محمد محفوظ

الحرية وقضايا الحوار في الراهن العربي

لا نعدو الصواب حين القول ، أن السبب الرئيسي في بوار العديد من مشروعات التنمية ، وانهيار عالم  السياسة الحضارية ، يرجع بالدرجة الأولى إلى غياب الحرية وخضوع الوجودات العربية والإسلامية  إلى تبعيات متعاظمة في الاقتصاد والثقافة .

فالاستعباد والخضوع الأعمى لقوى السيطرة ، هو الذي يحول دون الحيوية والفاعلية والانطلاق في رحاب مشروعات التنمية الشاملة .

لذلك فإن تثبيت قواعد الحرية في المحيط المجتمعي ، لا يتأتى إلا بتأسيس علاقات ووقائع تكسر حواجز الأثرة ونوازع الأنا  الضيقة وممارسات الشطب والإلغاء والنفي والتكفير والتشريد ، وتؤسس لحسن الاستماع وقبول الآخر ،واحترام وجوده وفكره وقناعاته .

قال تعالى [ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ] .. (الزمر آية 18)  .

وقال تعالى [ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك بـه شيئا ولا يتـخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ] .. (آل عمران آية 64) . فالكلمة السواء لا تنجز إلا بعقل حواري يثري مضمون الحرية على المستوى الإنساني والحضاري .  فلا حرية حقيقية بلا حوار بين الأفكار والثقافات والوجودات السياسية والثقافية والحضارية .  وذلك لأن سبيل تعميم قيم الحرية هو الحوار ، وبدونه تبقى الحرية شعارا يرفع ، دون أن تكــون وقائع الراهن تجسيدا لها ولمثلها العليا .

وتجربة الحوار بين الأفكار والوجودات ، هي التي تثري سؤال الحرية في الفكر والواقع ، وهي التي تعطي لمضمون الحرية أبعادا تاريخية وآفاقا مستقبلية مشرعة لإبداعات الإنسان ومبادراته في سبيل تجذير مفهوم وتجربة الحرية في الواقع الإسلامي المعاصر .

فالحوار ليس من أجل إلغاء الخصم أو ثنيه عن أفكاره وقناعاته ، وإنما من أجل الحرية وأفقها الإنساني والحضاري . والحرية لا تعني بأي شكل من الأشكال تجميد الاختلافات الفكرية والسياسية ، وإنما تنظيمها وجعلها تسير في تجاه توافقي ـ بنائي . ويخطأ من يتعامل مع الحرية باعتبارها وسيلة تجميد الخلافات الفكرية والسياسية .

إن الحرية والديمقراطية هي وسيلة الإنسان المتحضر في تعامله مع الاختلافات الفكرية والسياسية . فهي توفر آليات لتنظيم هذه الاختلافات ، وتشيع أخلاقيات وآداب عامة ، توجه التباينات الفكرية والسياسية نحو البناء والتجديد والعمران .

ولأن الحوار سبيل الحرية ومن أجلها ، لذلك ينبغي أن تتركز قيمة الحوار على مفاهيم مجتمعية وسياسية تثري مضمون الحرية ، وتحفز القاعدة الاجتماعية على تبني خيار الحرية والديمقراطية على مستوى الأقوال والأفعال ، وعلى مستوى المعتقد والسلوك ، وذلك من أجل خلق مجتمع الإرادة والاختيار .

فحجر الأساس في الحرية ، أنها لا تنجز إلا على أساس قوانين الحوار والاختيار لدى الفرد والجماعة .  والحرية وفق هذا المنظور ، هي مفتاح التقدم ، وطريق تعبئة الطاقات والإمكانات ومشاركتها جميعا في البناء والعمران .  " وكان الحوار وسيلة نشر الدعوة ، لم تكن هناك وسيلة أخرى غير الحوار والإقناع ، لأن الفتوحات لم تستمر أكثر من مئة عام ، ولم يتعد تأثيرها إنشاء سلطة سياسية للعرب المسلمين . على كل حال ، إن معظم الجماعات الإسلامية غير العربية ، انضمت إلى الإسلام بعد توقف الفتوحات . أما على صعيد وحدة الأمة ، فقد كان الحوار قاعدة ضرورية  للحفاظ على هذه الوحدة التي استمرت حتى بعد انهيار سلطة الخلافة المركزية وتعدد الدول السلطانية الحاكمة .  أدى الحوار الداخلي بين المسلمين إلى انقسامهم إلى مذاهب ومدارس فكرية . تعددت الأساليب المعتمدة لاستنباط أفكار جديدة واكتشاف حلول للمشاكل المطروحة . وتعددت  العلوم التي استخدمت من أجل تحقيق مستويات أعلى من المعرفة ولم يكن لديهم خوف من الخلافات المذهبية داخل صفوفهم ، فكأنهم كانوا يدركون أن الحرية في الحوار والنقاش والتسامح إزاء آراء الآخرين وإزاء الخلافات وتعدد الاجتهادات هي الوسائل التي تضمن وحدة الأمة " (راجع مجلة الاجتهاد العدد الثامن ص 14) .

