أركان علم الكلام الجديد

عند عبدالجبار الرفاعي

ستار الزهيري[1]

   من خلال قراءتي  للمرة الثانية لكتاب: (مقدمة في علم الكلام الجديد) للدكتور عبد الجبار الرفاعي في طبعته المزيدة، بعد قراءة طبعته الأولى، لا أستبعد صدور طبعة ثالثة ورابعة له،كما يصرح المؤلف في تقديمه لهذه الطبعة بقوله: "يعترف المؤلفُ بأن كلَّ نصٍّ يكتبُه لا يراه نهائيًا، يكتبُه كمسوّدة، وبعد تحريرٍ وتنقيحٍ ومراجعاتٍ متعدّدة يبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسوّدة لطبعةٍ لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتُه مسوّداتٍ غير مكتملة،كلُّ طبعة جديدة مسوّدةٌ لطبعة لاحقة، وكأنه يحلم بالكمال الذي يعرفُ أنه لن يدركَه في كلِّ ما يكتبُه"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23).

يشارك الرفاعي معاصريه همومهم، وإن كان يختلف عن غيره في طريقة التفكير وطريقة الحل، اختلافا يحفظ له كيانه المتميز؛ الذي نجده يتمثل في:

أولا: اقتراحه ان يبدأ التجديد في علوم الدين بعلم الكلام، لأنه الأساس الذي يقوم عليه علم أصول الفقه، والفقه، وغير ذلك من معارف الدين. علمُ الكلام يحتلُ مكانةً مركزية في المعارف الدينية في رأي عبدالجبار الرفاعي، حسب قوله: "علم الكلام في رأيي يمثل نظرية المعرفة في الإسلام، لأنه هو الذي ينتج منطق التفكير الديني، ومنطق كل عملية تفكير هو الذي يحدد طريقة التفكير ونوع مقدماته ونتائجه. وذلك يعني أن أية بداية لتجديد التفكير الديني في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام ومسلماته المعرفية ومقدماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات. تجديد الفقه مثلا يبتني على تجديد علم أصول الفقه، وتجديد أصول الفقه يبتني على تجديد علم الكلام، ذلك أن الأسس التي يقوم عليها علم الأصول ليست سوى مسلمات ومقولات لاهوتية، حقلها هو علم الكلام، ولعلم الكلام مسلماته المعرفية ومقدماته المرتكزة على المنطق الأرسطي. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تخطي القراءة السلفية الحرفية المغلقة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصر، ما لم نعد النظر بالبنية  التحتية العميقة لإنتاج تفسير النصوص، ونتخط آليات النظر والفهم المتوارثة"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 97).   

ثانيًا: يبدأ الرفاعي من التراث بدراسته واستيعابه، ثم يتخطي ما هو مندثر منه.

ثالثًا: توظيفه للفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

رابعًا: لغته الخاصة، بكل ما يميز تلك اللغة من اسلوبه وبيانه الخاص في الكتابة.

  هكذا يساير الدكتور الرفاعي عصره، وهو يصغي له ويحاوره، وهكذا يتخذ لنفسه موقفًا فريدًا، إذ يختلف عن غيره، بما يحفظ له شخصيته وكيانه. وأنت تقرأ هذا الكتاب لا تمنع نفسك وصف تلك القراءة بالسياحة والتجول في ميادين وأزقة الفكر الإنساني. يصحبك الرفاعي معه في هذا السياحة، يعُرّفُك على كانط وهيجل وبرجسون وكيركغارد وهايدغر، ويجلسك مع ابن سينا والمحقق الداماد وملا صدرا الشيرازي، ويدعوك لمساجلة القاضي عبد الجبار والفخر الرازي والعلامة الحلي، ولا ينسى ان يضع أمامك آراء محيي الدين بن عربي وأمثاله، وينصحك بمسك القلم وتدوين الملاحظات عليهم أجمعين، لمناقشتها بعد الرحلة، فإذا ما انتهت الرحلة يطالبك؛ بـ "التخلية"، أي التخلي عن القبليات الذهنية والاعتقادية قدر امكانك. ثم يطالبك بـ "التحلية"، أي تقديم قراءة جديدة للرحلة ومدونة الملاحظات لديك التي أمرك بالاحتفاظ بها.

