صور مثقف التخلف في المجال العربي المعاصر*

مفتتح:

لاشك أن راهن المشهد الثقافي العربي يعكس العديد من مظاهر التخلف الشاملة لكل مناحي الفعل الثقافي و ضمور العقلانية و حركية التجديد و خطاب التنوير و ما هنالك من أساسيات التمدن الثقافي، و هذا الواقع يبرز و يتحدد في أشكال ثقافة التخلف في الفضاءات السوسيوثقافية و التي يمكن التقاطها في صور المثقف ضمن هذا التخلف و المساهم فيه بصفة مركزية و إجرائية في أغلب الصور مما جعل التخلف ظاهرة ملازمة للاجتماع الثقافي العربي والإسلامي المعاصر، و نظرا لارتباط مشكلة الثقافة عموما و مسؤولية المثقف تحديدا بأي أزمة أو مأزق سوسيوثقافي، يتوجب علينا تسليط الضوء على صور مثقف التخلف لمحاربة دوره في تعطيل أي تقدم أو تفكيك و تشخيص لأزمات الواقع العربي و الإسلامي العام، كما أن الحاجة لتعرية المثقف المزيف تعد ملحة و أساسية في مسارات الإصلاح و التجديد و التغيير و فتح المآزق وحلحلة الأزمات، لأنه أي ظاهرة  ترتبط بصور زائفة و تمويهية يكون تحليلها و تجاوزها عصيا بدون تمحيص بنيتها و نظامها و آلياتها وانساق نتائجها، و بالتالي لابد من تحديد صور مثقف ظاهرة التخلف حتى لا تلتبس علينا الامور و لا تستحكم فينا مطارحات و اشعار مثقف التخلف و أفكاره الميتة و القاتلة التي لا تزال ترسخ قيم الرجعية و الاستبداد و التمويه و التسقيط و برمجة العقول على موجات التبعية و الطائفية و التكفير و الاحاديات الأيديولوجية و تلميع صور الطغاة و الظالمين و العابثين بالأديان و المذاهب والاوطان و الإنسان في عالمنا العربي و الإسلامي..

معنى التخلف:

التخلف ليس ظاهرة اجتماعية فقط و إنما ذات علاقة بماهية الثقافة و الآخر و صراع الهويات و الإرادات فكما جاء في قراءة تحليلية نقدية للاستاذ محمد المحفوظ لظاهرة التخلف الثقافي بصحيفة الرياض

التخلف يعني لغويا: القعود أو العجز عن مسايرة الركب، وفي المعنى الاصطلاحي، هو التأخر الزمني والقيمي والسلوكي عن ركب الحضارة. فالإنسان أو الجماعة، حينما تكون القيم السائدة في حياتهما، تدعوهما إلى التكلس والجمود والرتابة، ويبرر لهما واقعهما المتأخر والسيئ يطلق على هذه الحالة مصطلح التخلف.

نكتفي بهذا القدر من قراءة الأستاذ المحفوظ، حيث المستفاد من مفهوم التخلف في دلالته الإصطلاحية في بعدها الثقافي، هو كل مظهر من مظاهر الرجعية و التأخر و العجز عن التقدم في مجالات التمدن و التحضر أو إعاقة و تعطيل و تشويه و تسقيط مشاريع الإصلاح و التجديد، مما يعني أن التخلف يكون شاملا و شموليا فيصبح المجتمع تابعا و قابلا للاستحمار( مصطلح للدكتورعلي شريعتي) و الاستدمار(مصطلح للدكتور الجزائري مولود قاسم نايت بلقاسم) وللاستعمار( كما نظر لذلك المفكر مالك بن نبي في تحليله لمشكلات الثقافة و الحضارة)، اي أنه كل مثقف يعمل على تكريس ظاهرة من ظواهر التخلف  أو تبريرها أو محاولة تزكيتها و تغليفها بغلاف التحضر و الوعي والإصلاح أو تقديسها عبر تحوير و توجيه عكسي لمقاصد ومعاني النصوص الدينية، يصنف ضمن نادي مثقفي التخلف..

