراءة وفق بنية لغوية معاصرة لأجيالنا وبناء قانون خطابي جديد لديمومة المواكبة والاجابة عن الأسئلة المعاصرة والملحة في عالم التقنية ،ربما يكون فعل التدين مغايرا للدين في فهم مغلوط من خطابات وعظية فقط وعدم فهم المنظومة وفق المصالح والمقاصد والإيمان ببعض والكفر بالبعض الآخر ،إن إنشاء الدين لمنظومة معرفية ذات أغراض كلية هي الصورة الأساس وعداها صور تمثل جزئيات لحالات ظرفية كما في التنظيم المعاملاتي المشرعنة لتيسير وضع الناس نحو الوضع الصحيح .

  المتدين لا ينصب نفسه قاضيا أو حاكما على الآخرين، لأن ذلك يؤدي إلى العنف والتقسيم الثنائي الحاد بل ينصب نفسه أخا للجميع فيعمل بما يصلح بين أخويه ،لأن الدين هو الإقناع والمعرفة (الكتاب والمحاورة).

  (أما الإيمان فهو فعل ذاتي خالص من الإيديولوجيا) ،أي هو الوعي بجوهر الدين وحقيقته ،ثقافة الدين ثقافة أخلاقية قبل كل شيء تصحح فعل المتدين أمام الخالق والمخلوق وبدونها لاحقيقة للدين فالمعيار والميزان رجحا كفة الأخلاق، لا الشدة والعنف والقسوة، لأن ذلك ينفي حقيقة الإيمان وحقيقة التعبد والإصلاح بين الأخوة والتناظر والحقوق والحريات الأساسية في كل دين حقيقي .

  إن فهم( المجايلة) التاريخية يحتم علينا تغيير القراءة المحراثية إلى قراءة مواكبة تمثل روح الدين وجوهره وتجدد الإجيال وتخلق الحيوية في النهضة والإسهام الفعلي في التفاعل الإنساني العام .

 

الدين أخلاق .

4- يتميز مفهوم الدين بالسعة و العمق و المركزية في حياة الإنسان العامة و الخاصة، كيف يمكننا استيعاب ماهية الأخلاق في ظل هيمنة قيمة الدين و أي علاقة يمكن تصورها بين الدين و الأخلاق؟

  هو سؤال مهم جدا ،فالدين أخلاق كما هو السائد المفهوم من إنسان متمسك بدين عند المجتمع كركيزة فيه، ولذلك أي سلوك أو تصرف مخالف لأخلاقيات اجتماعية يتوجه اللوم له كتوجه اللوم للمتعلم في حال صدور فعل خاطىء لا يصدر من متعلم بل يغفر للصادر من جاهل ،وهو ما لا ينبغي فعله من متدين يؤمن بدين .

  قد يصدر ما يخالف الدين بدعوى التمسك والتطبيق به وهو فهم وتفسير خاطىء لما يعتقده المتدين ،وهذه هي الجدلية بين النظرية والتطبيق وهي ليست في الدين فقط بل تشمل أغلب النظريات المادية كالماركسية ومدرسة فرانكفورت النقدية التي كانت ردة فعل لمجالات التطبيق المخالفة في أصل النظرية ،ولذلك تحتاج النظرية إلى إعادة تقويم دوري في مدى التطبيقات على مستوى الحياة العامة ،والدين في الحقيقة إيمان روحي في أصوله وفروعه وسلوكياته العلائقية بين الإطار الداخلي والخارجي بناء على الأخوة الأنسانية ووحدة الخالق للمجتمع البشري بأجمعه .

  إن أهم مصادر الأخلاق الدين مع العقل ( العقل أصل ديني )( والدين لا يصلحه إلا العقل ) وعادة الخطاب موجه للعقل من نحو فلسفة التكليف ومن نحو كثرة الإرشادات الأخلاقية التي قد تكون أضعافا مضاعفة بالنسبة للأحكام ،كما ورد مامعناه أن أسرع من يدخل إلى الجنة صاحب الخلق الحسن ،ومع أن النصوص النازلة أو الشارحة تركز على نظرية الأخلاق والتقويم في ضوئها الاجتماعي كما نجد ذلك التقويم في النص النازل على مستوى الأخلاق لكل الأنبياء والإئمة والصالحين هي مفاهيم ومصطلحات سلوكية أخلاقية ،فالأخلاق سمة من أهم سمات الدين ،وأن الإيمان هو سمة أخلاقية ووصف للمؤمن به ،واعتقد أن العملية الأخلاقية لا تنفك عن كل دين أبدا لأن الدين مصدرها .