والحوار الذي لا يستند على قاعدة الحرية ، فإنه حوار الطرشان وبعيدا عن المعنى الحقيقي للحوار ، الذي يسمح للمتحاورين من الانفتاح على كل الآراء والبوح بكل القناعات والمواقف بدون خوف ووجل . فـ " الحوار يرتكز على الحرية الفكرية في الساحة الحوارية ، لأن الإنسان الذي لا يمتلك حريته في طرح ما يريد من سؤال أو اعتراض أو مناقشة ، لا يستطيع الوصول إلى الحق إذا لم يجد الفرصة للإجابة على سؤاله ، ومناقشة وجهة نظره . ولذلك فإن الإسلام يتقبل أي سؤال في أي موضوع ، ولكنه يضع شرطا مهما ، وهو أن يكون المحاور مثقفا بالفكــرة التي يخوض الحوار حولها من موقع المــوقف المضــاد ، أو منفتحــا على آفـــاق المعــرفة فيمــا يــريد أن يسأل عنه ، وهذا هـو مضمون الآيــة الكريمـة  : [ هـا أنتم هـؤلاء حاججتـم فيما لكـم به علـم فلـم تحاجـون فيمـا ليس لكـم به علم ]   ( آل عمران 66)

والمحيط الذي يحارب الحوار ، هو محيط مستبد وقمعي ، حتى لو رفع راية الحرية . لأنه لا يمكننا أن نتصور حرية بلا حوار . فهو قرين الحرية ، ووسيلتها في تعميم القيم ونشر القناعات والمبادئ. و " عملية الحوار تتنافر بطبيعتها مع الإجابات الجامدة ، والمسلمات المتحجرة ، والأنساق المطلقة ، وهيراركية العارفين ، وكهنوت الآباء المقدسين ، فإن هذه العملية تنفي نقائضها التي تكبح حركتها ، وتقاوم ما يحد من قدرتها بما تؤسسه من وعي ضدي ، يرفض صفات الإطلاق والتسليم والتقليد ، الخنوع والإذعان ، وكل ألوان التسلط والإرهاب " (راجع هوامش على دفتر التنوير ، جابر عصفور ص 266) .

وفي المقابل نستطيع القول أنه " بقدر غياب الحرية في المجتمع يغيب الحوار ، وتسود لغة الصوت الواحد التي هي المقدمة الطبيعية للغة الإرهاب . وإذا كان الإرهاب إلغاء لوجود الآخر ،ونفيا لحضور العقل ، أو فعل اختيار المعرفة ، فإنه يبدأ من حيث ينقطع الحوار ، ومن حيث تشيع مخدرات التسليم والتصديق ، ومسكنات الإذعان والاستسلام ، ومبررات بطريركية الفكر أو مطريكية الثقافة . إن الإرهاب يتولد من رفض لغة الحوار وشروطه ، أي تسلطية الصوت الواحد ، من الإيمان بأن ما تقوله وحدك هو الحق ، وإن الحق ملك خاص لك ، ومن التسليم بأن فردا ما ، فكرا ما ، زعيما ما ، يمتلك ما يجعل منه الأعلى ويهبط بالآخرين إلى الدرك الأدنى ، كأننا إزاء مجلى النبي الملهم ، أو الصورة البشرية للحقيقة الكلية " (راجع المصدر السابق) .

فالحـوار والتواصل الفكري الدائم ، من المداخل الأساسية لتجذير مفهوم الحرية في الواقع المجتمعي .  إذ من خلال هذا الحوار الجاد والمتواصل تتأسس شروط التحول الفكري والاجتماعي . وبالحوار يتم تجديد وتطوير مفهوم الحرية على المستوى النظري والعملي ، ويتم اكتشاف آليات جديدة ومبدعة للنهوض بالحرية في الواقع المجتمعي .

ولا يمكن مقاربة مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي المعاصر ، بمعزل عن مفهوم الاختلاف ، وحق الإنسان الطبيعي في هذا الاختلاف .

وجذر حق الاختلاف في المنظور الإسلامي ، هو أن البشر بنسبيتهم وقصورهم لا يمكنهم أن يدركوا كل حقائق التشريع ومقاصده البعيدة ، وإنما هم يجتهدوا ويستفرغوا جهدهم في سبيل الإدراك والفهم ، وعلى قاعدة الاجتهاد بضوابطه الشرعية والعلمية ، يتأسس الاختلاف في فهم الأحكام والحقائق الشرعية ، ويبقى هذا الحق مكفولا للجميع .

