ديفيد هيوم..

كيف لمنكر الميتافيزيقا أن يكون فيلسوفا؟

د. محمود حيدر[1]                                                                                                        

لم يكن من غموض أحاط بفيلسوف من فلاسفة الحداثة كمثل ما أحيط به ديفيد هيوم. أكثر النظراء ممن عاصروه، أو أولئك الذين جاؤوا من بعده وقفوا بتريُّب على غموضه المريب. حتى أن جمعاً منهم أخذهم الذهول حيال موقفه من دُربة العقل، ولم يجدوا ما يسوِّغ عزوفه عن أي معيار عقلاني يوصل الى إدراك حقائق الأشياء والأفكار. راح يتعدى ما وضعه استاذاه فرانسيس بيكون وجون لوك من قواعد للفلسفة التجريبية. ولأجل ان ينفرد باختباراته الشخصية سيخالفهما الرأي ليُعرِض عن كل نزعة إيقانية، ويؤثر التعامل مع التراث الميتافيزيقي كله بوصفه نقيضاً لأفهام الطبيعة البشرية. ربما كانت معضلة هيوم الأصلية انه ركب موجة الثورة العلمية في القرن الثامن عشر من أجل أن يتربع فيلسوفاً أوحد على عرشها. ولكي يتفق له ما يريد مضى بشغفٍ غير مسبوق الى مناصبة الميتافيزيقا العداء. وقد حرص على أن يزعزع أركانها من داخل من دون ان يستغرق عالمها المكتظ بالعناء. ولقد فعل هيوم هذا إما لقصور في الإحاطة بمفاهيمها، أو لخشيته الامتثال لمهابة أسئلتها العظمى. ومثلما نالت الميتافيزيقا منه نصيبها من الهدر، سينال العقل حظه الأوفى من تهمة التقصير والغموض. ولأنه يعتبر ان الغموض موجِعٌ للعقل مثلما هو موجِعٌ للعين قرر أن يجتنب الوجع المحتمُّ، وينساق نحو منهج غرائزي يجعل العقل أقل تحليقاً في الأعالي مما اتخذه أي فيلسوف حديث. هو لم يفترض ان لدينا مَلَكَة أخرى أفضل قدرة لتزويدنا بمعرفة طبائع الأشياء. ثم يستخلص أن الشك هو الموقف المعقول الوحيد الذي يتعيَّن اتباعه. واللاَّفت ان لا نجاة من "الفراغ العجيب" الذي اقترفته مطارحات هيوم، إلا عن طريق الغريزة التي وهبتها الطبيعة للكائن البشري لتدبير حياته اليومية. والنتيجة أنه لما أقام نفسه في المنطقة الرمادية بين مرأى العين واستدلالات الذهن، لم يجد سوى السخرية سبيلاً لمواجهة ما لم يستطع على إدراكه صبراً. لقد أشكل عليه إدراك الحد الفاصل بين الوهم والفهم. ثم مضى الى القطع بعدم وجود أي تبرير فلسفي لإثبات أي حقيقة تتجاوز ميدان التجربة الحسِّية. وللمفارقة ان ميدان التجربة نفسه لم ينجُ من شكوكيته ومسلكه الفكري المضطرب. حتى ليجوز القول ان ما انتهى إليه في كتابه "تحقيق في الفاهمة البشرية" هو أدنى الى التيه في دوَّامات الريبة وعدم اليقين.

المتريَّب من كل ما ليس منه

الذين أخذوا على هيوم ريبيته المفرطة، تساءلوا عما إذا كانوا في محضر فيلسوف يستحق هذه الصفة. فالفيلسوف على ما نعلم هو طالب الحكمة والساعي الى العثور عليها. ورأس الحكمة التعرُّف على ما يتوارى خلف حجاب الحواس الخمس. لا يغيب عنا أن لدنيا الممكنات سحرَها وغوايَتها، إلا أن الحكمة -ولا أي علم سواها- هي التي نبَّهت الى وجوب العثور عما يمكث وراء بوادي الأشياء ومظاهرها.

