حوار مع الباحثة إيمان شمس الدين حول قضايا في الفكر الدين .. هواجس ومسوغات

 

حاورها : حسين زين الدين


"فحينما يصبح منطق الدين القوة، وليس قوته في منطقه العقلاني الإنساني، تبدأ عمليات التنميط تتجلي في المجتمعات، ويتحول الدين لمجموعة طقوس وشعائر مرجعيتها المعرفية الإنسان وليس الله"

 

 

"فبات هناك تداخلا واضحا بين الدين والتدين، وبين النص وفهم النص، وبين حقيقة الدين وممارسة المتدينين، أربكت ساحات كثيرة على المستوى العقدي، وأدخلتنا في متاهة الإلحاد التي باتت تنشر غالبا في وسط المتدينين. فالسؤال وعدم تداخل حق الفرد بحق المجتمع، وفتح فضاءات العقل في سبر أغوار الدين من قبل المتخصصين سواء في المؤسسات الدينية أو الأكاديميين أو المثقفين يمكنه أن يحرر الدين من فعل المتدينين، وقد يضعنا أمام تساؤلات وجودية عصرية قادرة على الوقوف بثبات أمام رياح التغيير"

 

"صراع الهوية بين الداخل والخارج، سواء الجغرافي أو العقائدي أو الثقافي، صراع يفقد الإنسان مقوماته الإنسانية، ويضعه أمام خيارات أحلاها مر، فالمواجهة هنا ليست من صنو المواجهات مع عدو واضح، و بأدوات معلومة، بل المواجهة هنا متعددة الجبهات، ومختلفة الأدوات، تتطلب دراية لا فقط رواية، وحنكة وبصيرة يتسلح بها الإنسان ليعرف من يواجه ومتى وكيف يواجهه، ويشخص التوقيت المناسب لمواجهة الداخل بما لا يُمَكّن الخارج من استغلال هذه المواجهة لصالحه، وفي ذات الوقت لا يتوقف عن مواجهة الداخل تحت فوبيا اختراق الخارج، فكلها خطر على العقل والوجود الإنساني، وكلها تشكل أدوات هدم وهيمنة، وسلب لمقوماته الإنسانية، التي وهبها الله له كالإرادة والحرية والاختيار"

 

 أجرى مركز آفاق للدراسات والبحوث حوارا حول موضوع قضايا الفكر الديني .. هواجس ومسوغات مع الكاتبة والباحثة* في الفكر الديني والسياسي إيمان شمس الدين التي تحدثت فيه عن مسائل جوهرية في الدين ومساحات اشتغاله في الحياة، وفي مدى حاجة الإنسان إليه ، وعن أهمية وجوده ومدى تأثيره وموقعه في حياة الإنسان وما أضفى عليه قدسية لفهمه الخاص وميولاته ورغباته المتشعبة والتي غالبا ما تكون متحيزة، وهو ما نتج على  ضوئه  فعل التدين، وهو مايترتب عليه من خلل في الفهم والسلوك والمنهج في تطبيق الدين من خلال فهم المتدين له، ولعل أهم ما سيقع فيه الخلل هو مقصد الشريعة الجوهري، وجوهرة القيم أي العدالة والكرامة.

ورأت الباحثة أن التدين الغالب اليوم هو من رسم المجتمع وتنميطه للأفراد لا من رسم السماء، مما ولد بوضوح الكثير من التعارضات والانحرافات في داخل المنظومة الدينية.

إضافة إلى أن هذا التدين في الغالب يقوم بإلغاء خصوصية الفرد – أي المثقف والمفكر- في المعرفة الدينية وسلبه حقه في التعبير عن هذه المعرفة سلوكيا بسبب هيمنة الرؤية الاجتماعية للدين والمنتمين للمؤسسة الدينية في فهم الدين منفردين. وهي  لا تعني عدم التخصص، ولا تعني تدخل المثقف في الاستنباط الفقهي، بل تعني قدرته على قراءة الواقع واطلاعه على التشابكات المعرفية الغائبة عن ذهنية الفقيه، ومراقبته للأداء الديني ونقده له.

وبينت أن فهم العلماء للنص تحكمه كثير من الظروف المحيطة التي تشكل مسبقات حكمية في ذهنية العالم، قد تشكل موجهات للقراءة وفهم النص، فمخرجاتهم العلمية تبقى في إطار الفهم البشري، فتسرية القداسة من النص إلى قارئ النص، يلعب دورا كبيرا في وقوف الزمن وجمود الدين وعدم مواكبته، وهو ما يخالف خلوده من جهة وعالميته من جهة اخرى.

داعية إلى أهمية الحاجة المستمرة لإعادة قراءة النصوص في كل عصر وزمان ومكان،  بإعادة النظر في التعامل مع المشهورات والإجماعات، بطريقة مفتوحة للنقد ، وبطريقة لا تحولها لنصوص مقدسة، وإن غلق باب السؤال أو رفضه أو الخوف منه بحجة أن هناك من يمارس ذلك بشكل خاطئ يعد ذلك خللا في منظمومتنا، فضلا عن حاجتنا لتطوير الخطاب الديني، وتزويده بأسلحة عصرية ترتقي بوعي الناس وتسلحهم بكل المفاهيم والمصطلحات الحداثية، لتنقضها نقضا بناء، من خلال نقد علمي عقلي برهاني يحصن المتلقي من الاختراق.

وأوضحت إلى وجود الخلل في العلاقة بين المؤسسة الدينية والمثقفين إلى عدم رسم الخطوط الدقيقة في فهم ووظيفة ودور كل من المؤسسة الدينية والمثقف.

لافتة إلى أن موضوع احتكار فهم الدين من قبل المؤسسة الدينية وما تراه من شمول الشريعة ساعد في ظهور جدلا كبيرا في أطر العلاقة بين المثقف والمؤسسة الدينية.

كامل الحوار ..

ماذا عن ماهية الدين؟ وهل هناك حاجة وجودية للدين أم أنه ضرورة إنسانية؟ 

 

علني افتتح الإجابة برأي للفيلسوف الفرنسي هنري برجسون " لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعة بلا ديانة".