التمييز بين ثقافتي التخلف و الإختلاف:

يجب التمييز بين ثقافة التخلف كتركيبة سلبية تكرس الخلاف بكل أشكاله، وثقافة الاختلاف تفاعل إيجابي يهدف إلى تنمية الوعي و التعاون والنهوض و الابداع و التكامل، لذلك فإن المجتمعات العربية والإسلامية، لا يمكنها النهوض والتطور والتقدم اذا استمرت بالخضوع إلى تأثيرات ومفاعيل التخلف الثقافي و لم تنتبه و تكتشف مقومات التغيير و أدبيات الاختلاف واستراتيجيته في مشوار التجديد و التنمية الثقافية..

نشأة مثقف التخلف:

من الطبيعي أن تعرف المجتمعات القابعة في أوحال التخلف الثقافي على جميع المستويات أنماط من مثقفي خدمة هذا التخلف، بحيث تشهد تدني وإعاقة في قيمة النمو بشتى تمثلاتها في الفكر و الأدب و العلوم و الصحة و القانون و الإقتصاد و الرياضة و الفهم الديني و الفنون و ما هنالك من ميادين الحياة، نظرة و ممارسة، أشكال من المثقفين على منوال هذا التردي و ضمن خط طول مسار التخلف و ليس عكسه، خدمة لمصالح ذاتية و خاصة، تستفيد من هذا الانسداد في حركة التغيير و التجديد و التنوير و التحرير و العقلانية، عبر ترسانة  أفكار و خطابات و علاقات و صحف و مقالات و كتب و إعلام و منابر مأجورة دينية و سياسية، لا تعرف سوى تلميع العفن و شيطنة التجديد و الإصلاح و التنوير و تبرير أشكال الهيمنة و التمويه و التعطيل لعجلات الوعي والنهوض و المدنية و المعاصرة..

ومثقف التخلف ينشأ ضمن أطر منظومة ثقافية فاسدة جذورها تعود : إما لخلل تربوي بالأساس،  أو صدمة اجتماعية او رهاب سياسي او سمسرة أيديولوجية او تبعية ثقافية ، و هذه الحالة  تتعاظم مع تضخم شخصيته بحيث تصبح تلازمه في إدارته لمصالحه  و علاقاته و تتطور الحالة بأن يصبح هذا المثقف عميلا تحت الطلب لدى رواد أسواق الرداءة و الأسطرة و الخرافة والادلجة والاستبداد..

 

 

صور مثقف التخلف:

بادئ ذي بدء لابد من القول أنه ليست هناك مفارقة بين الثقافة وصور المثقف، بل هناك حالة تطبع حيث تمثلات المثقف هي انعكاس في جوهرها لمقتضيات ثقافته الحقيقية. وحينما تبرز المطابقة بين ثقافة ما ومروجها، تتشكل طاقة تسويقية للمادة الثقافية تتوقف على مدى فاعلية مثقفيها في الترويج و درجة الاستثمار لهذه الثقافة ومن خلال هذه المقاربة نحاول التقاط صورا لمثقف التخلف مع العلم ان مثقف التخلف في أغلب صوره انتهازي و نفعي و إيديولوجي و تحيزي يتقلب حسب الطلبات و الرهانات والمصالح :

المثقف الهيجموني**:  هذا أخطر مثقفي التخلف لأنه يؤسس أنظمة  التخلف و خبير في فلسفة التخلف وكل الصور الأخرى بشكل أو بآخر تتحرك ضمن ثقافته الفاسدة و اللااخلاقية و الأقرب إليه هو المثقف الطائفي إما عن إدراك أو دونه، علما ان التخلف كثقافة مبرمج ضمن أنساق ثقافية محددة وخيارات و وسائل و مؤسسات تم توظيفها ضمن تقنيات دقيقة لنشر ظاهرة التخلف وقيادتها..

