آفاق يحاور  د. إياد البرغوثي حول الدين ودوره في إدارة الحياة

 

إضاءات..

البرغوثي:"إن حصر الإيمان الإنساني بالإيمان الديني يشكل تجني على جوهر الإنسان، الذي من الصعب حصره في زاوية محددة مهما بلغت أهميتها، موضحا أن سؤال الحياة  أحد الأسئلة الأولية التي طرحها الإنسان على نفسه في بدايات تشكل وعيه الإنساني."

البرغوثي:"من الضروري أن يدرك المتدين أن حاجته للدين ليست بالضرورة كحاجة الآخرين له، والعكس صحيح ، كما ومن الضروري أن يدرك غير المتدين أن عدم حاجته للدين لا تنطبق على المتدين، وأن حاجة المتدينين للدين ليست بالضرورة "مصطنعة" ".

البرغوثي: "الأخلاق قيم إنسانية موجودة عند المتدين أو غيرة، وقد يفتقدها المتدين أو غيرة فليس التدين أو عدمه مقياسا للأخلاق أو عدمها. وأن الأخلاق عند المتدين ليست غاية في ذاتها، في حين أن أخلاق غير المتدين هي غاية في ذاتها".

البرغوثي: "إن الدين يترك أثرا واضحا في الثقافة كما الإسلام، إذ يصبغ الكثير من جوانب حياة المسلم الثقافية وغيرها بصفة دينية، تزداد أو تنقص حسب عوامل عديدة. ورغم اختلاف تعاطي  الأديان مع ثقافتها، بدت الأمور وكأن العقلية الدينية الرتيبة تخاف من التعامل مع أيه عقلية أخرى أو أية طريقة أخرى لتناول الأمور".

البرغوثي:"من الملاحظ طغيان الفكر الديني على كافه مناحي الحياة في كثير من المجتمعات الإسلامية. كل المواضيع، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية تأخذ طابعا دينيا ، وتحلل على قاعدة دينية وتتحول الى حديث في الدين، هذا لا يحدث في أي مجتمع اخر في العالم".

البرغوثي: "لا ينظر رجال الدين بإيجابية إلى الفن، والموسيقى، والشعر، والفلسفة. بل لعبوا دورا ملحوظا في إعاقة تطور هذه المجالات في منطقتنا. وترك هؤلاء أثرهم على ميدان التربية والتعليم حيث لعبوا دورا في إلغاء تدريس مادة الفلسفة في كثير من البلدان".

البرغوثي:"يجب أن يقترن التدين بالتسامح،  كما ومن المهم أن يفصل المتدين بين إيمانه الديني وبين البحث العلمي الذي يحتاج إلى العقل المجرد، والتجربة المباشرة، وأن كل زيادة على المسلمات (بما فيها المقدسات) تعني نقصا في المساحة التي يعمل بها العقل".

البرغوثي:"ينبغي أن يتحرر العقل من أعباء كثيرة بما فيها أعباء إقحام التصورات الدينية فيه، ويتحرر الدين من عبء البحث عن تفسير "عقلي لأية مسألة تتعلق به" "..

البرغوثي:"من الضروري معرفة أن الدين بإجاباته الجاهزة، قد يفهم بطريقة ترفض الإبداع كما يجري في كثير من الأحيان. والعقل المؤمن إذا تعاطى مع الدين بجمود قد يصل إلى الخمول ورفض الإبداع المرتبط بالحرية أكثر من ارتباطه بأي شي آخر".

البرغوثي: "القراءة المتجددة للدين تعني مرونة التعاطي مع النص وقراءته في ضوء المتغيرات الحياتية، واعتبار مركزية الإنسان هي الأساس. ومن الأهمية بمكان، أن يفصل الخطاب الديني بين مجال العلم والعقل والتجربة وبين الإيمان، فلكل حيزه".

البرغوثي: "قدم الخطاب الديني الله في كثير من الأحيان رقيبا "حشريا" أكثر منه راعيا ومباركا. وقدمه إما حاضرا "ثقيلا" أو "غائبا" دائما يحضر عندما لا داعي لحضوره ويغيب عندما يلزم وجوده".

البرغوثي: "الدين الذي إذا أريد له أن يلعب دورا إيجابيا ينبغي أن يتم التعامل معه بمرونة، فالحياة بكل جوانبها في تطور مستمر، وعليه أن يضع نصب عينيه الإنسان وحريته وتطوره وليس العكس."

البرغوثي:الدارسون والباحثون في الأديان ليس بالضرورة أن يكونوا مؤمنين بتلك الأديان التي يدرسونها، وإنما ينبغي أن ينظروا للأمر المدروس بحيادية تامة، وبوجود مسافة بينهم وبين مايدرسون، وهدفهم بالأساس البحث في حقائق الأمور بمنهج علمي وبحياد تام تجاه الأديان.

البرغوثي: "في الأفكار الشمولية، بما فيها الأديان الشمولية أيضا، يكاد الفرد يختفي لصالح الجماعة، بل أن قيمة ذلك الفرد تكبر كلما ضحى بذاته من أجل الآخرين."

البرغوثي:"سينتهي الصراع بين الأديان والأفكار والنظريات الإنسانية المعاصرة، اذا استطاع كل من الدين والعلمانية الاتفاق على شكل العلاقة بينهما."

 

 

----------------------------------------------------------------------------------------------------

 

 

المقدمة:

 

طرح إشكالية التقليد والتجديد بقوة في الكثير من الكتابات العصرية نتيجة لسرعة التحولات وتزاحم الإشكاليات في المجتمع الإسلامي المعاصر، فحركة المجتمعات في حالة متغيرة وبصورة متسارعة، وفهمنا لطبيعة تلك الحركة اليوم في إطارها الطبيعي تشكل منطق كل تحول حضاري جديد، ومنطلق كل حركة نهضوية جديدة لمجتمعنا.

إن الوعي لطبيعة تلك التحولات و المتغييرات يتطلب منا إعادة تأهيل لمعارفنا الدينية وتحريك آفاق الفكر الديني والتحرر من قيود الماضي بوعي، والتواصل مع حركة الحاضر لاستشراف المستقبل؛ لأن المعرفة الدينية بطبيعتها معرفة بشرية متحولة.

فالقراءة المتجددة للدين يعني التعاطي مع النصوص بمرونة ، ومواءمة العصر .

من هنا، كان لمركز آفاق للدراسات والبحوث وقفة مع  رئيس الشبكة العربية للتسامح الدكتور إياد البرغوثي في حوار فكري حول (الدين ودوره في إدارة الحياة ).

 

نص الحوار ..

 

الدين وسؤال الإنسان.

1-ماذا عن ماهية الدين؟ و هل هناك حاجة وجودية للدين أم أنه ضرورة إنسانية ؟ 

الجدل حول ما إذا كان عقل الإنسان يبدأ صفحة بيضاء ثم يأخذ (بالامتلاء) من تجاربه وتأثره بالأشياء، هو نقاش قديم ومحق، لكن مما لا شك فيه أن حياة الإنسان لا تقتصر على الجانب المادي، فهناك أيضا الجانب الروحي والوجداني الذي لا يخضع للحسابات العقلية بأبعادها العلمية التجريبية، حيث يكون هناك دور الإيمان الذي هو بطبيعة الحال أكبر من الإيمان الديني وأشمل.

باعتقادي أن حصر الإيمان الإنساني بالإيمان الديني يشكل تجني على جوهر الإنسان، الذي من الصعب حصره في زاوية محددة مهما بلغت أهميتها. من الضروري أن تتوفر لدى الإنسان السوي القدرة على التوازن بين العقل والقلب (الوجدان)، ومن الحكمة ان لا نخلط بين المساحة التي يشغلها كل منهما، وألا نعارض هذا بذاك، فالتناغم بين الجانبين في حياة الإنسان هو مصدر الحكمة والطمأنينة الذي بدونهما تبقى حياة الإنسان غير سوية.

لا يوجد اتفاق على الكيفية التي نشأ فيها الدين عند البشر، فالبعض بمن فيهم متخصصون في دماغ الإنسان يعتبرونه معطى فسيولوجيا لا يمكن النقاش حول حقيقته، والبعض الآخر يعتبره شيئا مستحدثا في سياق تطور الوعي الإنساني، كاستجابة لتجاربه ولاحتياجاته الذاتية ولعلاقته الموضوعية بالأشياء.

من المنطقي أن يكون سؤال الحياة، أحد الأسئلة الأولية التي طرحها الإنسان على نفسه في بدايات تشكل وعيه الإنساني، عندما غادر عالم الحيوان وابتدأ السير في طريق الأنسنة. ومن البديهي أن يحاول الإنسان بأدواته، البسيطة وقدرته الذهنية المتواضعة في تلك المرحلة، الإجابة على ذلك السؤال. ومن الطبيعي أيضا ان تكون إجابات متعددة على هذا السؤال، أحدها أو بعضها كان "نواة" لوجود الإيمان الديني بأشكاله المختلفة.

