حوار مع الدكتور الشيخ ليث العتابي حول  قيمة الدين وحاجتة لقراءة متجددة  على ضوء معطيات الواقع

حاوره : حسين زين الدين

 

حوار* مع الدكتور الشيخ ليث العتابي* الباحث والكاتب في الفكر الديني، حول  قيمة الدين وحاجتة لقراءة متجددة و مقاربة موضوعية على ضوء معطيات الواقع. الذي رأى أن القراءة المتجددة هي حاجة إنسانية فرضتها الظروف الأيديولوجية والسياسية والطائفية. موضحا أن انتهاء جيل وولادة جيل جديد حتم تجدد القراءة من قبل الجيل الجديد، فشملت القراءة كل شيء ومن ضمن ذلك الدين، وهنا سيكون لطريقة ونوع العلم المفسر للدين دور كبير في قبول أو عدم قبول الدين، وفهم أو عدم فهم الدين.

الحوار كاملا:

1. ماذا عن ماهية الدين؟ وهل هناك حاجة وجودية للدين أم أنه ضرورة إنسانية؟

إن الدين في أصله اللغوي يعني العادة، والشأن، ليتوضح لنا من الأصل اللغوي التدرج والتطور الاصطلاحي للدين ليصل إلى الدلالة على السلوك والاعتقاد، ثم ليصل للدلالة على الإلتزام والخضوع والطاعة.

ولقد تنوعت الأقوال وتعددت في التفريق ما بين (الدين) وما بين (التدين)، إذ قد تعددت وتكثرت الاجتهادات في ذلك.

إن ماهية الدين في معناه البسيط هو نوع من التَوّق، نابعٌ من حاجة أو خوف، في سبيل تحقيق نوعٍ من الراحة والاستقرار الروحي والجسدي.

وقولنا (التَوّق) بدل (الشوق) حتى لا يؤخذ بأن مرادنا عرفاني أو صوفي، والمراد بـ(الحاجة) الاحتياج في مسألة أو مسائل متعددة كالرزق والمرض وما شاكل ذلك، ويراد بـ(الخوف) كل العوامل المخيفة التي يتعرض لها الإنسان، فقيل ان أساس بناء وتشكل القيم عند الإنسان هما (الحاجة) و(الخوف)، أي الخوف من الجديد ـ عادةً ـ فالإنسان يفضل التكرار لأنه يخاف من تجربة الجديد.

أما الكلام عن الدين وهل هو حاجة وجودية أم ضرورة إنسانية نقول:

الجواب يكون بحسب طبيعة الإنسان وما يملكه من وعي ومعارف، إذ لا يمكن سؤال غير المتعلم عن كلمة في كتاب ما معناها، كما ولا يمكن طلب نظرية فلسفية من جائع قتله الجوع.

بالنسبة للإنسان الأول وهو آدم عليه السلام فإن الدين حاجة، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.

أما بالنسبة لمن هم أقل منهم في الدرجة من الناس ممن يمتلكون حظاً من المعرفة فإن الدين عندهم ضرورة.

وأما بالنسبة لمن هم أقل من ذلك ممن هم (بسطاء) فإن الدين عندهم مجرد تقليد، ذلك ان الدين عندهم عادة.

وأما بالنسبة لمن هو بعيد عن كل ذلك، وبعيد عن الحضارة والمدنية، ويعيش في مجاهل الأرض فإن الدين عنده نوع من الأنس يرتاح عنده ساعة الملمات والصعوبات.

بذلك يتبين ان الناس متنوعون في نظرتهم إلى الدين، لكن يمكن القول ان الدين بالنسبة إلى أكثر الناس هو نوع من العادة، أو يشكل عندهم عادة اجتماعية، نعم هم يعتقدون أنه كذا أو كذا، لكنه عندهم ـ عرفوا بذلك أم لم يعرفوا ـ عادة تناقلوها جيلاً بعد جيل، من هنا يأتي الاعتقاد ليصحح طبيعة ونوع الدين لمن يريد ان يصحح، ليكون مؤمناً بالدين وفق الأسس الصحيحة.