لقد أدان هيوم الميتافيزيقا واستنزلها منازل الأفكار الزائفة، ثم لينتهي الى ضربٍ من السخرية مما توصل اليه من استنتاجات. "أنا خائف ومرتبك من تلك الوحدة البائسة التي وضعت فيها فلسفتي". والحال فإن مرجع خوفه يعود على أرجح تقدير الى "لا أدريَّته" حيال سؤال الوجود، وكذلك الى شكوكيته بمنطق العلم ومنطق التجربة في آن. وتلك مخافة مشروعة ما دام لم يعد لديه ما يستأمنه على أيام دهره. أما نظريته في المعرفة - لو صَلَح لها هذا الاسم – فسنجدها مدعاة للعجب. فها هو يرى "ان المعرفة المنطقية التي تختص بالعلاقة بين تصورات الذهن هي يقينية مائة بالمائة لأنها لا تقول لنا شيئاً عن العالم، أما المعرفة التجريبية التي تقوم على الانطباعات الحسِّية البسيطة فإنها تروي لنا شيئاً من العالم من دون ان تكون يقينية مائة بالمائة"...

الحصيلة المنطقية لهذه المعادلة "الهيومية" ان كلا المعرفتين لا ترتقيان الى المنزلة التي يتأسس عليها ما يوصِلُ الى الحد الأدنى من اليقين. وبناء على هذا المقتضى جَزَمَ هيوم بأن معرفة الطبيعة الإنسانية تستلزم نبذ الوهم الميتافيزيقي، والإقرار بعدم القدرة على النفاذ الى موضوعات تستغلق على الذهن استغلاقاً.. أما المنهج الوحيد الذي قرره ليقتدر به على تحرير المعرفة من هذه المسائل المستغلقة، فقد جاء على لسانه: "ان نبذل ما يسعَنا البذل على تقصِّي طبيعة الذهن البشري، وان نبيِّن من خلال تحليل دقيق لقواه وطاقاته، انه ليس مُعَدَّاً بأي وجه من الوجوه للخوض في مثل هذه الموضوعات القصيِّة والمستغلقة"[2]...

ما الذي سيقوله هيوم بعد كل هذا؟

أفلا يفضي مقصده الى الهبوط المريع نحو اللاّشيئية والسخرية من بداهات التعقُّل؟.. ثم لنا أيضاً أن نسأل: من أين له كل هذا الاعتقاد بمنهج رمادي نهايته الامتناع عن أي ضرب من المعرفة اليقينية؟

لو عدنا قليلاً الى تاريخ الفلسفة منذ إرهاصاتها اليونانية الأولى، لتبيّن لنا ان الرجل لم يأتِ بخطب جلل. مَثَلُه كمثل سائر فلاسفة الحداثة ممن ذهبوا مذهب الشك حتى استوطن بعضهم أرض العدم، وهوى بعضهم الآخر الى وادي الإلحاد. جلَّ هؤلاء أخذوا عن أسلافهم الإغريق عصارة أمرهم ثم جاوزوهم لما خاضوا مغامرة الحداثة. لهذا جاز القول انهم تماهوا مع ما جاء به الأوّلون، ولم يأتوا بجديد يعوّل عليه. في الفترة التي تلت عهد سقراط، أي قبل قرون مديدة من ظهور الحداثة في الغرب أطلَّت الشكوكية برأسها مع رائدها الأول بيرون حين رأى أن: "المعرفة تعد أمراً مستحيلاً، والمصير المحتوم للبشرية هو الشك واللاَّأدرية. من بعد ذلك تمادت الشكوكية لتتحول الى مذهبٌ فكريٌ يفيد أصحابه بأن المعرفة الحقيقية في حقل معينٍ هي عبارة عن معرفة غير محقَّقة وليست ثابتة لدى الإنسان. أي أن الحقيقة خارجة عن نطاق إدراك الذهن البشري، وأن الانسان لا يمتلك القابلية لمعرفة الحقائق الثابتة لكون الحسّ والعقل معرضين للخطأ. فضلاً عن ذلك، عُدَتَّ الأصول المنطقية التي وضعها أرسطو لصيانة الذهن من الخطأ غير كافية، وأن السبيل الصحيح في التفكير هو التوقف عن إصدار آراء جَزْمية. ثم بالغوا في منهجهم هذا لدرجة أنهم طبقوه على مسائل الرياضيات والهندسة معتبرينها قضايا احتمالية وتشكيكية[3].