تجلت بدايات الفكر الإنساني بسؤال المصير فكانت الفلسفة، وبأجوبة المصير أو بعض تجلياتها، فكان الدين واللادين أيضا. فالمساحة التي يحتلها الدين في ذهن الإنسان تكمن في الدين ورفضه وهذا يختلف عن المساحة التي يغيب فيها الدين حيث لا يكون سؤال الدين مطروحا ابدا.

الأهم من دقة الإجابة أو الأجوبة على سؤال المصير، هو أن كثيرا من البشر عبر تاريخهم يؤمنون بأن الدين هو الإجابة الشافية على هذا السؤال، ويتصرفون (يتدينون) على هذا الأساس.

ما أردت قوله هنا هو أن الأهم من ما إذا كان الوعي الديني هو استجابة حقيقية أو "مشوهة" لحالة ما ، هو أن الكثيرين يؤمنون به ويتأثرون في سلوكهم وخياراتهم بهذا الوعي، بينما لكثيرين أيضا موقفا مخالفا بحيث لا يشكل الدين تلك الأهمية بالنسبة لهم.

إن القول أن الوجود الحقيقي للدين وللمقدس في السماء هو بشكل أو بآخر “حقيقة" نسبية، أما تجلي ذلك الوجود لدى أعداد هائلة من البشر على الأرض فهو حقيقة مطلقة. هذا يعني أن الإيمان الديني الذي يتجسد بالأساس بوجود أو بضرورة وجود شكل من أشكال الحياة الأخرى للإنسان، وكثيرا ما يكون ذلك وجودا للمقدس على شكل آلهة أو إله، يصبح أكثر أهمية عندما يذهب إلى تأثير ذلك الإيمان على حياة المؤمنين، وكيف ينعكس ذلك على علاقاتهم بالأخرين مؤمنين وغير مؤمنين، وعلى سلوكهم وأفكارهم بصورة عامة.

هنا تكون حاجة الناس للدين مختلفة، واستجابات المؤمنين لإيمانهم مختلفة أيضا، بناء على فهمهم المختلف لأسس إيمانهم المعطاة على شكل تعاليم مكتوبة في كتب دينية او تعاليم توارثتها الاجيال المتعاقبة. هنا يكون الحامل الاجتماعي للنص أكثر تأثيرا من النص نفسه، ويكون فهم المتدين لدينه وعلاقته به مسألة في غاية الأهمية.

 

أهمية الدين وحاجة الإنسان.

2-أين تقع أهمية الدين في الحياة الانسانية و ما مدى تأثيره فيها؟ 

بتقديري أن الأهم من ماهية الدين هو تجلياته في حياة المؤمنين به أو غير المؤمنين به في بعض الأحيان. تختلف أهمية الدين وحاجة الإنسان اليه من فرد لآخر، وعادة ما ينطلق تقييم المؤمن لدينة  من ذاتية مفرطة وعقلية وصل بها الأمر إلى صفر تسامح، فمن الطبيعي أن يشعر المتدين بأمس الحاجة إلى الدين – والكلام هنا عن حاجته الذاتية – وهذا بالطبع مشروع ومنطقي، لكن المشكلة تتفاقم عندما يتم تجاوز ذلك واعتبار حاجة تلك حاجة للبشرية جمعاء وبكل التفاصيل التي يرى فيها علاقته هو مع تدينه، فيبدي استغرابه لعدم حاجة الآخرين له وتفسير ذلك على أنه خروج عن البديهي "والفطري"، ثم تحدث الطامة الكبرى إن هو أخذ على عاتقه "تصحيح" ذلك الوضع "الشاذ".

من الضروري أن يدرك المتدين أن حاجته للدين ليست بالضرورة كحاجة الآخرين له، والعكس صحيح أيضا، فمن الضروري أن يدرك غير المتدين أن عدم حاجته للدين لا تنطبق على المتدين، وأن حاجة المتدينين للدين ليست بالضرورة "مصطنعة" كما يعتقد البعض.

أما إذا تجاوزنا الذاتي الى الأهمية الموضوعية للظاهرة الدينية، فعلى الجميع مؤمنين وغير مؤمنين، الإقرار بأهمية تلك الظاهرة من حيث انتشارها بين أوساط فئات واسعة من الناس وتأثيرها على جمهور المتدينين وعلى غيرهم، فالإيمان الديني، والإيمان بصورة عامة هو طاقة كبيرة يمكن أن توجهه إيجابا أو سلبيا.. ويمكن أن تستثمر بشكل أو بآخر من قبل جهات خيرة أو جهات شريرة.

فالدين من حيث هو قناعات لدى مليارات من البشر هو في غاية الأهمية، لكن طبيعة تلك الأهمية وانعكاساتها قد تكون إيجابية أو سلبية، اعتمادا على عوامل عدة، موجودة في أحيان قليلة في الدين ذاته، وأحيان أخرى في طبيعة التعامل مع ذلك الدين.

يجب أن يقترن التدين بالتسامح، فالدين الذي من المفترض أن يكون موحدا، سيكون في غياب التسامح (الإقرار الطبيعي بالاختلاف والحق في الاختلاف) سيكون سببا في الفرقة والتقاتل. والدين الذي يفترض المحبة يمكن أن يكون وسيلة للكراهية والعنصرية والتعصب والتطرف. والدين الذي يفترض أن يكون طريقا للانعتاق والتحرر يمكن أن يكون ذريعة لتكريس العبودية والاضطهاد والاستغلال والاستبداد.

هذا على الصعيد الاجتماعي والسياسي، أما على الصعيد المعرفي والعلمي، فمن المهم أن يدرك المتدين للنقطة التي يجب عليه أن يفصل بين إيمانه الديني وبين البحث العلمي الذي يحتاج إلى العقل المجرد، والتجربة المباشرة.

إن ما يذهب إليه المتدينون في كثير من الأحيان، من تضخيم للمقدس الذي يجب ان يبقى ضمن الحدود الدينية التي يؤمن بها المتدين، وتعميم له ليتم تجاوز ذلك إلى تقديس التاريخ واللغة والتراث، سيأتي بنتائج كارثية على أي محاولة للنهضة.

من البديهي أن كل زيادة على المسلمات (بما فيها المقدسات) تعني نقصا في المساحة التي يعمل بها العقل. في المسائل العلمية لا بد من استقلال مطلق للعقل وأن يكف عن كونه عبدا " اللا عقل “عند بعض المتدينين وغيرهم. باعتقادي أن محاولة تديين العلوم وانتزاعها من قوانينها الموضوعية من جهة، كما تحاول أن تفعل فئات من الانتلجنسيا الدينية أو "عقلنة" المقدس كما يحاول أن يفعل بعض العلمانيين "الجدد" سوف يسئ الى كل من الدين والعلم.

 

تحرير حقيقة الدين .

3-قيمة الدين بحاجة لقراءة متجددة  و مقاربة موضوعية على ضوء معطيات الواقع بحسب نتاجات فعل التدين، كيف يمكن ضبط فعل التدين و تحرير حقيقة الدين و قيمته في الحياة؟

 

القراءة المتجددة للدين تعني مرونة التعاطي مع النص وقراءته في ضوء المتغيرات الحياتية، إذ أن الواقع المتغير والمتحرك باستمرار لا ينبغي أن يفسر، ولا يمكنه أن يفسر في ضوء نص ثابت المعنى. والنص الصالح لكل زمان ومكان لا يمكن أن يعني إلا أن النص قابل للتفسير في ضوء المستجدات الزمانية والمكانية وليس العكس.، أي ليس بتفسير الواقع المتحرك في ضوء نص ثابت.

كما أن تلك القراءة تعني ضرورة اعتبار مركزية الإنسان هي الأساس، بحيث يفسر النص الديني لمصلحة الإنسان وحريته وكرامته في مقابل أي شيء أخر. إن افتراض أن الدين إنما جاء لمصلحة الإنسان يجب أن يمارس عمليا من خلال السمو بالإنسان واحترامه، والتعامل مع الدين بطريقة تدوير الزوايا لتصب الأمور في مصلحة الإنسان.

في كثير من الأحوال تتم معارضة الإنسان بالله (بالدين)، وكأن سعادة الإنسان تتناقض مع ما يتطلبه الدين منه. هذا ما يجب أن يتغير في الفهم المطلوب للدين، بمعنى أن يكون المبتغى الأسمى له هو سعادة الإنسان والعلو من شأنه. الدين يفترض أن يقف (الله) مع الإنسان الذي يستحق، وليس أن يقف الإنسان مع الله الذي هو (دينيا) ليس بحاجة إلى الإنسان. جوهر الدين يفترض أن الإنسان بحاجة إلى الله وليس العكس.

كما أن تجديد الفكر الديني يتطلب الابتعاد عن خطاب التكفير، وتقسيم البشر إلى مؤمنين وغير مؤمنين (كفار). لا ينبغي أن تبقى درجة التدين هي محور الخطاب الديني، بل العدل. فالإصلاح الديني وتجديد الخطاب يفترض أن يذهب الى النظر الى البشر على اعتبار أنهم مظلومون وظالمون، محترمون وفاسدون، مغتصبون ومغتصبون.