2.اين تقع أهمية الدين في الحياة الانسانية و ما مدى تأثيره فيها؟

تقع أهمية الدين الصحيح القائم على الاعتقاد الصحيح في الجانب الأخلاقي والسلوكي، وتأثيره تابع لمدى الإيمان بذلك وتطبيقه بالشكل الصحيح.

قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهنا عدة وقفات:

الأولى: ان هناك أخلاق موجودة ومعروفة، والنبي الأكرم جاء ليتممها بالشكل الصحيح، أو يصححها، أو يحدد مكانها الصحيح، أو يهذبها مما علق بها من شوائب.

الثانية: ان الدين هدفه الرقي والسمو بالأخلاق الإنسانية لتصل إلى التمام والكمال، أو إلى نوع من التمام والكمال الإنساني.

الثالثة: الأخلاق أساس الدين، وهي مقدمة على كل شيء، ولا خير في دين لا أخلاق فيه.

إن الاتصاف بالأخلاق الحميدة، والاتصاف بالسلوك الجيد، هو من أهم أساسيات الدين، فمن المفترض ان يكون الإنسان صاحب الدين، أي (المتدين) صاحب أخلاق حميدة وسلوك جيد ممدوح.

أما مدى التأثير، فإنه سيكون كبيراً جداً لو كانت تلك الأخلاق والسلوكيات الحميدة نابعة من (الدين) حينها سيكون ذلك الدين محترماً، ومرغوباً، وممدوحاً، ومحبوباً.

كما وسيكون لـ(الدين) أثره الممدوح والمحمود لو كان مبنياً على أساس أخلاقي رصين.

يجب ان يكون الدين سبيل توحد لا سبيل تفرق، وسبيل كمال لا سبيل نقص وانتقاص، وان يشجع على العلم والتطور واحترام الآخرين، وان يرقى بأفراده إلى المعالي والمكرمات، وان يكون أشبه بـ(الأكسير) الذي يعالج كل شيء، وكل شخص من دون تفريق.

هذا هو جزء من الأهمية الحقيقية للدين، وبالخصوص في الحياة الإنسانية، وبخلاف ذلك فإن الدين سيكون أداة تنفير وطرد، وأداة تفريق طبقي وعرقي وطائفي.

 

3. قيمة الدين بحاجة لقراءة متجددة  و مقاربة موضوعية على ضوء معطيات الواقع بحسب نتاجات فعل التدين، كيف يمكن ضبط فعل التدين و تحرير حقيقة الدين و قيمته في الحياة؟

إن الدين كقيمة يحتاج إلى فهم وقراءة، ذلك ان القيم هي أعلى ما هو موجود، وهذا يدعونا إلى البحث عن أسباب نشأة القيم، وكيف تكونت وتبلورت، وما هي انعكاساتها.

لذلك فإن طبيعة الدين (ثابتة) وهي قيمة واحدة معروفة، لكن وبسبب السير الزماني والتنوع المكاني، والتعدد والتنوع في العلوم عند بني الإنسان، مضافاً إلى وجود الحاجة المتجددة لقراءة وفهم الدين، كل هذا هو ما سبب مقولة (ضرورة القراءة الجديدة) للدين أو للتدين.

فالقراءة المتجددة هي حاجة إنسانية فرضتها الظروف الأيديولوجية والسياسية والطائفية.

إن انتهاء جيل وولادة جيل جديد حتم تجدد القراءة من قبل الجيل الجديد، فشملت القراءة كل شيء ومن ضمن ذلك الدين، وهنا سيكون لطريقة ونوع العلم المفسر للدين دور كبير في قبول أو عدم قبول الدين، وفهم أو عدم فهم الدين.

أما التدين فهو ـ حقيقةً ـ شيء آخر غير الدين، فإن الدين هو النظرية، والتدين هو التطبيق، والتدين يختلف من إنسانٍ إلى آخر باختلاف العلم والوعي والأخلاق والعادات والبيئة واللغة والوضع الاجتماعي والوضع الاقتصادي، بل وحتى الوضع السياسي.

إن ضبط فعل التدين يكون في رسم القوانين رسماً صحيحاً بحيث لا يؤثر تدين (سلوك) شخص من دينٍ ما، على تدين (سلوك) شخص آخر من دينٍ آخر، ولا يحصل تضارب وتزاحم، ولربما تقاتل، وهذا يكون من خلال ضبط السلوكيات.