وغريزة حب الذات تتحكم في الإنسان منذ وجوده، حيث أنها اتجاه أصيل في النفس البشرية، وهذا يدفع الإنسان دوما إلى تحقيق الخير لذاته، وبالتالي استغلال كل ما في هذا الكون والاستفادة منه في سبيل هذه الغاية الأصيلة، وبالتالي أيضا يسعى الإنسان في هذا الصدد لإقامة علاقات اجتماعية لتحقيق هذه الغاية الأصيلة أيضا، وطالما هناك علاقات اجتماعية نابعة من وجود مجتمع يتشكل من مجموعة أفراد، فإن تناقض المصالح هنا سيكون نتيجة طبيعية لغريزة حب الذات، وسعي كل فرد لتحقيق هذه الغريزة بطريقة تحقق له الخير، إلا أن أصل مفهوم الخير والسعادة اللذان تتعلق بهما غريزة حب الذات تختلف من فرد إلى فرد، بالتالي هذا الاختلاف قد يؤدي إلي تضارب المصالح ونشوء خلافات جوهرية تؤدي إلى الفوضى، لاتساع مجال المصلحة الشخصية الذي يؤدي إلى تناقض مستقطب بين المصلحة الشخصية ومصلحة الوجود الاجتماعي ككل. لذلك احتاج هذا التجمع البشري إلى تنظيم اجتماعي يكون على مستوى حل هذه المشكلة والحد من الدوافع الخاصة، وحماية المصالح الموضوعية للمجتمع، وهذا التنظيم ليحقق هذا الهدف لابد أن يربط بجهة قادرة على تكييف الدوافع الخاصة وتطويرها بشكل يتفق مع المصلحة الاجتماعية. والدين يمتلك القدرة النظمي هذه ويستطيع التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة ويسبغ على القيم التي يمثلها التنظيم الاجتماعي المرتبط به طابع المصلحة الخاصة، فيزول التناقض المستقطب الخاص والعام بين الأنانية والاجتماعية.

فالدين تارة ننظر له من زاوية وجود الله وما يترتب على هذا الوجود من توقعات تتعلق بالمقدس، وتترتب على هذه النظرة أيضا رؤى كونية متعددة التوجهات أهمها:

  • رؤية ناظرة إلى أن الدين هو هذا الوجود المطلق "الله"، فلا بد أنه خلق هذا الكون وجعل له نظاما و قوانينا منها قوانين طبيعية ومنها تشريعات تنظم وتضبط السلوك البشري، وجاء الاختلاف في تفاصيل ومناهج نظم تلك القوانين التشريعية، وفي حدود معرفة العقل وصلاحياته، وفي دور هذه التشريعات في القوانين الطبيعية وهل هي فقط كاشفة لها، أم هي مرشدة للعقل باتجاه كشفها.
  •  وزاوية نظر أخرى للدين كتشريعات حدية تتعلق فقط بمجموعة تشريعات فقهية يجب الالتزام بها، حيث الدين هو عقائد وأخلاق وفقه، طغت الجنبة الفقهية فيه على الجوانب الأخرى، وقلصت بذلك مساحات العقل وفاعليته، خاصة حينما تم التعامل مع الفقه بصورة تجزيئية فصلته عن الواقع الخارجي.  
  • وزاوية ترى أن الدين عقيدة إلهية ينبثق منها نظام فيه قوانين كلية ثابته تنظم السلوك الإنساني عبر التاريخ، وأخرى متغيرة خاضعة للزمان والمكان، ومعتقدات محورها التوحيد تؤسس بناه المعرفية، فيُقَوَّم السلوك الإنساني وفقها، فيرتفع السلوك الإنساني وفقها من مستوى الحيوانية إلى مستوى الإنسانية الحقيقية، التي تجعل الإنسان ذا قيمة عليا تميزه عن باقي المخلوقات.

وهذه الرؤية لا ترى أن وظيفة الدين أن يقدم تفسيرا تفصيليا للكون، كيف نشأ، وما هي الأطوار التي مر فيها، وما هي العناصر التي يتكون منها، وما هي التفاعلات بين هذه العناصر، وليس في الإسلام شيء من ذلك إذا ما رجعنا إلى مصادره الصحيحة. وكل ما يقوله الدين في هذا المجال أنه يرد الكون إلى علة عليا معتبرا "الله" هو السبب النهائي الأعمق والأعلى للتكوين. ويترك للعقل والعلوم دورا للإجابة عن هذه التساؤلات، كما أنه يعطي كليات ومقاصد عليا ثابتة، تمكن العقل على ضوئها من تقنين تشريعات تناسب زمانه ولا تخرج عن مقاصد الدين وكلياته العليا.

أما كون الدين حاجة وجودية أو ضرورة إنسانية فهذا يدفعنا بداية لفهم مفهوم الحاجة الوجودية والضرورة، فالحاجة الوجودية حاجة ناجمة عن كونه إنسانا ووفقا لمانفريد ماكس هي ثابتة لجميع الثقافات البشرية وعبر فترات زمنية تاريخية. أي أن منذ وجود الإنسان وجد معه السؤال والإحساس إلى قوة تمده وتدفعه دوما نحوها، والضرورة هي بديهة ثبتت قطعيتها بحيث لا يختلف حولها العقلاء ويتفقون على ضروريته، فهم لا يختلفون على أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين وهكذا. فالدين حاجة وجودية ضرورية من وجهة نظري، فهو حاجة وجودية نشأت مع وجود الإنسان، حيث ينقل لنا التاريخ عن نزوع النوع الإنساني منذ وجد للبحث عن الإله، ففي حالة الأديان الإبراهيمية كان الإله المطلق "الله"، وفي خارج هذه الأديان كان الإنسان يمثل الإله بصور مختلفة ويتقرب له بالقربان ليستشعر حالة الأمان النفسي، ويستمد القوة الوجودية من هذا الإله. وقد ذهب الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى أن الدين حاجة وجودية لما له دور في تخليص الإنسان من حالة ما أسماه "الاغتراب الميتافيزيقي"، التي تتأتى عبر الاتصال بالمطلق، وهو الله في الأديان الإبراهيمية، والإله في الأديان الأخرى، وأن الإله يُمَثّل أَغْزَرْ منبع يَسْتَقي منه الكائن البشري مزيدا من الوجود، وهذا الوجود كما يقول الدكتور الرفاعي، هو الذي يحدد كيفية حضور الذات البشرية في العالم، لأن الكائن البشري يتحقق فيه بمرتبة أنثولوجية أكمل من الوجود.

إلا أنني أرى أنها حاجة وجودية ضرورية، فهي حاجة وجدت مع وجود الإنسان ومتصلة بأصل تكامله في الوجود، بل يستمد وجوده منها، وهي ضرورة لا يختلف عليها العقلاء عبر الزمن كأساس، وإن اختلفوا في التفصيل.