إن احترام حرية الإنسان مسالة في غاية الأهمية، فالمؤمن ان يقوم بالطقوس التي يؤمن بها كما يريد، وفي نفس الوقت عليه احترام حرية الأخر وفي مقدمتها حريته في الاعتقاد بما يشاء. هنا تأتي أهمية الخطاب الديني في الدعوة إلى التسامح واحترام الأخر والتركيز على التعايش المشترك.

ومن الأهمية بمكان، أن يفصل الخطاب الديني بين مجال العلم والعقل والتجربة وبين الإيمان، فلكل حيزه، وليس من الحكمة ولا من المفيد أن "يحتل " أي منهما مساحة الأخر. بذلك يتحرر العقل من أعباء كثيرة بما فيها أعباء إقحام التصورات الدينية فيه، ويتحرر الدين من عبء البحث عن تفسير "عقلي لأية مسألة تتعلق به".

العلاقة بين الدين والأخلاق.

4-يتميز مفهوم الدين بالسعة و العمق و المركزية في حياة الإنسان العامة و الخاصة، كيف يمكننا استيعاب ماهية الأخلاق في ظل هيمنة قيمة الدين و اي علاقة يمكن تصورها بين الدين و الأخلاق؟

 تثبت التجربة عدم تطابق منظومتي الدين والأخلاق، وإن كانتا تتقاطعان في بعض المساحات. من هنا نحن لسنا مع من يعتبر أن الأخلاق موجودة في الدين رغم دعوة الكثير من النصوص الدينية الإسلامية وغيرها "لمكارم الأخلاق" وأن لا وجود للأخلاق خارجه كما يرى بعض المتدينين، وبالتالي يحكمون على أخلاق الناس من خلال مدى تدينهم ومدى إقامتهم أو عدم إقامتهم للشعائر الدينية. وكذلك لسنا مع أولئك الذين يقولون أن لا علاقة قطعيا بين الدين والأخلاق بأي شكل كان، فالتداخل بينهما موجود خاصة من خلال حمل الدين لقيم على علاقة وثيقة بالقيم الإنسانية.

الأخلاق قيم إنسانية موجودة عند المتدين أو غيرة، وقد يفتقدها المتدين او غيرة فليس التدين أو عدمه مقياسا للأخلاق أو عدمها. لقد وجدت الأخلاق عند البشر متدينين وغير متدينين عبر التاريخ، كذلك هي الآن، لكن الأخلاق عند المتدين ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي استجابة لتعاليم، في حين أن أخلاق غير المتدين هي غاية في ذاتها، وهي علاقة بين الفرد والآخر، ضرورية الوجود لا لشيء، ولا من أجل إرضاء قوى "خارج" الطبيعة، وإنما لرضى الذات والضمير فقط.

في الحالتين، التدين أو غير التدين يفترض أن  يصل الإنسان السوي – وبالتالي المجتمع – إلى الأخلاق (وهو المطلوب)، سواء كان ذلك مباشرة كما هو في حالة غير المتدين، أو من خلال المرور عبر محطة الدين كما هو في حالة المتدين، ولا ضير في أن يعتبر المتدين أن أخلاقه نابعة من دينه، أو أن يعتبر غير المتدين أن أخلاقه نابعة من ضميره، ومن إنسانيته دون ضرورة المرور عبر طرف آخر، هو الدين في هذه الحالة.

تتحدث الأديان كثيرا عن الأخلاق، وقد تكون طريقا لتعزيز القيم الإيجابية لدى أتباعها، لكنها إذا ما فهمت كنصوص أو تعاليم جامدة وتم اتخاذها كأيديولوجيات يملك الموجود داخلها – دون غيرة - الأخلاق والحق والمنطق بعكس الموجود خارجها، عندئذ توجد لدى صاحب تلك الإيديولوجيا المبررات لفرض فهمه للأخلاق على الأخر، ومن ثم شيطنته ومحاربته إذا استعصى عليه الأمر.

من حق المتدين أن يعتبر أخلاقه جزء من إيمانه أو أتية من تدينه، بل من واجبه إن كان مسلما لان القرآن يطلب مباشرة و بوضوح من المسلم أن يلتزم بالأخلاق، لكن سيكون مفيدا إن هو أدرك أن الأخلاق نسبية، وما هو عمل أخلاقي عند إنسان أو مجتمع ما قد لا يكون كذلك عند إنسان آخر أو أمم أخرى.  يدفع الدين باتجاه الأخلاق إذا فهم "الله" كذروة للقيم الإنسانية الكبرى (العدل والحرية والحق)، وكممثل لها، أما إذا كان فهم "الله" بطريقة لا تتجاوز كونه شاهدا ورقيبا على درجة الإيمان، ويتم تقسيم الناس بناء على موقعهم من الدين بين أخيار وأشرار، فإن ذلك قد يؤدي كما أدى في السابق، إلى حروب ترتكب فيها" باسم الله" أفظع الجرائم.

من هنا تنبع الحاجة الى قيمة التسامح حيث الحرية مقدسة، حرية الذات وحرية الأخر، وعلى المجتمع أن يجد الأليات المناسبة لكي تتناغم كل الاختلافات في لحن التطور السليم والاستقرار والأمن والتنمية والسعادة للجميع على اختلاف عقائدهم وأصولهم.

 

الدين وثقافة البشر .

5- بالنظر للدين و للثقافة في واقع الحياة الإنسانية المعاصرة نلاحظ أشكال من التزاحم و التداخل و الجدل بين كلا الحقلين و على مدى عدة مسطرات معرفية ، أي علاقة بينهما و ما مدى التباين بينهما و أين يتحدد التداخل الوظيفي لهما في التأثير على مستقبل الحياة الإنسانية؟

الدين هو إيمان بمقدس يستند إلى عدم اقتناع بالموت الأبدي وتسليم بضرورة الخلود بشكل أو بآخر، وسلوك معين يستند إلى ذلك الشكل من الإيمان، بما يحتوي ذلك السلوك من طقوس وممارسات "مطلوبة" أو "مفروضة" دينيا، ونمط من التفكير والتعاطي مع الأشياء بشكل من الخصوصية تستند إلى ما يفترض أنه التعاليم الأساسية لذلك الدين. 

أما الثقافة فهي ما ينتجه البشر من شكل للحياة وأدب وفن ونمط تفكير في سياق سعي أولئك البشر للبقاء والنماء والتطور والإنتاج المادي والفكري بصورة عامة، وفي إطار تفاعله الدائم مع الطبيعة ومع المجموعات البشرية الأخرى وهو أي الثقافة متعددة الجوانب وهي تضم الدين وتتجاوزه.

رغم العلاقة الوطيدة بين الدين والثقافة، على الأقل في ذلك الجانب من الثقافة الذي يتناول الجوانب التي تتقاطع مع الدين وتعاليمه وما ينسج حول ذلك من مفاهيم ورؤى وأنماط تفكير، إلا أن الدين والثقافة ليسا متطابقين حيث تتناول الأديان بعض جوانب الثقافة.   إن عدد الأديان في العالم لا يساوي عدد الثقافات التي تخضع لاعتبارات عديدة، الدين يمثل جزءا بسيطا منها، وإيمان شعبين أو مجموعتين بدين واحد لا يعني أن لهما ثقافة واحدة.

هناك تداخل لا فكاك منه بين ثقافة الشعوب ومعتقداتها الدينية، وإن كان هنالك بالطبع تفاوت بين الشعوب المختلفة في مدى ذلك التداخل. فالدين في أحد جوانبه هو ظاهرة اجتماعية – ثقافية، وتنوع الأديان يعزى إلى عوامل عديدة من بينها تنوع الثقافات التي تترك بصمتها على جوانب معينه في الدين.

وعلى الرغم من تنوع الثقافة وشموليتها بحيث تبدو أشمل من الدين الذي يبدو من ناحية كأحد منتجاتها، فإن الدين يترك أيضا أثرا واضحا في الثقافة كما يفعل الإسلام في هذه الأيام، إذ يصبغ الكثير من جوانب حياة المسلم الثقافية وغيرها بصفة دينية، تزداد أو تنقص حسب عوامل عديدة.

تختلف الثقافة الباكستانية عن الثقافة المصرية في كثير من جوانبها رغم أن الإسلام هو دين الغالبية في كل من الباكستان ومصر. فالثقافة المتعلقة بالطعام واللباس والموسيقى وكافة أنواع الفنون تختلف من مجموعة لأخرى حتى من اتباع نفس الدين. ودرجة تواجد الفكر الديني يختلف بين شعب وآخر وفئة وأخرى من اتباع نفس الدين. حتى الدين نفسه، يتم التعاطي معه بكثير من الاختلاف من ثقافة لأخرى. فدرجة الانفتاح الفكري والتسامح والتعاطي مع الآخر تختلف بين أفغانستان وماليزيا المسلمين، وبين فرنسا ونيجيريا المسيحيتين.