إننا إذا قررنا ان الدين ـ كل دين ـ قائم على تهذيب السلوكيات، وصناعة الإنسان صناعة أخلاقية، حينها يمكن لنا تحرير تلك الحقيقة عن الدين ونشرها، ولن يعترض أي معترض على اسم الدين، لأن السلوك قد غطى على الاسم.

4. يتميز مفهوم الدين بالسعة و العمق و المركزية في حياة الإنسان العامة و الخاصة، كيف يمكننا استيعاب ماهية الأخلاق في ظل هيمنة قيمة الدين و اي علاقة يمكن تصورها بين الدين و الأخلاق؟

إن العلاقة بين الدين والأخلاق ـ من المفترض ـ علاقة تكاملية، والسير الصحيح لها هو ان الأخلاق توصل الإنسان دينياً إلى التدين (السلوك) الصحيح، من هنا ستكون واسعة أو لا، وعميقة أو لا، ومركزية أو لا.

إننا لو فهمنا ماهية الأخلاق الصحيحة ـ أولاً ـ حينها سنصل إلى الدين الصحيح، فالدين قائم على الأسس الأخلاقية، وعلى القيم الأخلاقية، وعلى السلوكيات الأخلاقية الصحيحة.

أما لو كان الدين مجرد عادات، وتكتلات، وفئويات؛ فحينها لم يكون الدين قيمة، ولن يكون للأخلاق مكانة فيه، بل ان (الغلبة) ستكون المميز له، وستكون الحياة غابة، وفي الغابة الغلبة للأقوى، إذ لا توجد في الغابة أخلاق.

إن مركزية الدين نابعة من الاحترام له عند اتباعه، فلكل دين اتباع، وبالتالي فإن الأديان ـ مع اختلافها ـ محترمة عند اتباعها، وهنا تتعدد وتتنوع المركزيات بتعدد وتنوع الأديان.

أما تميز الدين بالسعة والعمق فليس هذا موجود في كل الأديان، فهناك أديان شعائرها قائمة على الرقص وما شاكل ذلك.

إن العمق في الدين يكون موجوداً ان كان الدين كتابياً، أي له كتاب ديني يرجع إليه أتباعه، يقرؤونه، ويتعبدون بما فيه، ويقدسونه، لتأتي السعة هنا، وهي ستبنى على مدى قابلية الألفاظ ذلك الكتاب الديني للتفسير، وهنا مع وجود (الاحترام)، و(الكتاب الديني)، و(التفسير للألفاظ) تتحقق (المركزية)، و(العمق) و(السعة) المرادة.

أما كيفية استيعاب ماهية الأخلاق مه هيمنة الدين، فسيكون من خلال الدين نفسه، فإن كان للأخلاق مكانة ومركزية في الدين يمكن ذلك، وأما لو لم يكن للأخلاق في الدين مكانة فلن يكون ذلك مطلقاً.

 

 

 

5.بالنظر للدين و للثقافة في واقع الحياة الإنسانية المعاصرة نلاحظ أشكال من التزاحم و التداخل و الجدل بين كلا الحقلين و على مدى عدة مسطرات معرفية ، أي علاقة بينهما و ما مدى التباين بينهما و أين يتحدد التداخل الوظيفي لهما في التأثير على مستقبل الحياة الإنسانية؟

إن الدين فعل، والثقافة تفاعل، والتفاعل يحدث ما بين شيء وغيره من الأشياء القابلة للتفاعل، كما وان الدين شيء والثقافة شيء آخر.

إن التزاحم والتداخل والجدل تقع على مستوى النتائج، أي نتائج الأفعال، وهنا يحصل التزاحم والتداخل، ومع الاختلاف في الطرح يحدث الجدل.

إننا لو قمنا بوضع الأشياء موضعها الصحيح لن يحصل الاختلاف، ولو سمينا الأشياء بمسمياتها لن يحصل التزاحم، ولو عرفنا مكانة الأشياء لن يحصل الجدل.

التزاحم والتداخل والجدل ـ في أكثر الأحيان ـ نتائج الجهل أو المغالطة، لذا ان ميزنا الأمور تمييزاً جيداً ـ حينها ـ لن يحصل أي تزاحم أو تداخل ولن يكون هناك أي جدل.