 

الدين والثقافة .. أي علاقة ؟

5- بالنظر للدين و للثقافة في واقع الحياة الإنسانية المعاصرة نلاحظ أشكال من التزاحم و التداخل و الجدل بين كلا الحقلين و على مدى عدة مسطرات معرفية ، أي علاقة بينهما و ما مدى التباين بينهما و أين يتحدد التداخل الوظيفي لهما في التأثير على مستقبل الحياة الإنسانية؟

  هناك نقاش وجدال حول الدين ومعوقات معرقلة جدا في نوع الخطاب المسيء لجوهر الدين في بناء الثقافة ومحاولة فصل الثقافة عن الدين في الجدال حول (الله) بين ردود أفعال المتدينيين ومستوى النصوص وهزالة بعضها المخالفة في جوهرها لفكرة الدين في ضوء نظريتا المصالح والمقاصد ،سردية الثقافة على أنها التحرر من قيودات الدين مدعومة من جهات عدة في خديعة هذا الإنسان عن ثقافته الثنائية في هذه الحياة .

  في نظري القاصر هزالة اللغة الدينية في عصرنا هذا ،فهي لا تستطيع الإجابة على الأسئلة المعاصرة للأجيال مع الاختلاف الشديد بين اللغة السالفة ولغة العصر وثقافته ،فالدين وديمومته يحتاج وبشدة إلى لغة مواكبة ،وفي بعض التحقيبات أن الثقافة الحرة كانت مأسسة في أصلها دينية من جامعات ومعاهد وكليات وحتى مسارح فنية .

  تم في الواقع خديعة العالم باسم الحرية المطلقة والثقافة الحرة بإبعاد كل شيء يمت إلى الدين ، لكن المشكلة الأساس في اتخاذ هذا الموقف ضد الدين هو نتاج فعل التدين الزائف والعنفي والمصادرة للآخرين وامتلاك الحقيقة وترتيب الآثار المدمرة على الغير أي رسوخ الغيرية السالبة مع ان منهج ونهج الدين في جوهره قبول اختياري، لأنه إيمان قلبي محكوم بالنيات ،وليست تطبيق بدونه،فالمعرفة الثقافية مطلوبة بشدة لتحديد الموقف من فلسفة هذا الوجود ، الدين معرفة ومحاورة واقتناع وبدون ذلك لا يتحقق الإيمان والإيمانية ،فكيف يمكن نشر الدين بالعنف والإرهاب ؟ .

  الثقافة الدينية مع الثقافة المنزوعة قد تتناقض بينهما ولهما جذور بين الشدة والخفة على قوة الدين وضعفه في المجتمعات وديمومة قوة الأولى هي الدعم بشخصيات مثالية ومتكاملة وراقية تصنع التاريخ وأحداثه وتكون نماذج ثورية وهي إلى اليوم تعيش الواقع بين الناس ولايمكن تنساها الأجيال رغم كل المحاولات والتنازلات على حساب العقل والطبيعة والتجربة ، قدس العلم التجريبي على حساب الدين في عصر النهضة الأوروبية ،وتمت إشاعة ثقافتها على نطاق واسع في أوساط المجتمعات لغرض محاربة الدين ودفعه عن دوره الإيماني في اعتقاد نشوء سعادة للفرد فخالفوا الطبيعة والعلم حتى التجربة ونزعوا العلوم من الألهية الروحانية التي كانت عليها العلوم منذ سقراط وارسطو  والحضارة العلمية الإسلامية التي شطبت من الثورات العلمية وسلبت منها الإرتباطات الالهية إلى معنى علمي صرف بعيدا عن الديني وهي إلى يومنا هذا .

 

 

الدين والمواكبة العصرية.