من الضروري معرفة أن الدين بإجاباته الجاهزة، قد يفهم بطريقة ترفض الإبداع كما يجري في كثير من الأحيان. والعقل المؤمن إذا تعاطى مع الدين بجمود قد يصل إلى الخمول ورفض الإبداع المرتبط بالحرية أكثر من ارتباطه بأي شي آخر. لذلك من السهل الملاحظة ان معظم المبدعين الثقافيين البارزين في منطقتنا، شعراء وروائيين ورسامين وغير ذلك هم على الأغلب ليسوا محسوبين على المتدينين، والإبداع بمعظمه تجاوز للمألوف واختراق له وهذا لا ينسجم مع العقلية الدينية الإستاتيكية الغارقة بقناعاتها والمستسلمة لما "كتب" لها.

بدت الأمور وكأن العقلية الدينية الرتيبة تخاف من التعامل مع أيه عقلية أخرى أو أية طريقة أخرى لتناول الأمور، فالثقافة كما العلم، تسير إلى حيث تريد، وتتناول الأمور بمنطقها المتفلت من تابوات المعرفة وثنائية الحلال والحرام، على الرغم من تفاوت الأديان المختلفة تجاه هكذا أمور نظرا لأن الأديان تتأثر بحاضناتها الثقافية المختلفة.

لا ينظر رجال الدين بإيجابية إلى الفن، والموسيقى، والشعر، والفلسفة. بل لعبوا دورا ملحوظا في إعاقة تطور هذه المجالات في منطقتنا. وترك هؤلاء أثرهم على ميدان التربية والتعليم حيث لعبوا دورا في إلغاء تدريس مادة الفلسفة في كثير من البلدان، ولهذا السبب كان التسامح ضروريا بحيث تشكل حرية الآخر عاملا مهما في تشكيل العلاقة بين الأطراف، وحتى ولو لم يكن العقل الديني متحمسا لنوع من أنواع الثقافة عليه ألا يشكل عائقا في الوقوف مع المختلف عنه أو المختلف معه.

هناك بالتأكيد علاقة بين الثقافة التي نشأ الإنسان في أحضانها وبين تجربته نحو التدين أو عدم التدين، وبالتالي فلا مناص من احترام الديانات لبعضها، واحترام الثقافات لبعضها، لأن الإنسان متنوع ومتعدد بالضرورة، وهو الذي يجب احترامه على الشاكلة التي يريدها لنفسه، وهذا بتقديري هو ما تهدف اليه الأديان، وهو ما يهدف إليه الإنسان ذاته.

الدين والتحولات السوسيو ثقافية.

6- واقعا هناك جدلية و تشعب حول مفهوم الدين يزداد تعقيدا مع التحولات السوسيوثقافية التي تعرفها المجتمعات الإنسانية، ابتداء  من الفردانية كفلسفة وصولا للعولمة كمشروع مهيمن على مفاصل الحياة الإنسانية بشتى تمثلاتها، بلحاظ هذا الحاصل هل الدين سيرورة ثقافية متطورة أم ماذا بالنظر للتباينات بين الأديان كلها حتى في مقاربتها لله و وجوده و فلسفة الوجود الإنساني و مستقبله؟

 

من البديهي أن الأديان، أو بشكل أدق الفكر الديني يتأثر بالجو الثقافي الاجتماعي والبيئي الذي يعيشه. فالإسلام يتأثر بدون شك بالجو الصحراوي الشرقي والقبلي، تماما مثلما تأثرت البوذية بجو جنوب شرق آسيا، ومثلما تأثرت ديانات الأسكيمو بجو سيبيريا.

 من غير المنطقي أن تعتقد ـأن صلاة الاستسقاء الموجودة في الإسلام حيث يعيش المسلمون في معظمهم في جو صحراوي جاف- على الأقل في بداية انتشار الدين الإسلامي - ، يمكن أن تكون هي نفسها في جو ماطر يعاني فيه الناس من كثرة المياه لا من شحها. ومن الصعب جدا أن نتصور دعوة الشيخ المسلم للمتوفي بأن يغسله الله بالثلج والبرد حيث لهيب الشمس الحارقة، يمكن أن تكون نفسها الدعوة للميت  في سيبيريا حيث البرد القارس وندرة الشمس. بل أن تصور جهنم والعذاب هو مختلف بين اتباع الديانات المختلفة، فمن يعتبرها نارا دائمة ، هناك الذي من يعتبرها جليدا سرمديا.

لهذه الأسباب، وغيرها أيضا، كان هناك تعدد في الأديان، تماما كما كان تعدد في الثقافات، وفي المدارس الفلسفية، وكذلك في الأيديولوجيات التي تعددت مواقفها من الإنسان ومن الجماعات الإنسانية بأشكالها المختلفة، قبائل أم طبقات أم طوائف أو مجتمعات وشعوب وأمم.

معظم المدارس الفكرية وكذلك الأديان والأيديولوجيات المختلفة كانت أقل اهتماما بالإنسان الفرد منه كعضو في جماعة أكبر. في الأفكار الشمولية، بما فيها الأديان الشمولية أيضا، يكاد الفرد يختفي لصالح الجماعة، بل أن قيمة ذلك الفرد تكبر كلما ضحى بذاته من أجل الآخرين، لذلك كانت الأيديولوجيات المختلفة تتهم بأنها تأخذ السوسيولوجيا بعين الاعتبار لكنها لا تعير السيكولوجيا (الفرد) أي اعتبار.

هذا أصاب الفرد بشيء من خيبة الأمل في كثير من الأحيان، فهو يضحي لكن لا يوجد من يقدر هذه التضحية ويهتم بصاحبها. ورغم تلك التضحية فإن الفرد يجد نفسه فاقدا لحريته أكثر، ومرهون قي كثير من الحالات إلى جماعته، أو أسرته، أو مجتمعه، أو دينه، أو حزبه. كل هذا أدى في النهاية إلى رفض كل ما هو حوله وإلى فردانيته.

تعاملت الأيدولوجيات والأفكار والمؤسسات والأديان مع الإنسان اجتماعيا وسياسيا بينما غابت السيكولوجيا في كثير من الأحيان. والفرد الذي ينبغي أن يكون فاعلا في محيطه وصل إلى حالة المتلقي والمستقبل. وانحسرت حياته في واجباته وفيما هو مطلوب منه، دون الأخذ بعين الاعتبار أن له حقوقا واحتياجات وأنه كيان قائم بحد ذاته، فثار على الأسرة والمجتمع والحزب والدولة والدين والله وكل ما يمكن أن يبعده عن "فطرته" وفوضاه.

ذهب هذا الفرد فكريا إلى الفلسفة البراغماتية وأخذ ينظر إلى الأمور نفعيا بقدر ما يستفيد منها هو شخصيا. كبرت ثقته بنفسه ونظرته لمصلحته وأنانية عل حساب ما كان يتلقى من "تنظير" في الأخلاق والمبادئ والتضحية والاهتمام بالآخر والعمل العام وفقد ثقته بكل شي إلا نفسه.

في ظل هذا الوضع الذي ذهب الفرد إلي قمة استيائه من كل ما هو حوله، جاءت العولمة، التي جلبت معها إنجازات عظيمة في مجالات كثيرة خاصة في مجال الاتصال وتقريب أمور كثيرة لدى شعوب العالم من بعضها، إلا أنها في نفس الوقت خلقت ضغوطات كبيره على الفرد من زاوية حرمانه من أدنى درجات الاستقلال والخصوصية، وبدل من أن يكون مراقبا من شخص ما أو حزب و جماعة أو دولة، أصبح مكشوفا لكل مخابرات العالم، ناهيك عن الأفراد المحيطيين به. وأصبح لا يستطيع الهروب حتى من طعم للكورونا ،لأن العالم سيحاصره إن هو حاول ذلك.

 هذا ذهب بالفرد باتجاهين، إما نحو الدين والله كي يعيناه على ما فعلت به الحضارة، فأفقدته ذاته في خضم العواصف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وحتى الطبيعية والصحية مؤخرا، وإما ذهب بعيدا في رغبته بالابتعاد عن الجميع فقرر القطيعة حتى مع الدين ومع الله.

يفهم الدين – وكذلك الله – بأشكال مختلفة، وذلك طبقا للدين الذي يجري الحديث عنه، وشكل التدين الذي يمارسه أتباع ذلك الدين. لكن بالمجمل فإن الأديان المختلفة تعتبر الجماعة "الأمة" أهم من الفرد، والفرد يستمد قيمته من انتمائه للجماعة وليس العكس، وعليه أن يلتزم بالجماعة لدرجة التلاشي.