إن الدين لم يحارب الثقافة، بل ان الثقافات قد اندمجت مع الدين، ومع الشعائر الدينية، ومع العادات، ومع الأفعال والأعمال، فتجد ديناً مؤطراً بإطار ثقافي معين، أو ثقافة مغطاة بغطاء ديني معين، والأمثلة على ذلك كثيرة، لا أريد ذكرها حتى لا تتسبب بتشنج وحساسية.

علينا ان نعرف ان الدين الحقيقي السماوي لم يكن باحثاً عن عدو، بل جاء للهداية والإرشاد، وليحقق للإنسان خير الدنيا وسعادة الآخرة.

نعم، قد يحصل التزاحم ما بين الدين والثقافة في مجالات معينة، لكن هذه المجالات محددة جداً، كمجال هل ان الغناء الفولكلوري من الغناء المحرم أم لا، أو مجال هل الرقص الفولكلوري محرم أم لا، أو في الاحتفالات عند بعض الأقليات في الدول الإسلامية، أو الاحتفالات الإسلامية في الدول غير المسلمة، وما شاكل ذلك.

أما في الاطار العام فإن الدين الحقيقي لا يزاحم شخصاً أو قوماً أو ثقافةً، بل هو يطرح ما عنده، ولا يجبر احداً على الإتباع، فمن يتبع يكون محسوباً عليه، ومن لا يتبع لن يحسب عليه.

 

 

6. واقعا هناك جدلية و تشعب حول مفهوم الدين يزداد تعقيدا مع التحولات السوسيوثقافية التي تعرفها المجتمعات الإنسانية، ابتداءً من الفردانية كفلسفة وصولا للعولمة كمشروع مهيمن على مفاصل الحياة الإنسانية بشتى تمثلاتها، بلحاظ هذا الحاصل هل الدين سيرورة ثقافية متطورة أم ماذا بالنظر للتباينات بين الأديان كلها حتى في مقاربتها لله و وجوده و فلسفة الوجود الإنساني و مستقبله؟

إن الدين في أصله مسألة روحية، أما تحويله إلى منتج ثقافي، فإن ذلك ممكن في المجتمعات التي حولت الفولكلور والميثولوجيا إلى دين، أما الأديان السماوية فمن اليقين أنها ليست منتجات ثقافية.

نعم، ان الطرح السياسي من جانب، والسوسيوثقافي من جانب آخر؛ قد حول الدين إلى (منتج) أو (عادة) أو (تراث) أو (آثار) أو (تاريخ)، وحينها جوزوا نقده والقطيعة معه، وهذا مما يؤسف له، فقد ساعدت ما تسمى بـ(العولمة) في ذلك، فهي تعتبر كل ما عند الإنسان (ثقافة)، حتى الدين اعتبرته (ثقافة)، وبالتالي ـ بحسب هذا الطرح ـ فإن الثقافة خاضعة للتطور والتبدل، بل خاضعة للحذف، وبما أن الأديان ـ بحسب هذا الطرح ـ ثقافة، فمن اللازم أن تُبدل أو تحذف!

إن هذا طرح سفسطائي بامتياز، لا يقوم على مقدمات صحيحة، ولا يخضع للمبادئ العقلية، ولا يتوافق مع المسلمات والبديهيات.

إن الفردانية تنطلق من الفرد، وتدعوه إلى ممارسة رغباته، وهذه الرغبات ستتحول إلى قيم مستقلة، معتمداً فيها على نفسه بنفسه. فأين محل الدين هنا؟ وما هي نقاط الالتقاء ما بينها وبين الدين؟

ثم ان كانت الفرداني تشطب على كل شيء وبالخصوص الدين، وتجعل كل عمل يعمله الإنسان قانوناً يمنع عل أي أحد أو قانون آخر أو دين ان يعترض عليه، أي انها تمنع الدين من ان يعترض على أفعال الإنسان غير الصحيحة!