المثقف المهني:  تعج به المؤسسات التعليمية و الجامعات العربية أكادميين بدرجة أساتذة و باحثين، هم و البحث العلمي اثنان، حيث بيع  النقاط و المناصب ورسائل التخرج و أطروحات الدكتوراه و المقالات العلمية و ملاحقة الدرجات دون ادنى نتاج او فعل ثقافي مؤثر وللعديد منهم سرقات كلية او جزئية  عبر الترجمة او مباشرة واستيلاءات على بحوث و دراسات لطلبة تحت إشرافهم، هؤلاء يصنعون ضمن ثقافة التخلف مساحة واسعة لأننا نجد حضورهم  ليس في أماكن الوظيفة و العمل فقط و لكن حيثما وجد السخاء التخلفي و يبررون الواقع بحيادهم الممنهج ويتشدقون بالقيم و المبادئ ..

المثقف التبجيلي: و هذا ثقافته تلميع العفن وتزيين الشناعة وتضخيم الأقزام وتبييض السواد و قلب المفاهيم وتزييف الحقائق، يتمركز في دوائر الإعلام و منابرالسياسة والتدين..

المثقف الخرافي: هذا ميدانه الخصب هو الديماغوجية سواءا في فضاءات التدين أو مجالات الأيديولوجية، يجتهد في عقلنة الأساطير، إضفاء القداسة عليها و تأصيل الخرافة وتمكينها اجتماعيا في سبيل تجفيف منابع الوعي السليم واستمرار الاستحمار و في الغالب هذا المثقف  يكون متمكن من أساسيات سيكولوجية الجماهير ونظم قيادة القطيع..

المثقف الطائفي أو العدواني: ثقافته الأساسية تجميع السلبيات و الزلات و الانحرافات الشخصية و الفئوية و خاصة التاريخية ، يمتاز بالنزق و قلة الحياء و التجلبب بمظاهر التدين أو الاوسمة المبتاعة من أروقة الجامعات و المنظمات و المجاميع و الحوزات وما هنالك، كثير البروز في الاعلام الفتنوي، يستخدم في بعض الأحيان الخطاب الحداثي و فنون الاقناع التمويهي، مادته الدسمة تشويه الآخر المغاير و أخطر تمثلاته، العقائدي الذي ينافح في تبرير الإرهاب و تسقيط الآخرين دينيا عرقيا و مذهبيا وسياسيا..

جماع المقال: دون الخوض في هرطقات -بحسب تعبير المرحوم جورج الطرابيشي- التمويه  التي يتقنها مثقف التخلف  حول جدلية فردية التخلف او جماعيته ، المثقف او الشعب، هذه لعلها أبرز صور مثقف التخلف التي تحرض على محاربة خطابات الإصلاح و التجديد و التمدن و قيم التسامح والعدالة الاجتماعية  والكرامة الإنسانية  في المجال العربي المعاصر.

والمفترض أساساً أن تفكيك ظاهرة مثقف التخلف و مواجهته هو من أولويات المثقف المهتم بحاجات شعبه و أمته العادلة و الحضارية, لأن المحرك الأساسي لثقافة التخلف إجتماعيا هو المؤطر لهذه الثقافة و القائم على حيويتها و تفشيها، فلا يمكن اختراق ظاهرة التخلف قبل تحييد القائمين عليها والعاملين من أجل استمرارها،  هذه بعض التصورات الأولية في تحديد أنماط مثقف التخلف. وأهم ما كشفت عنه هذه التصورات هو انتظام مثقف التخلف إما في  أنظمة الاستبداد كلها و السباحة وفق تياراتها، أو الحيادية السلبية، أو القابلية للاستحمار.

(*) مراد غريبي: كاتب و باحث في الفكر

(**) نسبة للهيجمونيا، أي أنظمة الاستبداد والغَلَبة بحسب ابن خلدون، ونماذج مثقفين واجهوا الهيجمونيا (فرانز فانون وألبير كامو وإدوارد سعيد وإيمانويل تود).