إن الفرد سيكون أقرب إلى الدين – وإلى الله – بقدر ما يتفانى في إنكار الذات لصالح الجماعة التي هي في حالة الدين، الجماعة الدينية.. أمة كانت أم طائفة أم حزبا. في هذه الحالة يوضع الدين في مواجهه الفرد، وعلى الفرد أن يضحي في سبيل "الله" ومن خلفه الجماعة، والوطن، والدولة، والنظام.

كثير من الذين يعانون من تبعات الحضارة وجدوا خلاصهم في العلاقة مع الله، الله الذي يعني لهم المطلق، والذي يشمل القيم الإيجابية الكبرى كالعدل والحقيقة والحرية، ويرون فيه الراعي والحارس والمبارك لهم. كان تقرب هؤلاء إلى الله من خلال الثقة الروحية والتأمل الخالص والانصهار في علاقة خاصة بالله عند البعض، لكن الأغلبية ذهبت باتجاه إقامة العلاقة مع "الله" عبر المؤسسة الدينية و رجل الدين، وكثيرا ما شوهت هذه الوسيلة تلك العلاقة المطلوبة مع الله.

لكن ليس كل من أراد الاعتبار لذاته وجد في الدين الوسيلة الأنجح لذلك. بل أن الدين لديهم متهم أيضا بممارسة القمع ضد ذواتهم جنبا إلى جنب مع كل المؤسسات الأخرى. ساعد في ذلك كثير من الخطاب الديني والفكر الديني عموما الذي قدم الدين عبئا على الفرد، أو ملجأ للانتهازيين وأداة للمستغلين. وقدم الله بطريقة تدفع للنفور منه أكثر من التقرب له.

قدم الخطاب الديني الله في كثير من الأحيان رقيبا "حشريا" أكثر منه راعيا ومباركا. وقدمه إما حاضرا "ثقيلا" أو "غائبا" دائما يحضر عندما لا داعي لحضوره ويغيب عندما يلزم وجوده. صور بعض الخطاب الديني الشيطان هو الفاعل الأكبر وليس الله، وأن الشر والألم والفساد هو الأبقى وليس الخير والطمأنينة التي يمثلها الله للمؤمن.

ساعد في ذلك التوجه فهما دوغمائيا للنص الديني، وجمودا قاتلا في التعامل مع الفكر الديني عموما، وعلاقة مشبوهة بين الدين والدولة، ومتدينون لم يعطوا نموذجا يحتذى في سلوكهم للآخرين.

لذلك كله، ذهب البعض نحو ذاته بتركه لكل شيء بما فيه الدين. الدين الذي إذا أريد له أن يلعب دورا إيجابيا ينبغي أن يتم التعامل معه بمرونة، فالحياة بكل جوانبها في تطور مستمر، وعليه أن يضع نصب عينيه الإنسان وحريته وتطوره وليس العكس.

 

تعددية الأديان ومشكلة حوار الأديان.

7- في ظل اختلاف الوعي لماهية الدين تتولد التعددية الدينية، و بحد ذاتها و إضافة لجدليتها شكلت التعددية الدينية إشكالات و مشكلات في مشاريع الاستقرار لدى العديد من المجتمعات، لماذا لا يزال حوار الأديان  شائكا و هل التعددية الدينية منشأ الصراعات و الأزمات في المجتمعات المعاصرة ؟

 

تعدد الأديان مسألة موضوعية. وبغض النظر إن كان ذلك مصدره تعدد الثقافات والسياقات التي تطورت فيها الشعوب والمجموعات، أو حكمة لدى "الوحي" في إعطاء تعاليمه على جرعات، وفي أزمان مختلفة وبأشكال مختلفة، فإن في العالم آلاف الديانات، وملايين إن لم يكن بلايين المؤمنين بها، وربما مثلهم من لا يؤمن بأي منها لاعتبارات عديدة.

قبل سنوات، استمعت إلى مجموعة من الطلبة في جامعة روتجرز في الولايات المتحدة وهم يتجادلون حول أي الأنبياء أقرب إلى الله من المشهد كان مسلمون ومسيحيون ويهود، كل واحد منهم يؤمن أن نبيه هو الأقرب إلى الله، وهو المفضل عنده. اليهود قالوا أنه لا شك أن موسى هو الذي يحظى بالمرتبة الأولى، كيف لا وهو كليم الله، ولم يختر الله أحدا غيره ليكلمه. في حين أصر المسيحيون أن عيسى المسيح هو الأقرب، فهو ابن الله، وهل أعز من الابن أحد؟!، أما المسلمون فكانوا لا يشكون أن نبي الإسلام محمد هو المفضل، فهو الذي اختاره الله أن يكون نبيه الأخير.

من الطبيعي أن يعتقد المؤمن أن دينه هو الأفضل، فكل يرى دينه الأكثر دقة وموضوعية وعمقا. حتى المسلم الذي يؤمن بالديانات "السامية" الثلاث، أي بالمسيحية واليهودية إضافة إلى الإسلام، يعتقد أن تلك الأديان هي مراحل في طريق النضوج نحو الدين "الأمثل والأشمل" الذي هو الإسلام، وإن الديانتين الأخريين قد حرفتا بشكل أو بآخر.

إذا كان من "حق" المؤمن الاعتقاد بأفضلية دينه، فإن ذلك محظور على دارس الأديان الذي يجب أن يتعامل معها على أنها كلها أديان لها نفس الماهية والمنطلقات في علاقتها بالإنسان، وتؤدي نفس الدور في آخر المطاف، وعلاقة المؤمن بأي دين فيها من " القدسية" بالنسبة له ولا تقل عن القدسية الموجودة لدى أي من المؤمنين بأي دين أخر.

بالعودة إلى حق المؤمن بأفضلية دينه، فإنه بالتأكيد ليس من حقة حرمان المؤمن بدين آخر، أو بمعتقد آخر، من "حقة" أيضا في أن يعتقد بأن دينه هو الأفضل. وليس من حق أي مؤمن أن يستصغر الدين الآخر لإعلاء شأن دينه مهما بلغ عدد المؤمنين بذلك الدين، ومهما بدى له من "لا معقولية" ذلك الدين، فذلك بالتأكيد وصفه لصراع ديني لا ينتهي.

إن مسألة حوار الأديان ستكون مفيدة إن وضعت في سياقها المعقول، وإن ابتعدت عن الاستغلال والاستثمار السياسي الذي يملي فيه القوي رؤاه على الضعيف بحجج دينيه. فالمفروض أن ذلك الحوار هو بين المتدينين، ليس على قاعدة إقناع الآخر أن دينا معينا أفضل من غيره، ولا من أجل دعوة الآخر لتغيير دينه، إنما على قاعدة إيجاد المشترك بين إتباع الديانات المختلفة، واحترام التعدد، ومناقشة المخاطر التي تواجه الجميع، وكيفية الذهاب إلى مستقبل أفضل، وقبل أي شيء آخر احترام حرية الإنسان في خياراته بما في ذلك حرية المعتقد.

ان تعدد الأديان هو انعكاس لاختلاف البشر في كثير من مجالات حياتهم خاصة الثقافية منها أكثر منها تطورات وتبدلات في الوحي نفسه. وما دمنا نتحدث عن حالة من الإيمان الذي ليس من الضرورة ان يخضع لاعتبارات المنطق، فإنه من الطبيعي أن يرى المؤمن كامل "الحقيقة" فيما يؤمن وأن لا يرى ذلك في الأديان الأخرى، لكن من الضرورة بمكان أن يحترم الإنسان التجربة التي قادت شخصا ما للإيمان بدين آخر أو فكرة أخرى... وهي لن تكون بالضرورة تجربة شديدة الاختلاف مع نفس تجربته التي قادته إلى إيمانه هو.

من غير المعقول أن نقدر تجربة ذهبت بصاحبها من حالة الشك إلى حالة إيمان عميق معين، بينما لا نقدر تجربة ذهبت من حالة الشك إلى إيمان آخر، أو حتى ذهبت باتجاه معاكس من حالة ايمان معين الى حالة ايمان آخر أو إلى حالة الشك، فمن غير المنطق أن نفصل تجارب الناس على مقاس تجربتنا الذاتية.

 بتقديري من غير المفيد ومن المنطقي أن  يتم تقسيم العالم حسب أديان الناس ومعتقداهم، إلى مؤمنين و"كفار"، أو إلى المؤمنين بهذا الدين والآخرين. من غير المفيد بتاتا أن يكون ذلك التقسيم بناء على ما سيكون عليه مصير الإنسان في "الآخرة" بعد موته، ويكون الصراع بين البشر وهم على قيد الحياة حسب معتقداهم ومصيرهم بعد انتهاء تلك الحياة، وشكل وجودهم بعد ذلك.

من الطبيعي أن تحدد علاقات البشر وتصنيفاتهم حول أمور تهم حياتهم. فلا مجال ان تكون العلاقات سوية بين ظالم ومظلوم وبين مستغل ومستغل، ومضطهد ومضطهد، وسارق ومسروق. أما أن يتم تقسيم الناس وتتحدد علاقاتهم طبقا لما يؤمن به هذا ولا يؤمن به ذلك، أو يجب كذا ولا يجب كذا، فهذا حرف الأمور عن وضعها الطبيعي واختلافا لأسس لصراع أبدى بين البشر.