لكن تطبيقياً فإن أصحاب الفردانية يخضعون للقوانين الوضعية ويخافون منها، ولا ينتقدونها، هم فقط ينتقدون الأديان، أما قوانين المرور، والضرائب، والعمل، فلا يتجرؤون على انتقادها! بل ان انتقدوها سيعاقبون، فأين هذه الفردانية المدعاة؟ ولماذا خرس لسانها هنا؟

أما العولمة المنطلقة من جعل الشيء عالمياً مقبولاً ومفهوماً للجميع، فلماذا لم تتعب نفسها في نقد العبودية، والطبقية، والاتجار بالبشر، والحروب، وبيع الأسلحة، والمخدرات ..ألخ.. فها انتهت (العولمة) من هذه المشاكل لتبقى مشكلة (الدين) فقط لتركز عليها؟!

ثم ان فهم ماهية الإله متباينة حتى عند أصحاب الدين الواحد، والتباين والتنوع هنا ليس ممنوعاً وليس عنصراً ضاراً، بل على العكس، هو عنصر إيجابي؛ كونه سيعكس عقيدة الشخص الداخلية وفهمه البعيد عن التبعية والتقليد، وهنا تأتي العقيدة عموماً، والعقيدة الخاصة بكل شخص (درجة الاعتقاد)، لتصحح ما عند الإنسان في فهم حقيقة وماهية الإله، وبالتالي الإيمان به. 

 

7. في ظل اختلاف الوعي لماهية الدين تتولد التعددية الدينية، و بحد ذاتها و إضافة لجدليتها شكلت التعددية الدينية إشكالات و مشكلات في مشاريع الاستقرار لدى العديد من المجتمعات، لماذا لا يزال حوار الأديان  شائكا و هل التعددية الدينية منشأ الصراعات و الأزمات في المجتمعات المعاصرة ؟

إن هناك فرقاً في كون المراد بالتعددية الدينية تعدد الأديان، أو المراد بها تعدد فهم الدين الواحد، فعلى الأولى تكون كل الأديان صحيحة وهي متعددة متكثرة وان كان أحدها يناقض الآخر أو يكفر احدها الآخر.

أما على الطرح الثاني فإن الدين ـ بما هو دين ـ يكون واحداً، لكن فهمه متعدد وكل اتباعه على حق في فهمهم له.

إن كل ما تقدم ممكن في حال عدم وجود النصوص التأسيسية (المحكمة) غير القابلة للاجتهاد، وكل ذلك ممكن حين نحذف شيء اسمه (ثوابت) من كل شيء، وحين نؤمن بأن كل شيء (متغير) حتى اسمائنا وألواننا وبلداننا، وطولنا، وقصرنا، ولون عيوننا، واطفالنا!!!

إن فكرة التعددية الدينية ستوقع القائلين بها بالتناقض (اجتماع النقائض)، وستوقعهم في تضارب الأسس، وانعدام الأولويات، وحينها يقال: من هو الأول ومن هو الثاني؟ وكيف سيكون التسلسل؟

إن نشأة التعددية الدينية كان سببه القفز فوق الثوابت، وليس اختلاف الوعي، إذ مع الوعي يحصل التوحد، ومع انعدام الوعي يحصل الاختلاف أو ما يسمى تسامحاً بالتعدد.

إن مصطلح (التعدد الديني) هو مصطلح مخفف عن (التناقض الديني)، ومع وجود التناقض الديني ينعدم نقاش المسألة من الأصل، ولا ولن يكون هناك مرجح أو مسوغ للكلام عنها.

ثم ان حوار الأديان شائك بسبب عدم الاتفاق على الثوابت من جانب، وعدم معرفة حيز المتغيرات من جانب آخر، بل عدم فهم الثوابت والمتغيرات، مع وجود (الأنا) المصرة على إلغاء (الآخر) ومحوه.

 

8. هناك عدة شعارات و مشاريع حوارية تهدف لتفعيل الانفتاح بين أطراف التعدد الدياناتي بينما الواقع لا يكاد يتعافى من جراحات باسم الأديان حتى يتعرض لأخرى، هل السبب يعود لعدم دراسة الظواهر الدينية بحيادية و بهدف فهم الدين أم ماذا؟

إن الإصرار على كون (الآخر) خاطئ، وتكفيره وتفسيقه ورميه بشتى التهم؛ هو من يمنعه من التنازل، أو يمنعه من قبول ما يسمى بـ(حوار الأديان)، أما الشعارات فلا قيمة لها ان كانت الأفعال مغايرة للأقوال، ثم كيف يمكن التصديق بدعوى (الحوار) في الدين من شخص أو كيان أو مؤسسة تؤمن بالطبقية، أو لا تؤمن بوجودك أصلاً، أو تعتبرك درجة ثالثة أو أدنى (عالم ثالث)!!