فالدين في اللغة العربية له عدة معان من الناحية اللغوية منها الطاعة، والخضوع والسياسة، والقهر والجزاء، والحساب، والحكم، والعادة. هو مأخوذ من الفعل دان، بمعنى اعتقد واعتنق وهو عبارة عن الطاعة الكاملة، والانقياد بفكر، أو مذهب معين، والسير في ركابه وعلي هداه. أما اصطلاحا فيعرفها شيخ الأزهر الأسبق إبراهيم الباجوري بأنه: " وضع إلهي سائق إلى ما هو خير لهم بالذات".  وتعريف آخر يري أن الدين يدور حول محور التوحيد، والاستسلام والتسليم لله تعالى.

 

أين تقع أهمية الدين في الحياة الانسانية وما مدى تأثيره فيها؟

 

حينما نتحدث عن أهمية الدين نحتاج للذهاب إلى جذر أعمق وقبلي وهو المقدس، حتى نفهم أهمية الدين فلابد لنا من الحديث عن المقدس، حيث يعرف المقدس مقابل المدنس وأنه كل شيء متعال، ويعرف أيضا بأنه ما يرتبط بالدين. وهو الشيء المرتبط بما هو متعال، فالمقدس بلا شك هو ديني، ولكن أحيانا للمقدس حقل خارج الدين بمفهومه المتداول والمتعارف، لأنه أيضا يرتبط بطبيعة المجتمعات وحدود المقدس فيها. فهذه المسألة يمكن أن نلاحظها في انثربيولوجيا الدين، وأيضا ممكن ملاحظتها في سيسيولوجيا الدين خلال مقاربات انثربيولوجية أو مقاربات سيسيولوجية، أو حتى مقاربات سيكلوجية في علم نفس الدين، نقدر أن نتعرف إلى تجليات المقدس وتعبيراته وطبقات المقدس ونفوذه وعوالمه ومجالاته، فالمقدس ظاهرة موجودة حيث وجدت الحياة البشرية، وواحد من البنى العميقة في الوعي واللاوعي البشري، حتى المجتمعات شديدة العلمنة – إن صح التعبير – لا يمكن أن تغادر المقدس لأنه موجود في بنيتها العميقة، وتجد دائما تعبيراته في حياتها كما يذهب إلى ذلك دكتور عبد الجبار الرفاعي.

أما دور المقدس وخاصة الديني – أي الدين – في حياة الإنسان، يذهب الشيخ حيدر حب الله إلى أنه يجب ألا ننسى أن وجود المقدس في الحياة من دواعي الطمأنينة، وله حاجته التربوية، ولكن المقدس الذي أوصلتنا المعطيات العلمية إليه، لا المقدس الذي لا يوجد عليه سوى استنسابات واستمزاجات فحسب إلى أي جهة ينتمي. فهناك على سبيل المثال لا الحصر مقدسات دينية ثابتة وحقائقها مطلقة وخالدة لا يطرأ عليها التغيير وهي المقدسات الحقيقية في الفكر الديني، كوجود جهة قادرة مطلقة – أي الله – وضرورة انبثاق منهج وطريقة عن القادر المطلق، وضرورة وجود نظام يضبط السلوك الإنساني، وإلخ ، وهناك مفاهيم ومصطلحات واستنتاجات بشرية لأشخاص كانوا قد تميزوا بصفات أخلاقية وإبداعية في مجتمعاتهم، أضفت نتيجة هذه المواصفات قدسية خاصة على فهمهم للكتاب أو تعاطيهم معه حتى لو خالف ذلك العقل أو خالف العصر ومعطياته وحيثياته، أي أن القدسية هي قدسية منتزعة من فهم البشر لها ومضافة عليها وليست قدسية حقيقية واقعة عليها وملازمة لها ولا تنفصل عنها. فيأتي العقل هنا كمائز له قدرته على أن يميز بين المقدس بوجوهه الصحيحة وبين ما أضفى الإنسان عليه قدسية لفهمه الخاص وميولاته ورغباته المتشعبة والتي غالبا تكون متحيزة.

فالدين مرتبط بالمقدس، وهو كما أسلفنا حاجة وجودية ضرورية للإنسان، ويقع في قمة الهرم في النظام الوجودي، لكن وجوده في قمة الهرم لا يعني هيمنته المطلقة بطريقة إقصائية لباقي مصادر المعرفة والتقنين، بل هو شريك مهم ورئيسي لباقي مصادر المعرفة، ويعتبر السياج المهم والملهم لحفظ العقل غالبا من الشطط والنزوح بعيدا بالإنسانية عن كليات مهمة كالعدل والكرامة والمساواة. وأما تأثيره على الإنسان فهو تأثير الناظم الذي يشكل مرجعية معرفية معيارية قيمية يمكنها ضبط السلوك الإنساني، والحفاظ علي أكبر قدر من تحقيق العدالة، ومنع تداخل الأهواء المتطرفة إفراطا وتفريطا، في حرف البشرية إلى هلاكها، نعم هناك إفراط وتفريط في فهم الدين وفي مساحات اشتغاله في الحياة، وفي مدى حاجة الإنسان إليه، ولكن بشكل عام للدين وظيفة هامة جدا في الضبط والنظم، وفي دعم العقل الإنسان بأدوات معرفية قادرة على محاكاة الواقع وتحقيق العدالة وخدمة الإنسان.

 

 

قيمة الدين بحاجة لقراءة متجددة ومقاربة موضوعية على ضوء معطيات الواقع بحسب نتاجات فعل التدين، كيف يمكن ضبط فعل التدين وتحرير حقيقة الدين وقيمته في الحياة؟

 

يستوقفني السؤال مجددا للعودة إلى جذر آخر سابق لهذا السؤال وهو عناصر الدين، الدين الخاتم حسب كثير من الآراء مكون من عناصر عديدة أهمها ومحورها عنصري الأصالة والخلود، فالأول يمنحه الثبات والرسوخ أمام انعطافات الزمان والمكان وتسلط الأهواء البشرية وانحرافاتها السلوكية، والثاني يمنحه ديمومة صالحة لكل زمان ومكان تستمدها من تلك الأصالة بثوابتها كقوانين كلية.