   لفت انتباهي رأي للدكتور أديب صعب في معرض التعريف بـ "علم الكلام الجديد" في كتابه "دراسات نقدية في فلسفة الدين"، حيث يقول: (هو إعادة صياغة لعلم الكلام القديم  في ضوء الدراسات الدينية). هذا الكلام جعلني أقف مذهولًا، فأين علم الكلام الجديد من ذلك! ما الجديد في هذه القراءة الجديدة لعلم الكلام الجديد التي يقترحها الدكتور صعب؟ ألم يتعرف د. أديب صعب على آراء المتكلمين الجدد، ورؤية عبدالجبار الرفاعي ومنهجيته المعرفية في بيان المهمة الكبيرة التي تقع على عاتق علم الكلام الجديد. يلخص الرفاعي رؤيته بقوله: (رؤية تبتني على أنه مادام هناك إنسان فهناك أسئلة ٌميتافيزيقية كبرى، وهذا النوع من الاسئلة لا جواب نهائي له)، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23). ويرسم الرفاعي موقفًا واضحًا يتحدد في ضوئه علم الكلام، ويتميز القديم منه عن الجديد، عندما يكتب: " أساسُ علم كلام هو الإيمانُ بالمصدر الإلهي للوحي. الاختلافُ بين علم الكلام القديم والجديد في كيفية فهم الوحي وتفسيره. الكلامُ الجديد يفسـره تفسيرًا لا يستأنفُ ما قاله الكلامُ القديم. في ضوء ذلك لا ينطبق عنوانُ علم الكلام الجديد على كتاباتٍ بحثتْ ظاهرةَ الوحي من منظورٍ مادّي لا يؤمن بالله، أو يرى الوحيَ بوصفه ظاهرةً أنتجها البشـر، أو هو نوع من الإيحاء النفسـي، أو هو محصلة ارتياض صبور يتمرس فيه بعضُ الأشخاص، وينفي صلته بالغيب. إذًا لا يمكن تصنيفُ أيّةِ كتاباتٍ تنفي المضمونَ الميتافيزيقي الغيبي للوحي على أنها علمُ كلام جديد"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 150)

 فأين هذا القول من رأي د. أديب صعب، الذي يرى علم الكلام الجديد مجرد إعادة صياغة لعلم الكلام لقديم!

  رؤية الرفاعي يرسمها في سبعة أركان يتأسس عليها علم الكلام الجديد، وتكشف ما يرمي إليه المتكلم الجديد، وتتمثل حسب ما يراه في:

أولًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي. وهذا هو الركن الذي تتفرع عليه كل الأركان التالية، حسب نظر الرفاعي.

ثانيًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يعيد بناء صورة مضيئة لله مستوحاة من القرآن الكريم.

ثالثًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يبني صلة بالله تتأسس على المحبّة المتبادلَة:"يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ".

رابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يوقظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين.

خامسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم فهمًا للقرآن الكريم والنصوص الدينية يستجيب لما يحتاجه المسلم من معنى ديني.

سادسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ ينفتح على الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة ويوظفها في بناء الكلام الجديد.

سابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يؤمن بتعدّدِ قراءات القرآن الكريم، وإعادةِ تفسير كلام الله، وتنوع فهم النصوص الدينية تبعًا لتنوع الأزمان وتعدّد الأحوال، وإعادةِ تفسير آيات القرآن في ضوء حاجة الإنسان للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتطلبه العيش في عالَم يتسارع فيه إيقاعُ المتغيرات، وتتفاقم فيه كلُّ يوم مختلف المشكلات. (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 177-180).

  لعل من الأهمية التي يمكن ان يتميز بها كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد، أن  ليس هناك أجوبة نهائية مغلقة حول أي شيء، لا بل إن كل الاجوبة مفتوحة عل التحري الدائم، وخاضعة للقبول أو التعديل أو التبديل، في ضوء العقل والتجربة، ولا يجوز قبول أي جواب لا لشيء الا لأن اسمًا كبيرًا اقترحه أو اعتنقه.