من البيِّن ان هيوم - وإن ادعى مجاوزة أسلافه القدماء وهو ما لا دليل عليه - فإنه لم يفلح في مسعاه مع فلاسفة الحداثة. في الحقبة الحديثة سينبري الى استنساخ شكَّانية "التنوير" ويستحْفِظَها عن ظهر قلب. أخذ عن ديكارت منهجه الشكِّي واستبدل "الأنا أفكر" بالغريزة. إلا أنه سيتَّبع حرفياً ادعاء ديكارت ويؤسِّس عليه: "ان علينا ان نصف بالزيف جميع الأشياء التي قد نتشكَّك فيها. والاَّ نصف أي شيء من الأشياء بأنه حقيقي ما لم يكن بمقدورنا ان نثبت حقيقته. وحتى يتسنى لنا ذلك لا مناص من الاعتماد على برهان يبدأ مما هو محل شك، ثم ينتقل من خطوة الى أخرى تكون كل منها صحيحة وفوق كل شك"...

الفاهمة البشرية غير فاهمة

ربما تنبَّه هيوم الى معثرته لما ذمَّ الميتافيزيقا وأعلن عن قصور العقل. وهذا ما سيحمله على التمييز بين نوعين من الفلسفة:

-الفلسفة العويصة والمجرّدة: وهي التي تبحث عن المبادئ العامة للطبيعة البشرية، بواسطة الاستدلالات المجرَّدة.

- الفلسفة البسيطة والواضحة: وغرضها تهذيب الآداب، وموضوعها الفعل الإنساني. وهي "تشتغل بتلك المبادئ التي تسيّر أفعال الناس، من أجل ان تصلح من سلوكهم وتقرِّبهم من أنموذج الكمال الذي تصفه لهم".

لقد مالَ هيوم الى الثانية بعد ما شقَّ عليه الخوض في العالم المجرد للميتافيزيقا. ثم انصرف الى هندسة مقارباته للمعرفة البشرية في إطار ما أسماه "فلسفة عملية بسيطة" تستفيد من دقة الفلسفة النظرية المجرَّدة ومن طاقة الاستدلال الميتافيزيقي. لكن هل استطاع هيوم أن ينجز هذه الفائدة من الفضاء الميتافيزيقي ليسدد مدّعاه؟

يبدو هذا المطمح مشكوكاً فيه على غالب الظن تبعاً للمقدمات والتأسيسات التي ابتنى عليها مغامراته المعرفية.

ربما رغب هيوم ان يصير مبحثه عن "الفاهمة البشرية" نقطة انعطاف تومئ الى تحرر الإنسان من كهف التجريد الميتافيزيقي. غير ان هذه الرغبة لا تلبث حتى تؤول الى استدخال هذا الإنسان في كهف العدم. فقد أقام عدميته   على فَرَضَية مفادها: أن الفلسفة لما كانت تقوم على هيئة للفكر ولا تخوّل له دخول مشاغل الحياة والعمل، فإنها تتلاشى حالما يغادر الفيلسوف عتمة الظل ليستقر في وضح النهار، ولا يمكن لمبادئها ان تحافظ بيسر على أي تأثير في سيرتنا وسلوكنا. فأحاسيس قلوبنا واختلاجات أهوائنا، وهيجان عواطفنا تبدِّد ظلام استنتاجاتها كلها، وتحطُّ بالفيلسوف العميق الى مجرد رجل من الدهماء.

 لم يكتفِ هيوم بما اقترفه بحق الميتافيزيقا لمَّا حكم عليها بالبطلان، بل راح يبحث عن ذلك الفيلسوف الذي لا يقصد أكثر من أن يكون ترجمان الحسِّ الإنساني العام. ربما كان يترصَّد بـ"ذكائه الفيزيائي" مسلك الفلاسفة والمفكرين من بعده. وسنرى بعد ذلك كيف استولدت مسارات الحداثة سلالة متصلة من الفلاسفة الْتَمَّ شملُها على ذمِّ الميتافيزيقا وعبادة العلم المحض.

جناية هيوم على كانط

من الشواهد الصارخة أن تحقَّق لديفيد هيوم مع ايمانويل كانط ما كان يرنو إليه. في عام 1756 قرأ الأخير ترجمة ألمانية لنظيره حول الشكوكية كانت كافية لتهزّ إيمانه بشرعية المعرفة الميتافيزيقية. وهو ما عبّر عنه بعد سنوات في مؤلفه "مقدمات نقدية" Prolegomena بجملته العصماء: "لقد أيقظني ديفيد هيوم من سباتي الدوغمائي".