 

وخاتميته تعني من جهة أخرى كينونته كمنظومة منهجية تتداخل أعضاؤها وظيفيا، وتحقق الأثر المترتب على انتهاجها كمنهج حياة في الدنيا، وتقطع الثمار المرجوة في سعادة الإنسان وتكامله وتحقيق ذاته.

وأي خلل في عنصريه أو أي خلل في أعضائه ووظائفها المتداخلة علائقيا في المنظومة، سيترتب عليه خللا في الفهم والسلوك والمنهج، وهو ما سيؤثر على الآثار المترتبة والثمار التي يجب تحقيقها، وأهم ما سيقع فيه الخلل هو مقصد الشريعة الجوهري، وجوهرة القيم أي العدالة، وما يترتب عليها من تحقيق لكرامة الإنسان التي بها تعلو كل القيم والمعايير.

هذا الخلل يترتب عليه خلل في المعايير المرجعية وخلل في القيم والتقييم، وبالتالي انقلاب في المفاهيم وتبدل في وعاءها الثقافي، وهذا لا يقع فجأة بل يحتاج تراكم تاريخي واجتماعي يصاحبه تراكم فكري وثقافي، يحدث هذا التبدل والخلل على المدى الطويل، حتى نصل إلى نقطة يبدو من خلالها بوضوح كم التعارضات والانحرافات في داخل المنظومة الدينية الناتجة عن التجزيء لفهمها، أو التفكيك بين أعضائها أو ترجيح عنصر على عناصر أخرى، وفقدان القاعدة الجوهرية " لا إفراط ولا تفريط ". 

التدين موضوع يتعلق بشكل جوهري بالدين فهو" طريقة للتعبير عن نمط ثقافي ينظمه في إطار مجموعة قيم ومقولات تحدد نوعية هذا النمط وانتماءاته المعرفية"[1]، فالدين هو النظرية والتدين هو التطبيق والفعل، فالإنسان في لاوعيه يقوم بعملية التصنيف ويطبقها غالبا على محيطه الإنساني، إضافة لعملية الربط التي يقوم بها عقله بين الفعل والنظرية، ثم يطبق بعملية تعميم لا منطقية، وهذا حال أغلب الناس، حيث الجو العام الحاكم هو البعد عن منهج علمي موضوعي منطقي في التشخيص والمعالجة.

فهو يصنف الناس في لاوعيه ويعمم ، وهو أيضا لا يستطيع الفصل بين السلوك والنظرية فيشكل أفكاره أو انطباعاته عن فكر  أو دين معين من خلال الأفراد المنتمين لهذا الفكر أو هذا الدين ، لا من خلال استقراء سيسيولوجي[2] وفيميونولوجي[3]"و هي علم الظواهر استعملت أولا في ميدان علم النفس، لتدل على الظواهر السيكولوجية )الرغبة، الإدراك، الإحساس،( ومظاهر الوعي في محتواه النفسي، والقائمة على ملاحظة ووصف الظاهرة "كما هي" معطاة، قصد تحليلها وتحديد خصائصها وفهمها على وجه الخصوص ، ومن ثم عمل مقارنات ومن ثم اكتشاف الخلل ووضع الحلول.

 

نحن هنا نتكلم عن تطبيق الدين من خلال فهم المتدين له، وهذا الفهم له مصادر عدة، أحدها بل أهمها الفقه، الذي يلجأ إليه المتدين ليعرف موقفه الشرعي في مجالات تفاعلاته الاجتماعية في محيطه، وهنا يقع الخلل، في المنهج الذي يتم التعاطي فيه مع النص والواقع، فنحن "يجب أن ندرس بشجاعة عملية الخلل الاجتماعي الناجم عن تطبيقات النص الديني، والخلل الاجتماعي الناجم عن دلالات النص الديني نفسه"[4].  

فالعقل المنطقي يطرح سؤال وهو المجهول، ثم يذهب من المجهول إلى المعلوم، أي يذهب لبنك المعلومات، ثم من المعلوم إلى المعلوم أي رحلة بحثية بين المعلومات ليجد الجواب المناسب لسؤاله أي المجهول، ثم يعود من المعلوم ليجيب على السؤال أي المجهول. هذه عملية شبه غائبة في ذهنية أغلب الناس لأسباب ليس هنا محل بحثها.

وهنا يأتي السؤال:

إن الدين الحق لا يمكنه أن يترجم ذاته في الخارج إلا عن طريق الأفراد المنتمين إليه، ولكي يترجم نفسه كما هو فهذا يتطلب أفرادا فاعلين وأصحاب كفاءة عالية وقابليات واسعة ومكنة او قدرة، لذلك حينما أرسل الله الأنبياء ليبلغوا هذا الدين علّمنا جل شأنه منهجا مهما في العمل والتطبيق، بعد أن شرع لنا هو النظرية: وهو كيف يجب أن يكون الشخص المنتمي لهذا الدين؟ 

وكيف هذه رسمتها الشريعة وطبقها الأنبياء، وهم النموذج الذي يشكل المرجعية المعصومة في النظرية والتطبيق ليشكل المنهج.

" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" / آل عمران ٣١

إذا تنزّل الدين يأتي من الأعلى إلى الأسفل، وبالتالي الترشحات العليا تفيض على الجميع بالتساوي وكل يأخذ منها وفق قابليته.

لكن ما هو موجود غالبا اليوم في الوسط المتدين، هو تدين يبدأ من الأسفل ويدعي أنه ينتمي للسماء، وما أعنيه أكثر أن معالم التدين غالبا اليوم ليست برسم السماء وتعاليمها بل أغلبها برسم المجتمع وتنميطه للأفراد، لذلك نجد كثيرين بمجرد خروجهم إلى بيئة مختلفة عن هذا النمط من التدين، نجدهم إما ينحرفون أو يعيشون صدمة وصراع داخلي نفسي.

هذا فضلا عن إلغاء خصوصية الفرد في المعرفة الدينية، وخاصة المثقفين والمفكرين، وسلبه حقه في التعبير عن هذه المعرفة سلوكيا بسبب هيمنة الرؤية الاجتماعية للدين، وهيمنة فقط المنتمين للمؤسسة الدينية في فهم الدين منفردين، وهنا لا أْعني عدم التخصص، ولا أعني تدخل المثقف في الاستنباط الفقهي، فهذا ليس شأنه، بل أعني قدرته على قراءة الواقع واطلاعه على التشابكات المعرفية الغائبة عن ذهنية الفقيه، ومراقبته للأداء الديني ونقده له، بل هناك أيضا تنميط المحيط عليها ، وممارسة نوع من الارهاب السلوكي واللفظي والفكري، يمنع الفرد حقه في التعبير عن ذاته وفهمه للأفكار الدينية،  لتتحول النظرية الاسلامية التي احترمت الفرد والمجتمع ، إلى نظرية اشتراكية في هذا البعد وهو أصالة المجتمع .