6- واقعا هناك جدلية و تشعب حول مفهوم الدين يزداد تعقيدا مع التحولات السوسيوثقافية التي تعرفها المجتمعات الإنسانية، ابتداء من الفردانية كفلسفة وصولا للعولمة كمشروع مهيمن على مفاصل الحياة الإنسانية بشتى تمثلاتها، بلحاظ هذا الحاصل هل الدين سيرورة ثقافية متطورة أم ماذا بالنظر للتباينات بين الأديان كلها حتى في مقاربتها لله و وجوده و فلسفة الوجود الإنساني و مستقبله؟

  هناك ثلاث نظريات اجتماعية تحكم العالم المعاصر ،وهي : الفردية والفردنة والشخصنة تتزعمها الرأسمالية ،والثانية عكسها الأصالة للمجتمع وليس للفردانية وهي الماركسية ،والأخرى الأصالة لنظرية الأسرة وبناء المجتمع يترأسها الدين الإسلامي وهي نظرية يؤيدها بعض علماء الاجتماع الغربيين .

  إن هاتين النظريتين تدعوان إلى محو الأسرة ومحو نوع العلاقات بينها والذوبان في دوامة الذات وتهميش هرمون الأمومة والأبوة ومقاطعة الدين بكل أشكاله منهما ، بخلاف النظرية الإسلامية التي تدعو إلى الأسرة ضمن قانون إداري للأسرة وحقوق مكفولة للأبوين إلى زمن الاستقلال بعضهم يعتبره قوة تسلطية حاكمة ونظام فيه قسوة منهما ،لكن هذا هو طبيعي في الأمم والحضارات كانت دينية أو لا ربما إلى القرون المتأخرة من عصر النهضة ومابعدها .

  إن دفع الدين عن الحياة بني في ضوء تلك الاتصالات التي اخترقت عالم المسلمين وأخذت مأخذها منهم ،ومع تردي مستوى اللغة الدينية النابع من الفهم المحراثي للدين أدى إلى تلك الاختراقات الثقافية في هذه المجتمعات الإسلامية مالكة المواقع الاستراتيجية والثروة والحضارة غير شاعرة بكينونتها وتعيش اليوم الهامشية والحاشية تشعر بالدونية كلما يدور الكلام عن الغرب المتفوق والشرق المتخلف .

  إن اعادة قراءة النصوص قراءة واعية نابعة من أسسه وتواكب العصر ولغته هي التي تعيد لمعان المواكبة لتطورات المجتمع الديني وحضارته العريقة .

 

الدين والتعددية الدينية

7- في ظل اختلاف الوعي لماهية الدين تتولد التعددية الدينية، و بحد ذاتها و إضافة لجدليتها شكلت التعددية الدينية إشكالات و مشكلات في مشاريع الاستقرار لدى العديد من المجتمعات، لماذا لا يزال حوار الأديان  شائكا و هل التعددية الدينية منشأ الصراعات و الأزمات في المجتمعات المعاصرة ؟ 

  التعددية مصطلح غربي بامتياز نشأ في بيئة ملائمة للصراعات الدينية في أوروبا ،ثم انتشرت هذه الثقافة في الأوساط العالمية ،التعدد الديني والمذهبي حقيقة واقعة لا تنكر ولكن الكلام في الحقيقة أي حقيقة هذه الأديان والمذاهب ،وهل أنها تتعدد ؟ .

  في الواقع إن الحق واحد كما هي نظرية النص القرآني فالوصول إليه يحتاج معرفة ووعي في الأسس والمبادىء ،وفي ضوء الاختلاف لايرتب أي أثر على ذلك لأجل منح الحرية والتسامح مجالا أوسع بين الأديان ، أما تجزء الحقيقة إلى تعددية أو صراعات كلها حق هذا قول بلا دليل إلا النظر الظاهري بلا تعمق .

  ملابسات المصطلح وقصدية وضعه غير بريئة فهو يحمل حلا من الحلول الاجتماعية والسياسية، آنذاك ،إن تشريح النصوص الدينية والدراسات الهرمينطيقيا أدت إلى بعثرة الأفكار الدينية حول أزمة الفهم لها في العالم الغربي، ومحاربة الكنيسة للأفكار العلمية، أدى إلى التصادم بينهما فطرحت مثل هذه الفكرة ( التصالحية) .

  إن الحوار عملية مختارة من جميع الأطراف ،ولكن مدى جدية ذلك في العناصر المشتركة والمختلفة لم تحل رغم كل الندوات والمؤتمرات واللقاءات ،وادعاء إن الكل يملك الحقيقة في الواقع كلام غير صحيح لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى الدينية والأفكار المتناقضة فالحق يبحث عنه مادام الإنسان حيا في هذا الوجود .