إن ما يسمى حوار أديان لا ينبغي أن يكون بالتأكيد حوار عقائد، بل ينبغي أن يكون، كما هو فعلا كائن، حوارا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بين مؤمنين بمعتقدات مختلفة، لترتيب علاقاتهم في الحياة الدنيا، دون التطرق بأي شكل من الأشكال الى قضايا تتعلق بمصيرهم بعد هذه الحياة.

شخصيا أتفهم تحفظ البعض على موضوع حوار الأديان استنادا الى تخوفات من أهداف غير معلنة لذلك الحوار، أهداف بأغلبيها سياسية تستند إلى الاعتقاد إن تحت يافطة هذا الحوار سيجري تمرير صفقات على حساب الشعوب الضعيفة والمضطهدة، مثلما حدث في موضوع صفقه القرن التي اتخذت من الديانات " الإبراهيمية" ستارا لكي تبرر احتلال فلسطين واضطهاد شعبها، وإقامة علاقات طبيعية مع المحتل الإسرائيلي.

أما رفض الحوار على أسس قائمة على تمييز بين الأديان، وأن دينا بعينه هو الدين الحقيقي والباقي ليس أكثر من خرافات وأوهام فهذا ليس له ما يبرره منطقيا، ويدل على غياب تام للتسامح، وموقف استعلائي من الآخر، ووصفة لصراعات لن تنتهي.

 

تصاعد الصراعات باسم الأديان.

8- هناك عدة شعارات و مشاريع حوارية تهدف لتفعيل الانفتاح بين أطراف التعدد الدياناتي بينما الواقع لا يكاد يتعافى من جراحات بإسم الأديان حتى يتعرض لأخرى، هل السبب يعود لعدم دراسة الظواهر الدينية بحيادية و بهدف فهم الدين أم ماذا؟

 

تتصاعد الصراعات "الدينية" وتتراجع طبقا للظروف السياسية والاقتصادية (الدنيوية) بالغالب وليس بسبب الدين في ذاته، بمعنى الاختلافات بين معتقدات الناس الدينية. كل الذي يحدث أن هذه الصراعات تتخذ طابعا دينيا بالشكل، فالمعتقدات هي الأكثر إثارة، وهي الأكثر قدرة على حشد الناس حولها واستنهاض طاقاتهم وفي بعض الأحيان " تغييب" عقولهم.

تحوي الأديان في ذاتها ما هو قابل للاستخدام من قبل البشر حتى عندما يكون الاستخدام متناقضا. فالأديان عندما تتحدث عن حياة الناس، وتحتوي على شرائع وقوانين لتنظيم حياتهم، من الطبيعي أن تتطرق في حديثها إلى وضع الناس في حالات مختلفة، حالة الحرب وحالة السلم مثلا، وهي بالتالي قابلة للاستعمال في كلتا الحالتين، وتحتوي من النصوص – إن كانت ديانات لها نصوص مكتوبة – على ما يبدو أنه متعارض ليستخدم في الحالات المختلفة.

تحمل بعض النصوص في بعض الديانات طابعا " عنصريا" أو قابلا لأن يفسر بطريقة عنصرية، فالقول بأن اليهود "شعب الله المختار" استخدم من قبل الحركة الصهيونية لخلق "قومية" يهودية، ولتبرير احتلال فلسطين، ولتبني إسرائيل سياسات عنصرية ليس فقط أمام شعوب الشرق المضطهدة، بل حتى أمام الشعوب الأوروبية، وأصبحت مقولة أن من يعادي الصهيونية هو معاد لليهودية قانونا عند بعض الدول.

في الإسلام أيضا، يحدث أن يفسر البعض نصوصا دينية تفسيرا قد يؤدي إلى الشعور بالاستعلاء على الآخرين. فالآية "كنت خير أمة أخرجت للناس"، اعتبرها حسن البنا، إلى جانب غيرها، دعوة لكي يكون المسلمون أساتذة العالم وقادتهم للوصول إلى المعرفة "الحقيقية".

أكثر الأديان عبر التاريخ ليس لها "كتب"، لكن الأديان الكبرى المعروفة حاليا والتي يؤمن بها معظم سكان العالم، لها كتبها وتعاليمها المصاغة في نصوص واضحة ومعروفة. الصراعات بين مجموعات المؤمنين بهذه النصوص هي الأكثر احتمالا للحدوث، وهي الأكثر احتمالا للتصاعد وللاستمرار وللتطرف. فالمؤمن بنص مكتوب يعود اليه في تفسير ظروف حياته وفي تفسير معطيات الحياة عموما، لا بد وأن يكون أصوليا من حيث ضرورة عودة للنص، حيث مساحات الاجتهاد تضيق، وربما تختفي. بالمناسبة، فالرجوع إلى النص والأصولية لا ينطبق على المؤمنين بالأديان فقط إنما على كل من لديه نص يجب أن يعود اليه، كالمحامين مثلا.

بالعودة إلى دراسة الأديان والعلاقة بالتطرف، فمن الملاحظ ان الدراسات المتعلقة بالأديان، فلسفه الدين، وعلم اجتماع الأديان، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي واكبت نشوء الأديان أو دين معين، وتاريخ الأديان وسيكولوجيا المتدين، كل هذه دراسات قليلة، بل نادرة في جامعاتنا ومعاهدنا العلمية. والمتخصصون بها قلائل رغم وجود بعض المتميزين في هذه المجالات.

ان الغالب على دراسة الأديان هو الثيولوجيا – اللاهوت -، حيث يدرس الدين بوصفه وحيا وبوصفه مقدسا ومؤمنا به وحقيقيا. في الدراسات الدينية يتطابق الايمان بالشيء بحقيقة، بل يصبح المؤمن به مقياسا لحقيقة الأشياء. الدين في هذه الحالة يصبح النظرية في "كامل" نضجها، وكل شيء خارج الدين ليس أكثر من وهم أو خيال أو تصور. في هذه الحالة يصبح لكل دين حقائق والصراع بين الأديان هو صراع بين الحقائق، حيث يستحيل الحل.

في الثيولوجيا تخلق انتلجنسيا دينية وظيفتها الدعوة الى الدين باعتباره علم، وباعتباره خارج مجال الشك حتى بأدق تفاصيله، مرجعية حقيقته ليس الحياة والتجربة كما في العلوم الأخرى، بل مرجعيته النص، وأي تعارض بين النص والحياة يفترض إعادة النظر فيها في ضوء حقيقته المطلقة.

في هذه الحالة مطلوب من دارس الثيولوجيا ان يكون مؤمنا بالدين الذي يدرسه. ووظيفة هذه الدراسة ينبغي أن تكون تعميق الإيمان بهذا الدين أكثر، والاطلاع  أكثر بغرض الإيمان أكثر... هنا تتطابق المعرفة مع الإيمان. وهنا تصبح الدعوة للدين تعريفا ليس بحقائقه فقط ولكن بحقائق الكون والدنيا والآخر و كل شيء.

إسلاميا على سبيل المثال، واستنادا إلى الشريعة، حيث يتطابق الحلال والحرام مع الصح الخطأ، تذهب الأمور بصاحبها إلى ضرورة أسلمه كل شي، بمعنى "تصحيح" كل شيء، و "عقلنة كل شيء، و "شرعنة" كل شيء بما فيها العلوم، وتكون الحقيقة كامنه في الاقتصاد " الإسلامي" والطب الإسلامي والفلك الإسلامي... وكل ما هو إسلامي، وكل ما هو غير ذلك هو باطل بشكل أو باخر، وبنسبة أو بأخرى.

عندما يتحول الدين الى أيديولوجيا يتحول كل أفراد الانتلجنسيا الدينية الى " رسل"، وظيفتهم اهداء الناس سواء السبيل، وتصحيح الأخطاء الموجودة في كل مكان، واقامة حكم الله على الأرض، بطريقتهم وبمباركتهم.

هذه الانتلجنسيا تملك عالمها الخاص، وحقائقها الخاصة، علاقتها "بالوحي" أكثر من علاقتها مع جيرانها وزملائها، وتطلعاتها الى "هندسة" البشر لجعلهم أكثر مواءمة للآخرة أكثر من اهتمامها بالحياة الدنيا، أو هذا ما قد يبدو ولو نظريا.

كثيرا ما تلعب هذه الانتلجنسيا من خلال خطابها " المتطرف" غير المتسامح، والذي لا يضع اعتبارا لمعتقدات الاخرين، دورا في زيادة التعصب والتخاصم والتقاتل مع المحتفلين عنهم.. هذا يحدث على مستوى الافراد كما على مستوى الشعوب.