جناية هيوم على كانط أدت الى اندفاعه على غير هدى، نحو ما أسماه مواجهة اليأس العام من المعرفة الميتافيزيقية. ثم كانت معضلته الكبرى عندما شرع في تحويل الميتافيزيقا الى علم.

لقد جاء الأمل الموهوم لكانط من المصدر نفسه الذي جيء لديكارت. أي من الثورة العلمية التي أبهرت بسحرها الجميع. ابتهج كانط بالنور الخافت الذي أدركه في فوضى الهندسة المعاصرة، وصار يبصر في نور العلم منبعثاً لبداية إصلاح العلوم. كان ثمة تباين بارز بين الضعف الواضح للأنظمة الميتافيزيقية الغربية وحالة الازدهار التي شهدها العلم الوضعي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فقد حافظت الرياضيات على حسن سمعتها القديمة، وبلغت الفيزياء مع نيوتن عزَّاً لم يعهده علم الطبيعة من قبل. لكن الفلسفة ظلت تواجه معضلة العزلة حتى كادت أن تذوي تحت وطأة الضربات القاسية للعلم.

قيل أن هيوم هو أول من اكتشف "مشكلة الشك في الاستقراء". وهذه المشكلة ترتبط بكل من منهجَيْ الاستقراء العادي والنخبوي اللذين يؤولان عنده الى النتيجة إياها. أي ان كلا المنهجين لا يأتيان باليقين المعرفي. إذ فيما يؤكّد الشكّي العادي أن الحالات الموجبة للتعميم الاستقرائي لا تُقدم أي أُسُس مهما كانت لتأكيد صدق أو احتمال التعميم،... يؤكّد الشكّي النخبوي أن الحالات المؤيّدة لنظريّة ما، لا تقدم أي أُسُس لتأكيد صدقها أو احتمالها[4]. وكما أشرنا من قبل فإن ما فعله هيوم –وما واصل فعله- هو توجيه انتباه الذهن بعيدًا من المشكلات المُلِحَّة للاستقراء النخبوي ليتجه نحو المشكلات العاديّة نسبيًّا للاستقراء العادي.  والواضح كما يقول ناقدوه ان تجنّب هيوم للاستقراء النخبوي مرتبط بجهله بعلم عصره الذي لا يقارنه فيه أحد. لكن الأمر يرجع بدرجة أكبر إلى إبستيمولوجيّته الحسّيّة التي تستلزم بطبيعتها أن تكون النظريّات الأصيلة غير منجزة.

وأنّى كان الأمر ففي مستخلصات هيوم واجراءاته ما يؤكد حقيقة غالباً ما غابت عن الكثيرين، وهي أن ما صنعته الحداثة من أفكار هي أدنى الى إعادة تدوير لبضاعة الإغريق الفلسفية. وفي أحيان معينة جاءت أقرب الى استعادات رديئة لما قرره السلف. وتمشياً مع هذه الفَرضية لا نكون قد جاوزنا الحد لو قلنا ان تاريخ الحداثة الفلسفية الغربية ظل موصولاً بحبل متين مع الفلسفة الأولى. أخذ عنها كل شيء ثم ليستقر أمره على دروس المعلم الأول، ولمّا يفارقها قط سحابة خمسة وعشرين قرناً خلت.

 


[1] - مفكر وأستاذ في الفلسفة والإلهيات – لبنان.

[2] - ديفيد هيوم- تحقيق في الذهن البشري- ترجمة: محمد محجوب- المنظمة العربية للترجمة – بيروت 2008- ص 33.

[3]- المصدر السابق، ج 6، ص 75، 77، 100، 194، 233.

راجع أيضاً: مرتضى مطهري، شناخت در قرآن (باللغة الفارسية)، ص 30؛ مرتضى مطهّري، آشنائي با قرآن (باللغة الفارسية)، ص 53.

[4]- لاري لودان – العلم والفَرَضيّة: مقالات تاريخيّة في المنهجيّة العلميّة – ترجمة: فاطمة اسماعيل – مراجعة: مصطفى لبيس – المركز القومي للترجمة – القاهرة – ط1 – 2018 – ص214.