 

الصراع الديني وثقافة الاحترام.

8- هناك عدة شعارات و مشاريع حوارية تهدف لتفعيل الانفتاح بين أطراف التعدد الدياناتي بينما الواقع لا يكاد يتعافى من جراحات بإسم الأديان حتى يتعرض لأخرى، هل السبب يعود لعدم دراسة الظواهر الدينية بحيادية و بهدف فهم الدين أم ماذا؟

  أعتقد إن الحوار وحده لايحل المشكلة بقدر تعزيز الاحترام لفكر الآخرين وترك الحرية التامة لهم في البحث العلمي والمعرفي بعيدا عن الايديولوجيا ، فقد تكون قراءة الأديان بفهم معين هو مغاير لفهم آخر ثم إن فهم الفهم أيضا مغاير آخر .

  الحوار بمعنى تعزيز العلاقة بالغير ومعرفة الغيرية يخدم المجتمعات فعلا ،لكن لايعني ذوبان الخصائص الأساسية لكل دين ومذهب ،وذوبان ذلك أمر صعب جدا فالكل متمسك بخصائصه لأن فقدانها محو لدينه أو مذهبه وهذا هو الواقع الذي يجب إن يوضع أمام المحاورين لأن أمر الخلاف واقع جدا مع أن بعض المشتركات في الأصول العامة محتمل ولكنه ضعيف جدا في التفاصيل .

  هناك عدة نظريات في قضية الأديان والمذاهب ومحاولة رفع مستويات الاندماج الاجتماعي تدعو بعضها إلى الصراع وبعضها إلى الحوار أو التعارف أو التعايش والسلم لإنقاذ البشرية من الصراع الديني المدمر لبنية المجتمعات المختلفة في العقائد ،أعتقد إن إشاعة ثقافة الاحترام بين الأفكار الدينية المختلفة هي الأكثر تأثيرا من غيرها ،وليس الكراهية حلا في أصل التعليم وليست من الفكر الديني بشىء .

 

التجديد ضرورة قائمة.

9- هناك جدلية مفهوم الدين و اشكاليات التجديد الديني ، أين المنهج في ترتيب الوعي الديني بما يؤسس لحياة إنسانية راشدة؟

  إن التقليد والتجديد في صراع دائم ينتهي بعد ممانعة شديدة إلى التجديد بعدما يصبح ضرورة قائمة ،قد ينشأ التقليد في ظروف معينة ملائمة ،وهذه الظروف لاتبقى على حالها نتيجة التغيرات الطارئة من بروز حضارات وثقافات مهيمنة جديدة يتغير الوضع الاجتماعي والسياسي والنفسي وغيرها من الأوضاع التي تتطلب التغيرات الحتمية في القوانين وسبل الحياة وفهم الأفكار ،فالتجديد أو بالأحرى التحديث يصبح ضرورة قائمة .

  إن نظرية إبقاء ماكان على ماكان هي نظرية سلبية أمام الواقع الذي تغير فعلا وغير الأجيال ،ويمكن أن يدور الكلام بين الانفتاح والانسداد كما يقول علماء أصول الفقه ،فالأول تجديد أو تحديث والآخر انغلاق ثم انهيار .

  إن الاستصحاب السلبي على إن اليقين الإبقاء على القديم والشك في التجديد أو التحديث هو استصحاب يخالف نظرية وحركة الاجتهاد وبناء النظريات المواكبة بل تركيز فكرة الإقصاء لأجيال لا تفهم اللغة القديمة .

  الدين ليست غنيمة لأحد ،هو قانون لتنظيم حياة البشر الآنية ثم العبور إلى الوجود الغيبي (فلسفة الدين) أي اختيار النسق المنقذ بتطبيق الملزم من أوامره .

 إن مشكلة الأديان في اتباعها ومايقدمونه من سلوكيات مختلفة قد تتناقض مع الأسس والمبادىء ،إن حل التناقض في المرويات يكشف حقيقة الوضع ويبين المسار وبدونه يبقى التراث على إشكالاته كما قدمت مشاريع كثيرة خالية من هذه الحقيقة سواء في العقل العربي أو الإسلامي .