فالاختلاف مظهر طبيعـي في الاجتماع الإنساني وهو الوجه الآخر والنتيجة الحتمية لواقع التعدد . أعني أن التعدد لا بد من أن يستدعي الاختلاف ويقتضيه .   فالاختلاف من هذه الزاوية ، قبل أن يكون حقا ، هو أمر واقع ومظهر طبيعي من مظاهر الحياة البشرية والاجتماع البشري وكما تتجلى هذه الظاهرة الطبيعية بين الأفراد تتجلى بين الجماعات أيضا . لذلك فلا مجال لإنكار ظاهرة الاختلاف بما هي وجود متحقق سواء من حيث الوجود المادي للإنسان أو مــن حيث الفكر والسلوك وأنماط الاستجابة .

ووفق هذا المنظور لا يشكل الاختلاف نقصا أو عيبا بشريا يحول دون إنجاز المفاهيم والتطلعات الكبرى للإنسان عبر التاريخ . وإنما هو حق أصيل من حقوق الإنسان ، ويجد منبعه الرئيسي من قيمة الحرية والقدرة على الاختيار . وإجماع الأمة تاريخيا حول قضايا فكرية أو سياسية وما شابه ذلك ، ليس وليد الرأي الواحد ، وإنما تحقق الإجماع عن طريق الاختلاف الفكري والثقافي ، الذي أثرى الواقع ، وجعل الآراء المتعددة تتفاعل مع بعضها وتتراكم حتى وصلت الأمة إلى مستوى الإجماع . 

وسيادة الرأي الواحد ،يؤدي إلى التخشب واليباس ، وإلى توقف العقل عن التفكير في القضايا الجادة ، وضمور حـالات التجديد ، والاستسلام لقوالب ونماذج ثقافية وفكرية جاهزة .

والبيئة الاجتماعية التي تقمع الآراء ، وتنظر إلى الاختلافات والاجتهادات الثقافية والفكرية نظرة شائنة ، هي البيئة التي تزدهر فيها حالات الجمود واللامبالاة ، وتعشعش فيها كل الهوامش والطفيليات .

فالعقل قرين الحرية ، فلا عقل فعال بدون حرية ، و لا حرية مستديمة بدون عقل يمارس التفكير والسؤال والمساءلة ، ويتحرك دائما نحو تجديد أفق المعارف والتصورات ، وحرية تؤسس للشروط اللازمة لممارسة العقل سلطته ووظيفته الجوهرية .

ومن خلال الصلة الوثيقة بين العقل والحرية ، تتجدد أدوات المعرفة ، وتتطور أنماط الإنتاج العقلي والمعرفي . ووفق هذا السياق نتمكن من القول ، أن الخرافة والتقليد الأعمى للآخرين كلها مضادات للحرية .. بمعنى أن سيادة الخرافة  يعني تراجع مستوى الحرية ، كما أن شيوع حالات التقليد الأعمى يعني ضمور مجالات الحرية . فلا يمكن أن تلتقي الحرية مع الخرافة ، كما أنه لا يمكن أن تنسجم حالات التقليد الأعمى مع متطلبات الحرية .

والإسلام الذي كفل حق الاختلاف ، واعتبره من النواميس الطبيعية ، وجعل التسامح والعفو  سبيل التعاطي والتعامل بين المختلفين . فحق الاختلاف لا يعني التشريع للفوضى أو الفردية الضيقة ، وإنما يعني أن تمارس حريتك على صعيد الفكر والرأي والتعبير ، وتتعامل مع الآخرين وفق نهج التسامح والعفو . وبهذا لا يخرج الاختلاف عن إطاره المشروع ، وفي نفس الوقت يمارس دوره الحضاري في حفز الهمم والبحث عن الحقيقة ، والتعاطي مع جميع الآراء والتعـبيرات بعقلية حضارية تنشد استيعاب الآراء ، وتستفيد منها جميعا في بناء واقعها ومسارها .

فالاختلاف لا يساوي الرذيلة والإثم والخلل ، وإنما هو ناموس كوني وجبلّة إنسانية .  الخلاف والتشرذم والتفرقة ، هي التي تساوي الإثم والخلل . وعلى هذا ينبغي أن نجدد رؤيتنا للاختلاف ، ونتعامل معه وفق عقلية جديدة ، لا ترى فيه إثما ومعصية ، وإنما قدرة إنسانية مفتوحة ومتواصلة لإثراء الواقع والحقيقة .

فالاختلاف هو الوجه الآخر لضرورة الاجتهاد وإعمال العقل والفكر ، كما أن الخلاف والتشرذم هو الوجه الآخر للخضوع للأهواء والغرائز والنـزعات الشيطانية ، التي تتمرد على القيم والأخلاق ، وتؤسس لصراعات وفتن دائمة ، وتدخل الجميع في أتون النـزاعات التي لا طائل من ورائها .

فالحرية لا تعني الانفلات من الضوابط الأخلاقية والإنسانية ، وإنما تعني امتلاك القدرة على التعرف والاختيار وفق لقواعد عقلية أو ضوابط شرعية .   فهي تتجه إلى الكمال وليس إلى التخريب ، وإلى الانسجام ونواميس الكون والمجتمع وليس للخروج عنهما .