وقفات مع أدبيات النقد العاشورائي

 

يعدّ إحياء الموسم العاشورائي من أبرز سمات المجتمعات الشيعية، وهو الإحياء الذي تنامت فيه البرامج والأنشطة كمًّا ونوعًا في السنوات الأخيرة. فإلى جانب مجالس القراءة والمراثي العزائية، تحضر البرامج المصاحبة من محاضرات ثقافية وتوعوية وأنشطة فنية: تمثيلية وتشكيلية وغيرها.

ومع هذا الحضور الفاعل والمتنوّع، يبقى للمجلس الحسيني حضوره الطاغي والبارز، فغالبية التفاعل الجماهيري يتوجّه إلى حضور هذه المجالس الحسينية والمشاركة فيها، حضورًا أو إعدادًا، وبخاصّة أنّ مجموعة جيّدة من الخطباء تبذل جهودًا واضحة في الإعداد البحثي والعلمي في هذا الموسم، ويظهر ذلك فيما يُنشر مع نهاية العام الهجري من جداول لعناوين المحاضرات لكلّ خطيب طوال ليالي الموسم.

ومع امتداد هذه التجربة وتوسّعها عامًا بعد آخر، يظهر دور هذه المجالس في الإعداد الفكري والثقافي ذي الطابع الديني على الجمهور العام، حيث ساهمت في رفع مستوى الوعي لدى شريحة واسعة وتنامت لديهم حالة من الرشد الاجتماعي.

 

النقد كظاهرة في الخطاب المنبري الحسيني

 

يدرك خطيب المنبر الحسيني أن الجمهور الذي يتوجّه إليه بالحديث والبيان هو جمهور عام وواسع، وبخاصّة مع عدم انحصار المستمعين في أولئكم الحضور الفعلي في مجلس القراءة، وإنما يتعدّاهم إلى فضاء أوسع بسبب بثّ العديد من هذه المجالس عبر الفضاء الإلكتروني وحفظ الكثير منها على منصّة «يوتيوب» الإلكترونية، ما يتيح للآلاف متابعتها ومشاهدتها أنى أرادوا ومتى شاؤوا.

وهذه العمومية لدى متلقّي الخطاب المنبري في هذا الموسم تؤطّر الخطيب فيما يتناوله من موضوعات، حيث يحرص العديد منهم على انتقاء ما يتلاءم وهذا الجمهور العريض، فيختار كثير منهم موضوعات تعالج ظواهر وقضايا معاصرة ذات طابع عامّ، وتمسّ شريحة واسعة من أبناء المجتمع. ومن هذه الموضوعات نقد بعض الظواهر الاجتماعية أو الثقافية ذات الحضور الواسع. وهو الاختيار الذي من شأنه أن يعزّز تفاعل المنبر الحسيني مع قضايا الساعة ومع ما يحتاجه الجمهور بشكل معقول ومقبول.

وتطبيقًا لذلك، يعالج أحد الخطباء هذا العام، وهو السيد مجاهد الخبّاز، ما يتعلّق بجائحة كورونا، فيناقش الحالة السلبية تجاه تلقّي اللقاحات المضادّة لفيروس كوڤيد - 19؛ أما الشيخ مصطفى الموسى يطرح موضوع أهمية الحجاب للمرأة المسلمة منتقدًا بعض مظاهر الانفتاح السلوكي لدى شريحة من بنات المجتمع. وهكذا يعالج السيد منير الخبّاز توجهًا فكريًّا، حول موضوع الحركة النسوية. وفي نموذج رابع: ينتقد الشيخ حسن الصفار موضوع غلبة الجانب العاطفي على الجانب العقلاني في الشأن الديني.

لا يخفى أن تنوّع ما يطرح من محاضرات على المنبر الحسيني يثري الساحة المحلية ويولّد حراكًا ثقافيًّا حيويًّا طوال ليالي الموسم، وبخاصّة مع ما تتّسم به هذه المحاضرات من تنوّع بين التأسيس الثقافي وبين النقد لبعض الظواهر المحلية والعامّة. ومن جهة مقابلة، فإن من شأن هذا النوع من الحراك أن يقلق بعضًا من شرائح المجتمع التي تتوجّس من أي تأسيس أو نقد غير واعيين، حسبما يرون. ويفضّلون - بدلًا من هذا الحراك - الإبقاء على ذلك العرض التاريخي للواقعة أو تلكم المحافظة على التغذية العاطفية تجاه أهل البيت ، من خلال التأكيد على مكانتهم السامية بين المسلمين وذكر مناقبيتهم والتأكيد على الارتباط العقائدي بهم.