وأضف إلى ذلك المزج بين قداسة النص وقداسة الفهم للنص، فهناك متخصصين في قراءة النص الديني كحال العلوم الأخرى والتخصص فيها، هؤلاء المتخصصون يبذلون جهود كبيرة كي يمتلكوا الأدوات في قراءة النص الديني والخروج منه برؤية حول التشريعات الإلهية والقوانين الناظمة في الدنيا، وأغلبهم يقضون جل عمرهم في التعلّم والتعليم والتدريس ويتحول عالمهم كله إبحارا في العلوم الدينية، لكن هذا الجهد المشكور والمقدر وهذا البذل الكبير الذي نجله لا يحولهم لمعصومين، فمخرجاتهم العلمية تبقى في إطار الفهم البشري الذي قد يسقط بعضه مع التقادم، وقد يبقى بعضه لصلاحيته في كل زمان ومكان، فالباقي الثابت هو النص الذي ثبت صدوره ووافق القرآن والقداسة لهذا ذاتا، أما فهم العلماء للنص تحكمه كثير من الظروف المحيطة التي تشكل مسبقات حكمية في ذهنية العالم، تلعب دورا بارزا في قراءة النص وقد تشكل موجهات للقراءة وفهم النص. لذلك هي لا تتحول لنص مقدس لا يمكن المساس بها نقدا وتعديلا من قبل المتخصصين.

وهنا نحن نحتاج دوما لإعادة قراءة للنصوص في كل عصر وزمان ومكان، وهذا لا يعني كل فهم قديم أو راهن هو متغير، بل يعني أن هناك قراءات متغيرة تحتاج تثوير يتناسب وراهن القراءة التي تتجدد مع كل زمن.

فتسرية القداسة من النص إلى قارئ النص، يلعب دورا كبيرا في وقوف الزمن وجمود الدين وعدم مواكبته، وهو ما يخالف خلوده من جهة وعالميته من جهة اخرى.

هذا المنهج في التعاطي مع مختلف القراءات للنصوص، يعمل على تنميط القراءة الدينية وبالتالي تنميط وسطها المتدين بها. وخاصة حينما تتحول لدين مجتمع وأفراد وأحزاب، وتصبح مسلمات ومرجعيات معرفية ومعيارية يقيم على أساسها الأفراد والمشاريع والأفكار.

ولا نغفل عن موضوع هام جدا، وهو موضوع المسؤولية ومدخليتها في الشعور الواعي عند الإنسان، حيث كل فرد في شعوره الواعي يدرك أنه مسؤول وله دور حيوي ومحوري في الوجود، هذا الشعور الواعي يتمظهر في حالاته القصوى في المجال الديني.

ما أعنيه أن الشعور بالمسؤولية ودور الإنسان في الحياة، هو سمة إنسانية جامعة وقيمة ثابته، لكن تجلياتها ذات مراتب مشككة (مراتب مختلفة)، تكون في أقصاها تجليا في المجال الديني، وهذا لا يعني فصل الدين عن باقي الحياة، بل يعني توصيف تجليات المسؤولية وفق مجالاتها والوظائف المختلفة في الحياة البشرية.

 

فمثلا الأنبياء والأوصياء من أكثر الناس شعورا بالمسؤولية في تبليغ رسالة السماء للأرض، لذلك نجد تجلي تلك المسؤولية بشكل دقيق في سلوكهم الجوارحي والجوانحي، وفي خطاباتهم وتعاملهم مع محيطهم، فيكونوا بذلك دعاة هدى ورحمة لله تهتدي بهم كل القلوب.

وتقل مرتبة هذا الشعور بالمسؤولية من الأعلى مرتبة إلى الأقل، لكنها تبقى كشعور بالمسؤولية حاضرة، حتى نصل إلى طبقة المتدينين، والتي أيضا طبقة تختلف في مراتبها في الشعور بالمسؤولية.

هذا الشعور بالمسؤولية اتجاه الله والمجتمع والدين، يدفع كثيرين لممارسة دور الله دون أن يشعر، هذه الممارسة غالبا تبتني لا عن دراية وبحث ومعرفة وتنقيب في التشريعات والتاريخ والفكر الديني، بل هي خاضعة للتالي:

ـ التقليد الذي تم توسيع دائرته خارج المساحة التي تم رسمها من قبل النص. فالتقليد واجب على المكلف الغير مجتهد في الأحكام الفقهية الخاصة بالعبادات والمعاملات. بحيث يكون هو مسؤول عن نفسه في تطبيق أحكامها الخاصة بالدائرة الفقهية. وما يحدث هو غالبا تحول المكلف من مقلِّد يطبق الأحكام في دائرته الفردية، إلى مُقَلَّدْ من قبل محيطه الذي يبدأ من أسرته وهي دائرته الخاصة إلى مجتمعه وهي دائرته العامة. وغالبا يتصدى لذلك أفرادا غير مؤهلين ولكنهم متدينين وسيرتهم حسنه مما يجعلهم ثقاة في المجتمع، ويحولهم لنموذج يتم اتباعه دون مراجعة، وتدريجيا يتحول ما يطرحه هذا الفرد أو هذه المؤسسة لدين يحرم المس به أو مراجعته. فتلعب هنا إما الوجاهة الشخصية أو السيرة الحسنة، أو توثيق جهات، دورا في توثيق فهم هؤلاء للدين في ذهنية الأفراد والمجتمع.

ـ السلطة الأبوية والتي تتمظهر من سلطة الحكم في الدولة إلى سلطة الأب في الأسرة. فحينما تتحالف السلطة مع المؤسسة الدينية، يملك الدين منطق القوة ويتحول لسلطة موجهة على الناس، فيتحول ما تطرحه هذه المؤسسة الدينية بحكم القانون الذي يجب تنفيذه، ومن يخالفه يعاقب وعقابه يتم تشريعه بسلطة الفتوى. فيتحول الدين هنا إلى تابو يمنع المساس به، هذه الثقافة والممارسة تتنزل لتصل لسلطة الأب في المنزل ليصبح دين الأب هو ذاته دين الأسرة.