أو كيف يمكن التحاور مع شخص أو كيان أو مؤسسة تؤمن بنجاستك أصلاً أو كون مصيرك النار، أو كونك كافر مشرك منحرف!!

وكيف يمكن التحاور مع شخص أو كيان أو مؤسسة تعتبرك ارهابياً وتحذر وسائل اعلامها منك ومن دينك ومن التقرب إليك!!

إن هكذا حوارات هو طرح عقيم من الأصل، فإن من يعتبر ان دينه حق ودين الآخر باطل لا يمكن التحاور معه، ومن يؤمن ان اعتقاده حق واعتقاد الآخرين باطل لا يمكن الجلوس معه، وحينها نسأل: على ماذا سيكون الحوار؟!

نعم، ان في السؤال التفاتة جميلة، وهي ان هذه (ظواهر دينية) وليست ديناً، لأن الدين الحق يدعو للتآلف والمحبة والتسامح، ويدعو إلى الأخلاق الحميدة، ويدعو إلى بناء الإنسان روحياً.

إن المجتمعات قد ابتليت بالظواهر الدينية التي صادرت الدين وحلت محله، وأخذت تضع القوانين بحسب المصالح والمؤثرات السياسية وغيرها، واصبحت داعمة ومؤيدة للاستبداد، ومسوغة لحكم الحكام، فصح ـ هنا ـ الرجوع إلى كتاب (وعاظ السلاطين) للدكتور علي الوردي وقراءته ملياً وفق النظر للظواهر الدينية في مجتمعاتنا اليوم.

أما الدين فإن فيه شعائر دينية، وهي المصطلح الأصح، أو (شعائر الله)، وهذا ما يجب ان ننطلق منه، فهو المصطلح الحقيقي.

أما عد الدين ظاهرة، أو القرآن ظاهرة، فذلك خاطئ وغير مقبول، ولن تكون هناك أي نقاط التقاء، وحينها سيكون الحوار ـ أي حوار ـ عقيماً.

 

9. هناك جدلية مفهوم الدين و اشكاليات التجديد الديني ، أين المنهج في ترتيب الوعي الديني بما يؤسس لحياة إنسانية راشدة؟

إن الجدلية هي في تفسير مفهوم الدين، وان التجديد المراد هو في قراءة النصوص وقبول توسعها أو عدم قبول ذلك، وعلى ذلك يجب ان يكون المنهج، وعلى هذا المنهج سيكون الوعي الديني، وحينها يمكن تأسيس حياة إنسانية راشدة.

أما بخلاف ذلك فسيكون فهم الدين خاضعاً للأهواء والمصالح، وسيكون التجديد الديني مجرد تخريب وزيادة في الاختلاف، وسيساعد ذلك في الجهل والتجهيل، وحينها لن تؤسس أي حياة راشدة، بل سيتحول المجتمع إلى غابة.

نعم، توجد جدلية في تعريف وتوضيح (مفهوم الدين)، ذلك ان التعريفات تخضع لأثر الخلفيات المذهبية والطائفية، والسياسية، والفئوية، وما شاكل ذلك.

أما (التجديد الديني) فهو ـ كذلك ـ قد خضع لمؤثرات كثيرة، وتنازعته المصالح، فتعدد المراد منه.

لكن السؤال ـ هنا ـ هل المراد تجديد الدين بما هو دين؟ أو تجديد فهم الدين وتفسيره؟

فإن كان المراد تجديد الدين من خلال الاتيان بدينٍ جديد، فالمسألة لا تحتاج إلى جدال، وعلى الشخص الانتقال إلى ذلك الدين الجديد وترك الدين القديم، كتبديله للثوب القديم بثوب جديد.