وهو التحسّس الذي يشتدّ عندما تتناول بعض المحاضرات نقدًا موجهًا للممارسات الدينية، كما هي الحال هذا العام عندما تناول الشيخ حسن الصفار في الليلة الثانية موضوع «ترشيد العاطفة الدينية» «وأسف إلى بروز من يتفاخر بتخطي العقلانية في الشعائر الحسينية حاملًا شعار الجنون استنادًا إلى مقولات لا أساس لها، ومنها ”حب الحسين أجنني“. وتساءل: "هل يصح أن يكون الجنون شعارًا في مجتمع دين يقوم على العقل والتعقل؟» [1] ، حيث ذكر في تلكم المحاضرة أن ما يردّده البعض حول نسبة هذه المقولة إلى عابس بن شبيب اليشكري غير موجودة في المصادر القديمة.

وقد كان التشكيك في هذه النسبة مثارًا لهجوم واسع، حضر بعضه على المنبر الحسيني في بعض المجالس، فيما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي بعضًا من تلكم الردود، بعضها على صورة أبيات شعرية، والبعض الآخر على شكل مقاطع لخطباء عزّزوا هذه المقولة، كما هي الحال لما تداولته هذه الوسائل من مقطع قديم للشيخ الوائلي «ره» ومقطع آخر منذ سنوات للسيد محمد تقي المدرّسي.

 

من الخوف إلى التخويف

 

وما شهدته الساحة المحلية، وامتدّ لاحقًا إلى خارجها، لم يكن بدعًا، فغالبًا ما تتكرّر ردّات الفعل ذاتها في كلّ مرة. فبمجرّد أن يظهر مقال أو تصريح يشكّك في بعض الشواهد التاريخية أو يناقش بعض المسائل العقائدية، ينبري مجموعة من الخطباء للردّ على ما ورد في تلكم المقالة أو ذلكم التصريح. وللأسف يكون محتوى الردّ متشابه إلى حدّ كبير، إذ غالبًا ما تحتوي الردود على العناوين التالية:

عدم مناقشة الفكرة الأساس

لقد شكّك الشيخ الصفار في ورود العبارة على لسان عابس لينفي ما قد يتّخذه البعض دليلًا وتعضيدًا لما يذهب إليه من مبالغة في الاتجاه العاطفي على حساب الاتجاه العقلي. وهو ما يعني أن يتوجّه النقد إلى الفكرة الأساس التي يناقشها الشيخ لا أن يتركّز على صحّة المقولة من عدمها والوقوف عند ذلك. ولا بأس بذكر موقف افتراضي لبيان هذه النقطة: فلنفترض أن أحد مسؤولي الإدارات الحكومية أراد أن يضبط مسألة حضور الموظفين وانصرافهم عن طريق وضع «جهاز البصمة»، وأشاع بين موظّفيه بأن ذلك تنفيذ لأمر صادر عن الإدارة العليا مع عدم تزويدهم بما يثبت صحّة مدّعاه. وقد لاحظ عدم التزام أحد الموظّفين بتطبيق البصمة باستمرار، وعندما استدعاه لمكتبه أخبره بأنه سيتّخذ في حقّه إجراءً إداريًّا إذا لم يلتزم إثبات حضوره وانصرافه عن طريق الجهاز. وفي هذه اللحظات بدلًا من أن يطالب الموظّفُ المديرَ بما يفيد ضرورة التزام هذا الإجراء، اعترض عليه قائلًا: «لماذا تتخذ ضدّي هذا الإجراء دون بعض الموظّفين الذين تحابيهم، مع وجود غيري لا يلتزم استعمال الجهاز لتأكيد حضوره وانصرافه؟». وأخذ الحوار بينهما يشتدّ حول محاباة بعض الموظّفين.