 

الأخلاق والإنسانية هي الحل .

10- مشاريع الاختزال المعرفية التي جعلت الثقافة دينا أو العكس أفرزت شبكات مفاهيمية متداخلة من قبيل العلمانية، الديمقراطية، الحداثة ، الوجودية، و ما هنالك من فلسفات و مفاهيم حديثة و معاصرة، في أغلب تفاعلاتها تصطدم بروح الدين ، هل الأزمة أيديولوجية أو دينية أو ذاتية  تاريخية إنسانية؟

  من سمات المصطلحات مابعد عصر النهضة الأوروبية التغير المستمر عما ظهرت اول مرة أي تحديث الأفكار وعمل قطائع ابستيمولوجية مع كل فكرة مرحلية في ضوء نقد النقد أي بمعنى البناء ثم الهدم أو أفكار قد تكون متناقضة في عصرنا اليوم ،هذه الأفكار لو حقبناها تاريخيا لوجدنا تغيرات كبيرة في معناها يوم ظهرت ثم نلاحظ التطورات الكبرى وفق البيئة الاجتماعية والسياسية ،وبعد ذلك تصل إلينا متأخرة نتيجة تأخر الترجمة فتكون قد انتهت في بيئتها ونشأت عندنا ،في الحقيقة هناك فجوة ثقافية في الفكر والمنهج في عالمنا العربي والإسلامي مع عجز المفكرين إيجاد مناهج وأفكار كونية تنبع من تراثنا الإنساني والأخلاقي ملائم للبيئة العربية والإسلامية تحقق الرخاء والرفاهية في هذه البلدان ،إن إيجاد ثقافة فهم الغيرية والاندماج الواعي بالآخرين واحترامهم بأي اتجاه كانوا يحقق الترابط الاجتماعي ويرفع حالة التأزم الحاصلة في واقعنا بل أنه مدعوم من الداخل والخارج لجعل حالة التخلف أصل في هذه البلدان .

  قد تكون عدة عوامل داخلة في الأزمة وتوسيعها في البنية الاجتماعية والنفسية لخلق الصراع بين شرائح المجتمع من العيش في لحظة التاريخ والثنائيات الحادة والذات والموضوع بلا انفكاك بينهما ،على أن يكون التاريخ هو الدين وهو المحور في العلاقات المأزومة ومن ثم خلق إنسان قلق وفق زوايا نظر قلقة وطاردة للمنهج العلمي في الحوار وطاردة للاحترام في الاختيارات المنظمة في قانون الشرع والوضع .

  يخيل الي أن تأسيس ثقافة ذات منهج تراثي ترتكز على عمودين : الأخلاق والإنسانية لهي الحل الناجع لمشكلة التخلف ،والجواب على سؤال النهضة العربية والإسلامية على أن يكون البناء على المشتركات في كل شيء وترك الجزئيات فهي هويات محترمة لا يمكن أن ينفك منها كل اتجاه .

 

 

*الاستاذ الدكتور حسن كريم ماجد الربيعي / العراق / النجف الاشرف .

من مواليد ١٩٦٠ في بغداد.
حاصل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ والحضارة الاسلامية من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا / بغداد .
ادرس في جامعة الكوفة / كلية الفقه/ قسم العقيدة والفكر الاسلامي.
كتبت عدة مؤلفات منها منهجية تدرس في بعض الجامعات العراقية ومنها غير منهجية نذكر بعضها :
١ - المدخل لدراسة الشريعة الاسلامية وهو كتاب منهجي طبع عدة طبعات للمرحلة الاولى في كليات القانون.
٢ - علم اصول الفقه الاسلامي وهو كتاب منهجي للمرحلة الرابعة في كليات القانون .
٣ - البحث المعرفي .
٤- الأسس المنهجية في نقد الاصول الرجالية حتى نهاية القرن الخامس الهجري .
٥- رسائل جابر بن حيان الكوفي الفلسفية المحققة .
٦- التبني والتبني القسري في اوروبا .
وغيرها اشتركت في عدة مؤتمرات في داخل العراق وخارجه وخاصة في السويد وبريطانيا والاردن وايران .
كتبت الكثير من البحوث في مجلات محكمة وغير محكمة محلية ودولية .