الأشياء لا تتشابه.. لكنّ الألم واحد

 

عندما تفكر خارج النطاق المألوف، سترى كلّ الأشياء غير متشابهة، بل سترى الوجود كلّه بعين مختلفة؛ الحركات، الهدوء، الصُّراخ، الاحترام، السببية بأنواعها، تظلّ تراوح في المكان نفسه. كلّ الصور المكتسبة والإيماءات لا تشكل الواقع الذي تسعى أنت وراءه؛ لأنك تفكر بالواقع الملهم، إنه سراب لا تستطيع أن تصل إليه.

البُعدُ أو المسافة تظلّ حائلًا للوصول إليهما، جميع الأشياء تتضارب في عقلك، والصور لا تتشابه مع الإيقاعات التي تعتقد أنك أبدعت في جمالها، جميع المكتسبات ما زالت غير قادرة على إيصال الفكرة؛ لأنك قد تكون خارج النمطية القاتلة للإبداع، تظلّ فكرة الاستسلام وهمًا غير محدّد للبعض.

وحدها الأحلام ترسم المسارات والطرقات التي تسعى الوصول إليها خارج المرافئ، تجول البحار والصحاري دون أن تتوقف للتزود بسبل الحياة، إنّها الطاقة التي تعيد إنتاج نفسها للاستمرار، ترفض فكرة الإذعان النهائي.

والسّؤال: هل الوهم حائل بين الإجابة والوصول؟، أم العقل بقعره قد نفد منه كلّ شيء ولا شيء؟

والسؤال الآخر: من المسؤول؟ البشر أم الطبيعة وحدها؟ هل هي من صنعت الفنتازيا التي لا تقهر أو تنتهي؟

الأشياء تحدِّد نفسها، تموت ثم تعود بشكل آخر، إنه سحرٌ لن تراه إلَّا مرة واحدة، تتوقع ارتداد جمال الأشياء وإن كانت سيئة. الظنُّ بأنّ كلّ الأشياء تنظر نفسها بنفسها، السُّوء ليس كلّه قبيح، والجمال ليس كلّه جميل! الميزان وحده يشعرك بالعدالة، البصر والفؤاد وحدهما من يصنعان الحب والكره معًا، والأهم الخوف الذي لا يتوقف، الوحدة التي تشعرها برغم حقيقة الوجود، العائلة، الأقرباء، الأصدقاء، تظلّ تبحث وتبحث عن الأجوبة الغامضة لتضع حدًّا، لكنّك لا تستطيع!  

الآخر أو الآخرون ربما يعتقدون السيكوباتية، ذلك العشى الذي أعمى كلّ شيء، المعارك ما زالت مستمرّة، تجدها تارة حربًا، حين تتناقض تجدها سلامًا بارد الصّقيع يفرض فروته، بعد تناثر تلك البلورات الثلجية لا تستطيع إلّا أن تركن جانبًا، حظر تجوال مؤقت، تعود الأفكار والخيالات المتحرّرة أو المتشدّدة كما كانت  تهدم بعض الأعمدة ثم تعيد إنشاءها، لا شيء يتوقف، يهبط العجز أحيانًا اضطراريًا أو مجبرًا، قوة هائلة تعيدك إلى التموج الفكري يزيدها غليان حاقد، مما يزيد الفاقة شدة على عقلك ونظامك الداخلي، ترتل بعض الأشياء حتى تهدأ ثم تعود تبحث عن الضالة الأصلية، قالت الفلاسفة: قد يضع العلم حدودًا للمعرفة، لكنّه لا يجب أن يضع حدودًا للخيال.

حقيقة الوهم

أما الوهم فهي الحالة اللاإرادية في مجمله يبعدك عن الواقع مسافات طويلة، لكنّها تظلّ مرتبطة بالحالة النفسية في نوعية الوهم المتبدّد أحيانًا بالإحساس الاختياري، العاطفي أو العظمة أو الشعور بالذنب، مع الأنواع التي لا تنتهي، تظلّ متلازمة بسبب الاعتقاد الخاطئ الذي يقوم على تفسير خاطئ للواقع، اعتقادًا، زائفًا بحكم شخصي، يمكن أن ننظر إليه باعتباره وهمًا عندما يكون مفرطًا في تطرفه إلى درجة تجعله يتحدّى المصداقية. ولأنّ القناعات الوهمية تتم في صورة سلسلة متصلة، فإنه يمكن الاستدلال على وجودها من سلوك الفرد المتكرر.  

يُعرّف الوهم من قبيل التصور والتخيّل، ويطلق على كلّ صورة ذهنية لا يقابلها في الوجود الخارجي شيء، أو لا يمكن الحدوث الآن أو في المستقبل.  

يظلّ الوهم صامتًا للبعض لكنّه متحرك داخليًا، يفقد وهجه تارة، وتارة يركض باحثًا عن المجهول الذي يثير خياله، يكافح الإنسان لفهم الواقع بطرقه المختلفة، المؤلم جهلنا بأنفسنا لفترات طويلة، هو الفقد لمتعة الحياة التي تنتظر منّا دائمًا التغيير المستمر.

وعندما نبحث عن أسباب ذلك الفقد سنجد أهمّها ترسّبات نشأت من علاقة الأبناء بالوالدين منذ أيام الطفولة، أو التعرّض لاضطهاد اجتماعي، هذا إذا ما كانا يعانيان من التوهّم المرضي أصلًا، ونادرًا ما يطلب المرضى الذين يعانون من اضطراب الوهم المساعدة من طبيب نفسي؛ نظرًا لمحدودية البصيرة في محنتهم وقناعتهم الوهمية القوية.

الشُّعور بالعزلة هو المؤشّر لتلك الأوهام، تفقد المحيط الداخلي والخارجي وهو مؤشر قوي، للتقدم خطوة في زيادة المعرفة والاتجاه نحو العلاج الآمن، والطريقة المثالية للعلاج أحيانًا زيارة الطبيب النفسي الذي قد يكون مرفوضًا، ولذا فإنّ أفضل الطرق وأنجعها تضافرًا الجهد الأسري، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.