ـ تقاليد المجتمع وعاداته، والتي غالبا ما تتحكم بسلوك الأفراد والجماعات أكثر مما يتحكم بها الدين.

ـ الشعور بالمسؤولية أيضا يخضع لمحاولات تمييع الهوية الدينية، فبعد العولمة خاصة اجتاحت قيم الحداثة ومفاهيمها المجتمعات، وهو ما طرح تساؤلات كبيرة بين جيل الشباب وأحدث فجوة عميقة بين الأجيال، هذه الهجمة المنظمة على التدين وفهم المتدينين للدين وعلى القيم والعادات والتقاليد من قبل الحداثيين، خلقت ردود فعل مساوية في المقدار لكن معاكسة في الاتجاه، راكمت من الانكفاء على الذات لدى الوسط المتدين، والتقوقع حفاظا على الهوية ،وهذا ما لا يلام عليه أحد، كون منهج المواجهة كان منهجا حادا وغير علميا من قبل من رفع شعارات التجديد والاصلاح، كان منهجا صداميا ضرب بعمق في مسلمات المجتمعات المتدينة وبطريقة سطحية غير منهجية، وبفهم سطحي للإصلاح، بل غالبا لم يكن لديهم برنامجا اصلاحيا حقيقيا. ولا ننكر أن بعضهم أيضا نتيجة شعوره بالمسؤولية اتجاه الله وحرصه على الدين اندفع بحجة التجديد دون وعي، لكن هناك من اندفع لأنه ضد الدين أصلا، فوجدها فرصة للانقضاض عليه، وهذا بطبيعة الحال يخلق جوا مشحونا تزداد فيه الاصطفافات والتمسك بالآراء، حتى لو كانت غير دقيقة وبالأفهام التقليدية للدين، ظنا أن ذلك يحمي المجتمع وهويته من الاختراق.

 

فحينما يصبح منطق الدين القوة، وليس قوته في منطقه العقلاني الإنساني، تبدأ عمليات التنميط تتجلي في المجتمعات، ويتحول الدين لمجموعة طقوس وشعائر مرجعيتها المعرفية الإنسان وليس الله.

إذا كيف يمكننا أن نعالج حالات التنميط الاجتماعي؟

وكيف يمكن خلق بيئة تدين طبيعية خارجة عن التكلفات والتركيبات والتعقيدات ذات الجذور الوراثية، وليست الفهم الديني الأقرب الى الواقع؟ وأين هو حق الفرد في ممارسته السلوكية للتدين خارج هذا النطاق التنميطي؟ أين يكمن الخلل؟

إن غلق باب السؤال أو رفضه أو الخوف منه بحجة أن هناك من يمارس ذلك بشكل خاطئ، هو خلل آخر في منظومتنا واستراتيجيتنا وفهمنا، لأن الوضع العام في السلوك التربوي التعليمي غالبا ما ينتج جنود وليس قادة، خاصة فيما يتعلق بالسؤال الديني الخارج عن الوضع المألوف وعن مشهورات ومسلمات المجتمع، فهو في بعض المجتمعات المتدينة يعتبر كفرا وخطا أحمرا، قد يقام حد الاسقاط الاجتماعي على سائله.

فالمشهور والإجماع والمألوف، وكثير من العادات والتقاليد تحتاج منهج نقدي علمي وموضوعي في التعامل معها، نحن لا نرفضها ولكن نطالب بإعادة النظر في التعامل مع المشهورات والإجماعات، بطريقة مفتوحة للنقد وإعادة النظر، وبطريقة لا تحولها لنصوص مقدسة، الخروج عنها يعتبر جريمة يمكن لصاحبها أن يقتل اجتماعيا.

فما نجده في سلوك الأنبياء والأوصياء التربوي، كان ينتج عمالقة فكر وعقيدة تطير بأجنحة وتأخذ في ركبها طلاب الحقيقة. 

 

ففتح باب السؤال والنقد كان هو ديدن ما طرحه الله في كتابه الكريم في تعامل من أرسلهم مع محيطهم، بل هو ما تعامل به الله مع الملائكة والشيطان ذاته، كون السؤال الحر والشك الإيجابي مفتاحان للوصول للحقيقة.

 

هذا فضلا عن حاجتنا لتطوير الخطاب الديني، وتزويده بأسلحة عصرية ترتقي بوعي الناس وتسلحهم بكل المفاهيم والمصطلحات الحداثية، لتنقضها نقضا بناء، من خلال نقد علمي عقلي برهاني يحصن المتلقي من الاختراق، ويزوده بأدوات يستطيع بها أن يمارس دوره الناقد ويرفع لديه حس المسؤولية فهما وسلوكا. وهذا لا يتم بهيمنة الخطاب الديني منفردا بعد عصر العولمة على ساحات الفهم الإنساني، بل يتم بتضافر الجهود وتجسير العلاقة بين مكونات المجتمع المسؤولة عن وعي الناس، من فقيه، ومثقف ومفكر وأكاديمي متخصص، بناء مؤسسة قادرة على قراءة المستجدات بكافة العقول، خاصة أن أحد أهم أدوار المثقف هو النقد الإيجابي عن وعي وإدراك. وتدريجيا يرتفع بحس المسؤولية لديه إلى حس شبيه وقريب من ذلك الحس النبوي الالهي.

 

التدين الوظيفي وإشكاليات التعارض الجوارحي والجوانحي:

هيمنة الفقه الذي يعني بضبط جوارح الإنسان، وفق التشريعات الإلهية، وغلبة هذا الجانب على الجوانب الأخرى التي تشكل كينونة الإنسان، أدى مع التقادم لظهور جدليات بين المؤسسة الدينية والمثقفين، خاصة فيما يتعلق بعملية احتكار فهم الدين، وموضوع شمول الشريعة ودرجات هذا الشمول، وتداخلت المساحات بطريقة أحدثت خللا ،انعكس حاليا على ارتباط الناس بالمثقف وبالمؤسسة الدينية، وكان هذا التداخل نتيجة عدم رسم الخطوط الدقيقة في ساحات فهم وظيفة ودور كل من المؤسسة الدينية والمثقف، وفي تأثر كثير من المثقفين بالتجربة الغربية التي نتجت عن عملية الانقلاب على الكنيسة، وإسقاطهم لتلك التجربة بكل محمولها التاريخي ونسقها المعرفي على تجربتنا، وهو ما أربك كثيرا الساحة الإنسانية في عالمنا العربي والإسلامي، وأحدث جدلية كبيرة في أطر العلاقة بين المثقف والمؤسسة الدينية وانعكس ذلك على الجماهير في علاقتها مع كل طرف، وكان الوعي هو الضحية في هذه المعركة، وأيضا وللأسف اختل إلى حد كبير ارتباط الناس بالدين، ليس كون هذه الجدلية هي السبب الوحيد، وإنما هي أحد الأسباب المهمة التي جاءت في سياق جدليات كثيرة تصب في نفص النتيجة. لذلك نحتاج بداية تفنيد العلاقة من خلال التمييز بين ما هو بشري وما هو إلهي، وهذا لا يعني أن ما يحدث من ارتدادات على الدين من خلال انتشار ظاهرة الإلحاد، هو ثمرة هذه الجدلية فقط، بل هذه الجدلية في العلاقة هي أحد الأسباب الرئيسية، مضافة إلى سبب رئيسي مهم ، وهو الحرب الناعمة على الهوية العربية والإسلامية، بما تحمله من قيم ومعايير ناهضة على المستوى النظري، وما يمكنها أن تفعله بالواقع الإنساني فيما لوطبقت كما هي، بل سعى الآخر المعرفي لهدم حتى بقايا هذه القيم والمعايير من وعي الناس واستبدالها بأخرى تخدم رأسماليته الجشعة.

 

الواقع اليوم أن هناك خللا في الطاعة هو ثمرة الخلل في فهم الدين، هذا الخلل ظاهر لعدة أسباب:

 

 ١ـ تغليب عنصري الأصالة والخلود أحدهما على الآخر، ونشأ عن ذلك عدة مدارس هي:

 

أ. الأصولية التقليدية: غلبت عنصر الأصالة على الخلود، كرد فعل منها للهجمة الشرسة على الدين باسم التحديث، وكان للنص والتراث النصي دوره الفعال في فهم الدين مع هامش ومساحة ضيقة للعقل في الفهم، وهو ما يعني عند هذه المدرسة الشمول الكامل للشريعة في تقنينها للحياة، ووجود كل ما يحتاج الإنسان إليه فيها، فدرجة شمول الدين في هذه المدرسة هي بالحد الأعلى. فثورة المثقف التي بدأت مع رفاعة الطهطاوي، الذي تأثر بما رآه في الغرب، والتي لم تنته إلى الآن، أثارت حفيظة كثير من المثقفين على هيمنة المؤسسة الدينية على حياة الناس في كل تفاصيلها، ومع التقادم عجز كثير من المنتسبين لهذه المؤسسة عن الإجابة عن تساؤلات مفصلية في حياة الإنسان، طرأت بعد العولمة وتحتاج إجابات واقعية، وبدل تجسير العلاقة بين المثقف وهذه المؤسسة والتعاون على تجسير المعارف، كانت هناك ردود فعل عكسية من قبل هذه المدرسة، جاءت إما لإيمانها بأحقيتها باحتكار الحقيقة، وأنها الأجدر في قيادة الساحة منفردة لاعتقادها بالشمول الشامل للشريعة، أو نتيجة رد فعل على ثورة المثقف المتطرفة التي بالغت في مناهضتها للمؤسسة الدينية، دون الأخذ بالاعتبار الفروقات الجوهرية بين تجربة الغرب وتجربتنا، وهذه المدرسة لا ترى أي دور للمثقف في المجال الديني، لا على مستوى التشريع ولا التنظير.

 

ب: المدرسة الحداثية: وهي غلَّبت عنصر الخلود على حساب عنصر الأصالة وضَحَّت به ، كرد فعل على المدرسة الأولى، ومحاولة لإثبات خلود الإسلام ، فوجدت أنه لا يوجد كل شيء في الإسلام بل هناك نظريات غربية في المجالات الاجتماعية والنفسية، قادرة على تقديم معالجات لم يقدمها الإسلام كنظريات معالجة لإشكاليات يعاني منها الانسان .وكان للعقل مساحة كبيرة حتى على حساب النص. وكان أغلب المنتسبين هنا من المثقفين، وقليل منهم من المنتسبين إلى المؤسسة الدينية، فآمنت بشمول الدين أو الشريعة بالحد الأدنى للحياة، واعتقدت بمساحة كبرى للعقل في التقنين والتشريع، وهذه المدرسة كان تعدادها الأكبر من المثقفين، الذين قللوا مساحات دور ووظيفة رجل الدين في الحياة.

 

إلا أن الحقيقة أن الأولى أفرطت في الأصالة والثانية فرّطَت بها، بينما الأمر يدور في حفظ هذين العنصرين بما يحفظ الحركة المتبادلة والتفاعلية بين العقل والنص، ويعطي لكل مساحته الحقيقية ووظيفته الواقعية في الحياة وفهم الدين.

٢- عدم الأخذ بالدين كمنظومة متكاملة، وعدم فهم تداخل أعضائه ومكوناته الأساسية كالعقيدة المسؤولة عن تشكيل منظومة الأفكار، والفقه المسؤول عن تقنين وتشريع تشريعات ضابطة لسلوك الإنسان وعلاقاته مع نفسه والمحيط، والأخلاق التي تعبر عن منظومة القيم والمعايير المتعلقة بعلاقة الإنسان مع نفسه وربه ومحيطه، وفق رؤية تتناسب والفطرة والضمير الأخلاقي. وهذا التداخل هو تداخل وظيفي علائقي يفترض أن يحقق كل عضو فيه وظيفته العلائقية في العضو الآخر.

هذا أدى لبروز عدة مدارس:

 

أ. المدرسة العقدية: ركزت على إظهار الدين ككل عقدي أساسي، وهمشت دور الفقه والأخلاق، بحيث باتا يشغلان مساحة جدا ضيقة غير بالغة الأثر في التأثير في فهم ووعي الإنسان للدين. وهذا لا يعني عدم اهتمامها بالمكونات الأخرى، ولكن تغليبها هذا الجانب دون الأخذ بالحسبان في قراءته المكونات الأخرى المتداخلة معه، هذا فضلا عن القراءة المغلقة للعقيدة بعيدا عن باقي المكونات، هذه المدرسة رفضت أي تزويل أو تنظير للعقيدة من خارج المؤسسة الدينية.

 

ب. المدرسة النصية الفقهية: محور الدين هنا هو في مجموعة الأحكام الشرعية التي تشكل القانون الذي ينظم سلوك الإنسان، بطريقة يخدم فيها الانسان القانون وليس العكس، ولا دور للمثقف هنا ولا لأي آخر، كون التعامل هنا تعامل اجتهادي يتطلب تخصص.