ولنفترض أن المدير لم يكن محابيًا لأيٍّ من الموظّفين؛ ألم يكن الأجدى بالموظّف أن يطلب من المدير ما يثبت إلزامه لهم بمثل هذا الجهاز بدلًا من الذهاب إلى موضوع جانبي غير مهم؟!

لقد كان الأجدى أن يتوجّه النقاش إلى أساس المحاضرة وليس إلى نقطة جانبية وردت كعامل مساعد لتقوية الفكرة ليس إلّا. وهذا الأمر يتكرّر في العديد من الأمثلة التي تشهدها الساحة المحلية.

التشكيك في العقيدة أو الدين

ما يدعو كثيرًا من الخطباء وعلماء الدين أن يتّخذوا موقفًا سلبيًّا من مثل هذه التشكيكات أنها قد تكون تمهيدًا لتشكيكات أوسع وأعمق، ما يؤثّر سلبًا على الجمهور، فتكون هذه بداية لكرة ثلج تتعاظم إلى أن تصل إلى أصول الدين أو المذهب. وبعضهم قد يذهب به الاتهام إلى أن يكون ذلك مقصودًا من صاحب ذلك التشكيك بأن لديه منهجًا يخطّط من خلاله للوصول إلى هذه المرحلة، فيما يكتفي بعضهم بالنصح والإرشاد بأهمية عدم إلقاء مثل هذه التشكيكات لأنها قد توصل إلى ما لا تحمد عقباه.

مع أن الذي ألقى هذه التشكيكات ذكرها أمام جمهور له يتابعه منذ مدّة، ولم تذهب هذه التشكيكات بأولئكم الجمهور إلى اتجاهات غير دينية، ولا أدلّ على ذلك من مواظبتهم الصلاة خلفه وحضور محاضراته والمناسبات «الدينية» التي يحييها، وتداول مؤلّفاته والحرص على متابعة أنشطته وبرامجه «الدينية». نعم، قد تختلف وجهات النظر حول بعض المسائل الدينية من توجه إلى آخر، ولكنّها تبقى ضمن الانشداد الديني الراسخ لدى كل من الفريقين، ولا ينبغي أن يعدّ تيّار أو توجه نفسه أكثر تديُّنًا من توجّه آخر، ولا أكثر حمية على الدين من بقية التيارات، فذلك لا يعلمه إلّا الله سبحانه.

كما أنّ ما أورده الشيخ الصفّار كان سيظلّ رهنًا بجمهوره ومتابعيه دون أن يلتفت إليه جمهور ذلكم الخطيب المنتقِد، فإذا كان هذا الأخير حريصًا على عدم تشكيك جمهوره فيما ورد من تشكيك، كان حريًّا به أن يتجاهله. وإن التفت إليه بعد آحاد من جمهوره، فلن يؤثّر ذلكم التأثير الكبير، ويضاف إلى ذلك أن «للدين ربّ يحميه»، كما ألمح عبد المطلب بن هاشم يومًا مّا.

مع أنّ التشكيك في أصول مقولة قالها أحد المجاهدين مع الإمام الحسين  توصل إلى التشكيك في الدين بحاجة إلى وقفة تأمل حولها، بل إنّ المنع من مناقشة بعض الأمور لأنها قد توصل إلى التشكيك في الأمور الدينية يُشمّ منه اللجوء إلى إحدى القواعد في أصول الفقه السنّي المعروفة بِ «سدّ الذرائع»، وهي القاعدة التي يقف منها علماء أصول الفقه الإمامي موقفًا سلبيًّا، كما هو معروف، فهل تغيّر الموقف منها في هذا العصر؟!