ينبغي الاهتمام بدراسات الابعاد المحتفلة للأديان، ملابسات النشوء وظروفه، سياقات التأثير والتأثر بالظواهر الأخرى، العلاقة بين الإنسان والمقدس... تاريخ واقتصاد واجتماع وفلسفة الدين والظاهرة الدينية. من يقوم بهذه الدراسات هم متخصصون أكاديميون ليس من الضروري أن يكونوا مؤمنين بتلك الأديان التي يدرسونها. هذا العمل لا يقوم به الثيولوجيون الاصوليون بالعادة، بل أولئك الذين ينظرون للأمر المدروس بحيادية تامة، وبوجود مسافة بينهم وبين ما يدرسون، وهدفهم بالأساس البحث في حقائق الأمور بمنهج علمي وبحياد تام تجاه الأديان.

هؤلاء الدارسون، هم من يدرس الظاهرة الدينية في علاقتها بالبشر، ليس كأيديولوجيا فوق بشرية، وليس بوصف الأديان حقائق مطلقة وأشياء مسلما بها سلفا، بل بوصفها ظواهر اجتماعية مثلها مثل غيرها مع إدراك حساسيتها لأنها تمس المقدس لدى من يؤمن بها.

في هذه الحالة، حيث يبعد الدين عن الأيديولوجيا ويصبح قناعة ذاتية ليس الهدف فرضها على الأخرين، يوجد التسامح، ويتم تلافي التعصب والتطرف والاستعلاء والعنصرية واحتقار الأخرين بناء على معطيات تخص المعني وحده، ويصبح بالإمكان تخفيف الاحتكاك بين أصحاب الأديان المختلفة والمعتقدات المختلفة الى الحد الأدنى.

 

جدلية مفهوم الدين وإشكالية التجديد الديني.

9- هناك جدلية مفهوم الدين و اشكاليات التجديد الديني ، أين المنهج في ترتيب الوعي الديني بما يؤسس لحياة إنسانية راشدة؟

 

يغلب على الدين مفهوم الثبات ومفهوم التسامي، فهو بالنسبة للمؤمنين به فوق بشري، إلهي، لا يستطيع أي من البشر العبث به أو تغييره أو نقده والتشكيك فيه، وهو الكامل الذي لن يصل إليه بشر مهما بلغ مستواه. لذلك فإن المساحة التي يستطيع البشر التعامل بها مع الدين كموضوع قابل للتغيير أو التجديد معدومة، وكل الذي يمكن أن يعمله البشر هو في مجال الفكر الديني الذي يتعلق بفهم الناس للدين وسلوكهم في ضوئه.

هذا الثبات، وهذا الكمال، الذي يتصف بهما الدين، وخاصة الجانب التشريعي الذي يتعلق بحياة الناس يجعلان الدين في حالة صدام مستمر مع أي متغير يستجد على حياة البشر، تلك الحياة الدائمة الحركة والمعطيات، إن محاولة المؤمنين في حالة الأديان الشمولية تفسير كل شيء في ضوء ما يؤمنون به يوصلهم الى مفارق تظهر الفجوة بوضوح بين معطيات الواقع " وحقائق الأديان".

ان الحديث عن تجديد الوعي الديني في حالة الإسلام هو المحاولات الدؤوبة التي حاول  فيها بعض المتنورين من رجال الدين إضفاء شيء من الرحابة على الإسلام، خاصة في مجال الموقف من العلم والمنطق والحداثة وكذلك في مجال العلاقة بالأخر. لقد اشتدت دعوات الإصلاح الديني في الآونه الأخيرة بفعل ظهور المنظمات المتطرفة التي اتخذت من الإسلام مرجعية لها (داعش واخواتها)، والجرائم التي ارتكبتها تلك التنظيمات وانعكاس ذلك على حياة الناس، وعلى صورة الإسلام نفسه، وتنامي الاسلاموفوبيا في كثير من مناطق العالم خاصة في الغرب، سواء كان ذلك واقعيا وحقيقيا ام مقصودا من اجل الاستثمار السياسي.

تم تناول تجديد الوعي الديني من زوايا مختلفة، حيث نادى البعض بتجديد اللغة، اذ أن المفردات التي يستخدمها المتدينون (الكلاسيكيون) الاصوليون جامدة ولم تعد تواكب ما هو مستعمل من اللغة في هذا العصر. أخرون نادوا بتغيير الموقف من التراث، اذ لا يجوز أن يأخذ ذلك التراث على عواهنه دون تمحيص وكأنه من الثوابت المقدسة، فالتراث به ما هو إيجابي وصالح حتى الآن، وبه من تجاوزه الزمن ولا يصلح، وبالتالي يطالبون بان يكون الموقف من التراث، والتراث الديني أساسا موقفا انتقائيا. فئة ثالثه نادت بإعادة النظر في الموقف من السنة التي يشكون في مصداقية بعض المراجع التي أوردتها، أو "الاتكاء" على النص الديني الأول (القرآن في حالة الإسلام) ليس فقط لأنه أكثر مصداقية، بل لأنه يتحدث أساسا في العموميات القابلة للفهم بطريقة أكثر مرونة. 

بتقديري أن تجديد الفكر الديني يعني مواءمة للعصر، فالذي يحدث لدى كثير من رجال الدين والإنتلجنسيا الدينية عموما، هو أنهم يعيشون في الماضي و يعملون جهدهم كي يعيش الآخرون معهم، هم يريدون الحاضر والمستقبل نسخة من الماضي ويطبقون كل قوانين الماضي على الحاضر والمستقبل. يلجأ هؤلاء في حال تصادم الفكر الديني مع معطيات العصر إلى محاولات مواءمة العصر، لمعطيات الدين حسب ما يفهمونها. هذا ما يضعهم في حالة شيزوفرينا دائمه، والمشكلة أنهم يريدون هذه الحالة للآخرين أيضا.

المشكلة هنا أن الماضي عند هؤلاء – والحديث عن الحالة الإسلامية ليس هو الدين بمصادره المعروفة، القرآن والسنة، بل مجمل التراث والتاريخ، وامتدت مساحة المقدس لتشمل الصحابة والقادة والزعماء والأولياء والقصص والروايات وجزء من الديانات الأخرى، ومن يشك في أي تفصيل مهما صغر عند أي من هؤلاء يضع نفسه في خانة الشك الذي قد يصل الى التكفير.

كما يعني تجديد الفكر الديني وضع ذلك الفكر في سياقه الطبيعي قياسا بالعلم والمنطق والعقل، هناك فرق بين القلب والعقل، بين الإيمان – بما في ذلك الإيمان الديني – والعلم، وهذا لا يعني انتقاصا من أهمية هذا ولا انحيازا لصالح ذاك، فلكل فضاءه و مجاله الذي يتعلق بصميم حياة الإنسان التي يشغل فيها ما بعد المنطق مساحه قد تزيد عن ذلك الوجود الممنطق.

إن تجديد الفكر الديني يعني فصل المسلمات الدينية عن العلم. فصل ما هو معطى بالقلب والإيمان " بالفطرة" و (من غير ليه) على رأي إخواننا المصريين عن العلم الذي يخضع للتجربة، ينجح هنا ويفشل هناك، ما يصح فيه اليوم قد لا يصح غدا، له منهجه الخاص المتعلق بالعقل والتجربة، ولا يقبل ثبات الأشياء.

هذا لا يعني ان الحدود مغلقه تماما بين المجالين، بل هي حدود مرنة متداخلة تشهد حالات من المد والجزر، يتقدم هذا فيتراجع ذاك، وسرعان ما تنعكس الأمور، فالحياة أكثر تعقيدا من ان يحسم فيها طرف الامر لصالحه وحده، على الأقل فيما هو منظور من الحياة البشرية.

وتجديد الفكر الديني يعني الذهاب بعيدا عن حرفية النص، وبعيدا عن التعامل معه تعاملا لا تاريخيا يخرجه من سياقه و يسقطه على كل السياقات الأخرى. أنه يعني الذهاب مباشرة الى مقاصد الدين، الى العدل والحقيقة ومصلحة البشر. النص مرن قابل للي بكافة الاتجاهات، ورجل الدين الواعي للهدف الاسمى للدين هو الذي يذهب به بذلك الاتجاه.

تجديد الفكر الديني يعني وضع الإنسان امام مسؤولياته تجاه نفسه وتجاه محيطه وشعبه ووطنه ودولته ولا يتخلى عنها بذريعة التوكل على الله. هو مواطن له حقوق وعليه واجبات، مسؤول عن نفسه كمواطن متدين كان او غير متدين، ينفذ القانون و يتصرف في ضوئه.

من الملاحظ طغيان الفكر الديني على كافه مناحي الحياة في كثير من المجتمعات الإسلامية. كل المواضيع، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية تأخذ طابعا دينيا ، وتحلل على قاعدة دينية وتتحول الى حديث في الدين، هذا لا يحدث في أي مجتمع اخر في العالم. في معظم المجتمعات الإسلامية، أي حديث في المقاهي والمطاعم  والحفلات والأفراح والأتراح يغلب عليه الدين، بعكس معظم، ان لم يكن كل المجتمعات الأخرى.