أما ان كان المراد بالتجديد هو تجديد فهم الدين، فهل ان هذا التجديد سيشمل الثوابت، أم هو على مستوى المتغيرات فقط، أم هو تجديد جذري، وان كان كذلك ـ أي جذري ـ فما هو فرقه عن الطرح الأول، وهنا نعود إلى مسألة خلع الثوب القديم وتبديله بثوبٍ جديد.

نعم، ان ترتيب وتنظيم الوعي الديني ليكون مواكباً مع متطلبات الحياة هو من سيفرض روح التجديد، أي النظر إلى ما هو جديد نظرة دينية، وبيان موقف الدين منه، خصوصاً ان كثيراً من نصوص الدين واسعة، وبها حيز استيعابي كبير.

إذن الخلل هو خلل إنساني، وهو في ترتيب الأولويات، وبسبب استبعاد الوعي من مسألة فهم الدين، فإن تم تشخيص ذلك، حينها سيكون تشخيص الأخطاء واضحاً.

 

10- مشاريع الاختزال المعرفية التي جعلت الثقافة دينا أو العكس أفرزت شبكات مفاهيمية متداخلة من قبيل العلمانية، الديمقراطية، الحداثة ، الوجودية، و ما هنالك من فلسفات و مفاهيم حديثة و معاصرة، في أغلب تفاعلاتها تصطدم بروح الدين ، هل الأزمة أيديولوجية أو دينية أو ذاتية  تاريخية إنسانية؟

إن الأزمة وبحسب وجهة نظري هي (أيديولوجية)؛ فإن المصالح والمنافع هي من جعلت من الدين ثقافة، أو جعلت من الثقافة ديناً، بل جعلت من الدين منتجاً ثقافياً حاله حال الماركات والملابس والتحف والآثار!؟

ثم ان العلمانية والديمقراطية والحداثة وغيرها أصبحت ديناً عند البعض، واصبحت معاول هدم لكل ما هو ديني.

نعم، ان هذه النظريات قد وجدت الثغرات التي دخلت منها، واستغلت تلك الثغرات لتثير الشكوك في الدين والقضايا الدينية، كما وان ما ساعد انتشارها انها لم تلق الردود العلمية الحقيقية.

إن انطلاق نظريات العلمانية والديمقراطية والحداثة في العالم الإسلامي والعالم العربي كان انطلاقاً نابعاً من أسباب كثيرة وموضوعية منها: انتشار التخلف، والاستعمار، والنكسات في الحروب، والتقهقر العلمي والمعرفي والصناعي، فهذا كله واقع موجود، لكن من جاء بهذه النظريات جاء بها معلبة جاهزة منقولة من أوربا والعالم الغربي نقلاً حرفياً، ولم يُلتفت إلى كونها نظريات قامت على الواقع هناك، وانها تتلائم مع النموذج الأوربي والغربي.

إن إرادة تقليد الغرب في كل شيء مخالفة للعقل، والمقلد لن يكون مفكراً أو قائداً أو أميناً على مصير الأمة، ذلك انه يفتقد إلى الوعي والاستقلالية، فهو مقلد، والمقلد لا يستعمل عقله، بل يستعمل عواطفه ورغباته ومصالحه.

* الحوار ضمن عدة حوارات بمشاركة العديد من المفكرين والباحثين وهي تعنى بضرورة تجديد الفكر الديني.

* الدكتور ليث عبد الحسين العتابي، (الشيخ ليث العتابي). كاتب وباحث عراقي                               

حاصل على  دكتوراه شريعة وعلوم إسلامية.

له عشرات البحوث المنشورة في مجلات داخل العراق وخارجه، منها مجلات محَكمة (رصينة).

وله عشرات المشاركات في مؤتمرات داخل العراق وخارجه.

 له عدة كتب مطبوعة  عددها (32) كتاباً، منها:

1ـ الأدوات المعرفية.

2ـ المدخل إلى القواعد القرآنية.

3ـ منهج التفسير الإجمالي في آيات الأحكام.

4ـ الميتامعرفة.

5ـ جدلية الايديولوجي والمعرفي.

6ـ دوغمائية المعرفة المستعارة.

7ـ تجارب نهضوية.

8ـ ما وراء المشاريع.

9ـ القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية.

10ـ نهج البلاغة في الدراسات الاستشراقية.