عدم الردّ على المدّعى

أشار الشيخ الصفار إلى عدم وجود أثر للمقولة في المصادر القديمة، ما يدعو إلى مبدأ التشكيك في صحّتها، وكان الأولى بالردّ أن يذهب في اتجاه إثبات وجودها في المصادر القديمة، أو الاستدلال بأقوال بعض العلماء في تصحيح بعض الأخبار. ولكن الردود جاءت خلافًا لذلك، فبين قائل بأن ذلك مجاز لا ينبغي التدقيق حول مقولة لا تحمل إلّا معنًى مجازيًّا لا يعنيها القائل بحرفيتها، مع أنّ سبب التشكيك في مقولة عابس كان أساس ذكرها أنّ البعض حوّلها من معنًى مجازي إلى مظهر وعنوان يبالغ من خلاله في طغيان الحالة العاطفية والاندفاعية أكثر من العقلانية.

وبين داعٍ إلى عدم أهمية البحث حول أصل المقولة لأنّ ذلك ليس من الأمور ذات المسؤولية الدينية التي يحاسب الإنسان عليها. مع أنّ الإنسان حينما يلقي أمرًا لا مصدر موثوقًا يثبت صحته ويعلم بذلك قد يعدّ من الكذب المحرّم ويحاسب عليه يوم القيامة.

وبين منتقد يلجأ إلى استثارة الجمهور من خلال عاطفته، ويختار في ذلك تعبيرات تستدعي حالة التنافر والتباغض بين المؤمنين، يستدرّ بها تعاطف الجمهور. وحينما تدقّق فيما ذكره لا تجد ما يردّ به سوى أنه يرفض الرأي رفضًا عاطفيًّا فقط. وهنا أدعو القارئ إلى ما ذكره السيد محمد تقي المدرّسي من شرح لآخر وصايا لقمان الحكيم  حول غضّ الصوت، إذ يقول: «الهدوء دليل العقل، بينما الصراخ خلافه. والكثير إنما يعلي صوته ويكثر من الدعايات ليصنع الظروف التي تجبر الناس بشكل من الأشكال على تقبّل أفكاره، والصحيح أن يقبل الآخرون الأفكار لمحتواها لا لوسائلها» [2] .

الوقت غير مناسب

في كلّ مرة تثار مثل هذه القضايا، يُنتَقَد الشخص الذي تحدّث عنها بأن الوقت غير مناسب، وهذه قد يقولها من يكون لديه موقف مسبق من صاحب التصريح وقد يقولها من يكون على وفاق معه، فيقول الموافق: «سامح الله الشيخ/ السيد، لو تأنى قليلًا، وانتظر الوقت المناسب، سيكون أفضل». وعندما تسأله: «متى - برأيك - الوقت المناسب لطرح مثل هذه القضايا؟»، سيقف حائرًا لا يجد وقتًا يراه مناسبًا، فالأوقات جميعها غير مناسبة.

الخطر على المجتمع

لا يمكن التشكيك في أنّ هدف كثير من الخطباء وعلماء الدين والمثقفين هو غيرتهم على هوية المجتمع والمحافظة على التزام أبنائه دينيًّا. ولكنّ التحذير من بعض الدعوات التي تظهر بين الفينة والأخرى هل يحافظ على المجتمع متماسكًا قويًّا كما يُرجى؟، أم أنّ مناقشة مسائله ومعالجة قضاياه بروح علمية هي التي تحافظ على ربط هذا الجمهور أكثر بدينه ومعتقده؟

وهل يُخشى على الدين وعلى المعتقد من التوجّهات الداخلية أكثر؟، أم يجب أن يُخشى عليه أكثر من تلكم التوجهات الخارجية؟

إنّ اتهام التيارات الدينية التي تتّخذ من الشأن الديني شعارًا لها، والتمسّك بأصوله أساسًا من الأسس التي تقوم عليها بأنها خطر على الدين اتهامٌ في غير محلّه، فهذه التوجّهات من شأنها أن تعدّد الرؤى حول المسألة الدينية التي يمكن النظر إليها من أكثر من وجه. يقول سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ «12»﴾، حيث تشير الآية الكريمة إلى أنّ للهداية أكثر من سبيل وطريق.

 

الهوامش:

1]  موقع مكتب الشيخ حسن الصفار، بتاريخ: 11/ 8/ 2021:
https://www.saffar.me/?act=artc&id=4456

[2]  من هُدَى القرآن، السيد محمد تقي المدرّسي، دار القارئ - بيروت، ط2,1429ﻫ - 2008م، ج7/ 100.