 كم هي المساحة في تراثنا الكلامي للكتب والآراء التي تروى نقلًا عن الآخرين، بلا إعمال للعقل اللاحق فيها، تارة تختار، وتارة تؤرخ، وطورًا تصنف، فكأنما الطهاة الذين أعدوا الطعام قلة لا تتجاوز الأصابع العشرة، او قل العشرين، ثم تكاثرت حول المائدة ألوف تتسقط الفتات المتناثر، كل يأخذ من هذا الفتات ما وسعت حفنتاه؟ ماذا لو استغينينا عن عشرة أسماء من علم الكلام الأشعري، وعشرة من علم الكلام الشيعي، والتي تعتبر مصنفاتهم نصوصا تأسيسية،كما تسمى؟ ماذا يتبقى، ما الذي سيحصل لو استغينينا عن مصنفات فلان وفلان وفلان من المجتهدين في علم الكلام، وفتحنا باب الاجتهاد في علم الكلام اليوم، ما الذي يبقى من التراث الكلامي؟ هل نمكث مقلدين لاجتهادات القدماء لو اجتهدنا اليوم، مع ان المعروف لدي المجتهدين ان التقليد في علم الكلام والمعتقدات باطل؟

  قلت لنفسي وأنا أقلب النظر في منوعات من التراث؛ لماذا لا تفحص مجلدًا أو مجلدين من هذه القمم، لترى ماذا كان يكتب المتكلمون، الذين تعنون لهم هذه القمم التي لا تكاد تقع تحت الحصر… واخذت استعرض ضروب المؤلفات وصنوف الأعمال التي جعلت من اصحابها متكلمين، استحقوا ان تفرد لهم هذه العناوين كلها، فلم أخرج إلا بما يؤيد فكرة سابقة كنت قد حصلتها من انطباعات متناثرة على مر الزمن، وهي انه - بأستثناء أصول قليلة جدًا، فيها أصالة وابتكار- هناك كمية من المجلدات، التي لا تضيف حرفًا واحدًا جديدًا، فهي شروح، وشروح للشروح، وتعليق، وتعليق على التعليق!

  ذلك كله واقع لا سبيل الى نكرانه، وان الخروج عليه إنما يجيئان بعد مغالبة الإنسان لنفسه ولطبيعته، وهذه المغالبة لأهواء النفوس وميول الطبيعة هي ما نحن بحاجة اليه، حين يتبين أن تقويم القديم بأكثر من قيمته النفعية لا يقتصر على إشباعه لرغبة رومانسية - نوستاليجيا - في نفوسنا، بل يقف في سبيل سيرنا عقبة تحول دون التقدم نحو ما نريد ان نتقدم نحوه من تغيير للفكر وتبديل لأوضاع الحياة.

  لو قارنا كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد مع أحد الكتب التراثية لا نجد تشابهًا، لا في الآليات، ولا في المرتكزات، ولا في القراءة للموضوعات، ولا في طبيعة النتائج التي يصل اليها.

  علم الكلام الجديد لا تربطه بعلم الكلام القديم سوى الألفاظ، وان كانت راهنية الكلام الجديد في الألفاظ أكثر مرونة وانفتاحًا واستيعابًا، لما يوفر من إحاطة بالمصطلحات التي هي اكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر.

  أن تقدم فهمًا جديدًا شيىء، وأن تقدم قراءة جديدة شيء آخر، أن تقدم شرحًا جديدًا شيىء، وان تقدم نصًا جديد شيء آخر، ثمة ما يقلق الذهن الديني في انشغالاته، فهل هو معني بهذه ومعفي من تلك، ام تراه يراهن على شيء آخر لايمكن لعقل الماضي استيعابه، ولا أن يضعه في خانة همومه. العقل الذي يبتغيه المؤلف في هذه المقدمة لعلم الكلام الجديد، هو عقل متسائل في كل المساحات الخاضعة للذهن البشري، لا يعرف حدودًا  للاستفهام، ولا يدعي بابًا موصدة أمام الطرق.

   ذلك ما تقدمه رؤية عبدالجبار الرفاعي لعلم الكلام الجديد، ورسمه لخارطة أركانه الأساسية، وما تهدف إليه دعوته للاجتهاد في علم الكلام، من اكتشاف للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين اليوم.

 


[1] كاتب عراقي متخصص في علوم الدين.