الدين في البلدان الإسلامية هو حديث المثقفين والأميين، وهو حديث الأغنياء والفقراء، وحديث الرجال والنساء، وحديث الشباب والكهول. هو حديث المساجد وأماكن الترفيه.. وهو حديث الكر والفر.. هو حديث الجميع. تجديد الفكر الديني يعني الحد من هذه الظاهرة، وذلك بتغيير الزوايا التي يتم رؤية الظواهر فيها على أنها ليست احادية الجانب، وهو الجانب الديني.

ان حال المجتمعات والبلدان الإسلامية لا يسر أحدا. رد فعل معظم رجال الدين على ذلك، هو أن المشكلة تكمن في المسلمين وليس في الإسلام. فالمسلمون برأيهم لم يفهموا صحيح الدين، ولم يسيروا عليه. وجهة النظر هذه، والتي تنطبق بالمناسبة على اديان ونظريات أخرى واجه أصحابها مصاعب حاده (الاشتراكية مثلا)، لن تفيد في إنقاذ الأمه من متاعبها. تجديد الوعي الديني في هذه الحالة، يتطلب فهم طبيعة التفاعل بين "النظرية" والمؤمنين بها، والعمل على خلق حالة من التفاعل والتناغم بينهما تذهب بهم الى النهضة والتطور والانسجام، اذ ان النظرية حتى لو كانت بريئة من مشاكل أصحابها، فهي في النهاية جزء من تلك المشاكل، اذ لم يكن باستطاعتها العمل على توجيه أصحابها الوجهة الصحيحة، أو لم يستطع أصحابها التقاط قدرتها على القيام بذلك الدور.. والنتيجة في الحالتين واحدة.

 

 تصادم الدين مع المفاهيم الحديثة.

10- مشاريع الاختزال المعرفية التي جعلت الثقافة دينا أو العكس أفرزت شبكات مفاهيمية متداخلة من قبيل العلمانية، الديمقراطية، الحداثة ، الوجودية، و ما هنالك من فلسفات و مفاهيم حديثة و معاصرة، في أغلب تفاعلاتها تصطدم بروح الدين ، هل الأزمة أيديولوجية أو دينية أو ذاتية  تاريخية إنسانية؟

 

 تتصادم الأشياء عندما تخرج عن مساراتها. وإذا عرف المؤمنون بدين ما، أو بأيديولوجية ما، المسارات التي يجب عليهم اتباعها دون احتلال الحيز الآخر، فلن يكون هناك أي تصادم. لكن الذي يحدث في واقع الأمر، أن أديانا يرى اصحابها شموليتها لتغطي العالم في كل الظروف والازمان، ويرونها مطلقة الحقيقة، كل ما عداها باطل يستحق الاستنكار أو المحاربة، والمشكلة أن أصحاب هذه النظرة، موجودون في عدة فلسفات وأيديولوجيات مختلفة، وإذا ما صدف أن كان ممثلو هذه الأديان والفلسفات لا يتسمون بالحد الادنى من التسامح والشعور بالآخر، فان التصادم سيكون سيد الموقف.

عبر التاريخ المعروف للبشرية، فإنها لم تستطع الاتفاق على نموذج واحد لتسيير أمورها وترتيب أوضاعها، وواجهت بسبب عدم إدارتها لهذه الاختلافات الطبيعية - والحديث هنا عن الفروق الثقافية والفكرية- العديد من الصراعات والنزاعات والحروب، بسبب أن كل نموذج ثقافي، دينيا كان أم دنيويا، قدم نفسه على أنه هو النموذج المتفرد، والمختلف عن غيره. وهو المتمرد الذي يجب على الناس الامتثال له إن أرادوا خيرهم وصلاحهم.

تتشابه الأديان والأيديولوجيات الشمولية الأخرى كونها قابلة لأن تكون مصدرا للتعصب وانتقاص الآخر، وهي في حال استخدامها بشكلها المتعصب، لا تعطي مجالا للآخر ليمارس حريته وتقرير مصيره، فهي لا تعترف إلا بالحقيقة التي أتت معها، وغير ذلك ما هو إلا شكل من اشكال الباطل والضلال، أو التحريف، أو الكفر.

 

اذا ما قرئت الأديان اصوليا فان ذلك مدعاة لاستصغار الانسان ومنجزاته أيا كانت أهميتها، على اعتبار أن هذا وسيلة لتثبيت أن الكبر والكمال والقدرة هو لله وحده.. يصغر الإنسان ليكبر الله، مع أن ذلك يفترض أن يكون مغايرا بحيث يكبر الله كلما كبر الانسان، على اعتبار أنه تحت رعاية الله في كل ما يفعل.. الصراع مع الأديان صعب، أو مع من يعتبرون أنفسهم ممثلين للأديان. فهم يعتبرون أن المشكلة ليست معهم بل مع الله، وهم ليسوا الا ممثلين له أو اتباع مخلصين.

من هذه الزاوية يتم احتقار كافة الأفكار والنظريات الاجتماعية والسياسية والايديولوجيات الاخرى، زاوية الاستعلاء والتفرد وامتلاك الحقيقة، على اعتبار أن كل ذلك مصدره الانسان، القابل للغواية من الشيطان، والذي لا يمكنه أن يبلغ الكمال مهما عمل.

بالمقابل، اذا ما أخذنا المفاهيم والنظريات والأفكار الحديثة والمعاصرة كالعلمانية والديموقراطية والحداثة وغيرها فإنها على اختلافاتها تنطلق من مبادئ مغايرة للأسس التي قامت عليها الأديان، فهي أولا منتج بشري وتقر أنها كذلك، فلا العلمانية ولا الديمقراطية ولا الحداثة ولا الاشتراكية أو الوجودية والليبرالية أو أي فكر من هذا القبيل، يعتبر أن مصدره أحد آخر غير الانسان. من هنا فإن أي نقاش أو حوار أو جدل أو صراع بين اتباع هذه الأفكار، ما هو إلا صراع بين البشر ولا وجود لأديان أو آلهة أو قوى فوق بشرية في ذلك، إلا إذا أقحمها الإنسان في ذلك بصورة أو بأخرى.

إضافة إلى ذلك فان هذه الأفكار تعتبر نفسها عقلانية، بمعنى انها تستند الى العقل والمنطق ولا تطلب ممن يريد اتباعها " أن يؤمن" بها ايمانا فطريا او تلقائيا كما تفعل الأديان. وهي – هذه الأفكار – نشأت أوروبيا في خضم الصراع مع الكنيسة من ناحيتين، الأولى في تقييم دور العلم التجريبي والعقل والعلاقة بالوعي إجمالا، والثانية في إطار صراع سلطة الدولة الدنيوية مع الكنيسة " السماوية"، بمعنى ان كل هذه المدارس الفكرية كانت علمانية أو اقتربت من العلمانية بشكل او بآخر، حتى وان كان موقفها من الأديان متفاوت، فبعضها يرفضها كليا والبعض الاخر يقر بوجودها وبدورها في الحياة العامة.  

 

سينتهي الصراع بين الأديان والأفكار والنظريات الإنسانية المعاصرة، اذا استطاع كل من الدين والعلمانية الاتفاق على شكل العلاقة بينهما.

غير ذلك، وفي حال اعتبر الدين ان العلمانية كفر وضلال ويجب التصدي لها، وكذلك اعتبرت العلمانية الايمان والأديان هلوسة و مصدر للتخلف يجب التصدي لها، فإن حالة الصدام ستستمر، الى ان يحسم احدهما حربه مع الآخر، ولا يبدو ان ذلك سيحدث في المدى المنظور.

سينتهي الصراع بينهما اذا عرف كل حدوده كما قلنا، واذا آمن كل منهما بالتسامح الذي يتيح احترام الاخر رغم عدم الاقتناع بما يقول اذا اقتضى الامر. هذا يتطلب ايمانا بالحرية الى ابعد الحدود، بما فيها حريه " الخطأ" اذا ما اعتقد طرف ان الطرف الآخر على خطأ.

ان من يقرر مستقبل البشرية على الأرض هم البشر أنفسهم. من هنا تكون اداره الاختلافات بينهم مسالة في غاية الأهمية، مع الأخذ بعين الاعتبار ان كل انسان على الأرض هو ليس اكثر من انسان، آمن بقوى مقدسه يعبدها ام لم يؤمن، فليس من حقه ان يعتبر نفسه ممثلا لقوى غير بشرية امام الاخرين، وان كان هو حر في ان يعبد ما يريد، دون ضغط او إكراه.

 


- اكاديمي فلسطيني 

- رئيس الشبكة العربية للتسامح

- رئيس تحرير دورية ' تسامح'.

بعض المؤلفات ذات العلاقة

- الأسلمة والسياسة في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

- الاسلام السياسي الفلسطيني... ما وراء السياسة

- الدين والدولة في فلسطين 

- العلمانية السياسية والمسألة الدينية في فلسطين 

- تحرير الشرق.. نحو امبراطورية شرقية ثقافية