 

ج. المدرسة المعنوية: التي اعتبرت أن الأخلاق والمعنويات هي محور وجود الإنسان، وبها يتكامل وتتم سعادته، وهذه المدرسة كان للمثقف دورا فيها مهما.

 

الحقيقة أن هذا التفريط في كل مدرسة خلق لنا ظاهرة يمكن تسميتها " بالتدين الوظيفي " ، وهي تحول المتدين إلى موظف والدين إلى وظيفة ، مما أحدث خللا أخلاقيا كبيرا في وسط المتدينين ، شوه واقع الدين وحرف آثاره عن واقعها، ورسم بذلك واقعا آخرا فيه خللا كبيرا في خريطته الخارجية وأبعاده فبات لدينا  تدين حرفي، تدين فقهي، وتدين عرفاني، وتدين عقدي (مذهبي وطائفي)، وتدين سلفي..الخ فهو أشكال وألوان وكل شكل يتخذ لنفسه طابعا يميزه ، وكل شكل من أشكال التدين يعبر عن منظومة فكرية تنعكس على سلوك أصحابه، وبالتالي على محيطهم الاسري والاجتماعي، وعلى علاقاتهم مع السلطة والنخب، ومع الثقافة والهوية وتشكلاتها، ومع المعطى الغربي المعرفي.

 

لذلك بات التدين كوظيفة يؤديها الإنسان بشكل مبرمج غير محسوس في برمجته، ويتجلى ذلك حينما يطرح المثقف والنخب طرحا يتعارض وما تم غالبا برمجة الوسط المتدين عليه، فيتحول الطرح الفكري إلى معركة شرسة يقودها كثير من المتدينين ضد من طَرَح وما طُرِحَ، وهي معركة يتم فيها تقويض الأفكار الخارجة عن التابوه الذي تم وضع كثير من الناس فيه باسم التدين.

 

هذا إضافة إلى غياب عنصر مهم عن فهم هذه المدارس غالبا، هو الفهم الاجتماعي للنص، والذي يعرفه الشهيد محمد باقر الصدر (١٩٣٥ ـ ١٩٨٠م) في كتابه بحوث إسلامية كالتالي:

 

"فالفهم الاجتماعي للنص معناه: فهم النص على ضوء ارتكاز عام يشترك فيه الأفراد نتيجة لخبرة عامة وذوق موحد، وهو لذلك يختلف عن الفهم اللفظي واللغوي للنص الذي يعني تحديد الدلالات الوضعية والسياقية للكلام"

 

هذا أثر في صياغة الدين كمنظومة متكاملة على مستوى الكليات الثابتة، لها بعد فردي واجتماعي وليس فقط فردي .

 

فالتدين الوظيفي يقع فيه خلل وتناقض بين الجوانح والجوارح، قد تدخل المتدين دون أن يشعر في خندق النفاق والتعارض الصارخ بين قوله وفعله، وبين ما يعتقده وما يسلكه من سلوك وما يؤمن به قلبه، ويحول المتدينين إلى طبقة غالبا منفصلة عن باقي المجتمع، وتقف كعائق في وجه النخب التي تحاول النهوض بالوعي المعرفي خارج المألوف الاجتماعي محاولة منها للنهوض بالوعي. " فآفة الثقافة العربية خاصة في فهم التدين إذا لم تستطع أن تفعّل "عقيدة التوحيد" على صعيد التذوق والتبصرة أو على المستوى العقلي ولا فكري والثقافي، وأن تصل من النزوع إلى الفصل، ومن المباعدة إلى الانخراط في وجوب الوحدة بحيث تقرن الأشباه والأضداد وتربطها بعضها مع البعض الآخر بما يجعل منها وحدة  توحيدية واحدة في غير تنافر تفرضه شكلية الأداء أو تناقض يجيزه منطق المحسوس، وإذا لم تقتدر أن تجعل من التوحيد غايتها ومطلبها؛ فهي لا شك تنطلق في أغلب أحوالها وتعدد مواقفها من وهم، وتعود على وهم ، وتتصور الحقائق على الجملة فضلا عن التفصيل بفاعلية الوهم المعشعش في أدمغة منتجيها؛ ومنتجو الثقافة لا يبلغون من الحقائق المجردة مبلغهم من العلم بفاعلية الوهم أبدا، و إنما يبلغونها بالتجرد وببذل النفس طواعية في سبيلها"[5]

ويتحول تدريجيا من مكلف خاضع بوجوده لله، إلى موظف جعل الدين مجموعة وظائف متناقضة لا تحدث أثرا حقيقيا في مستواه الفردي، ولا مستواه الاجتماعي ولا يكون له دور جلي في مشروع الأمة ونهضتها.

يصبح نتيجة ذلك متدينا جافا، لا يحدث الدين فيه أي تطور على مستواه العقلي والفكري والعاطفي والفردي، وبالتالي لا أثر أيضا اجتماعيا، وهذا نتيجة التفكيك بين أعضاء المنظومة الدينية.

 

ومن مظاهر التدين الوظيفي:

 - الجفاف العاطفي، ولا وجود للحب في شبكة العلاقات الفردية والاجتماعية.

 - خلل في الهوية، وبالتالي في الشعور بالانتماء، وظهور التناقض يدفع كثير للتخلي عن الدين بسبب المتدينين، لعدم الفصل بين حقيقة الدين وسلوك وفهم المتدين.

 - سيطرة الفهم الفقهي للدين كقانون جاف على وعي المتدين.

 ـ خلل في المرجعيات المعرفية، وبالتالي خلل في المعايير التقييمية وانقلاب منظومة المفاهيم وتبدلها.

 ـ خلل في منظومة القيم، وتراجع هذه المنظومة تراجعا يدخل المجتمع في فوضى وفتنة، تتجلى في عدم استقراره اجتماعيا وسياسيا.

 ـخلل في بنية العلاقات الأسرية، يؤدي لازدياد نسبة التفكك وبالتالي الطلاق.

 ـ خلل في المشاريع النهضوية، يتمثل في الخلل البنيوي للرؤية وعدم ديمومة واستمرارية، وكثرة الانشقاقات في جسد المجتمع والانقسامات.

 - تحول التكليف لوظيفة تخضع المكلف لمفهوم مغلوط للطاعة، وبالتالي تكثر لذلك عملية الترميز والتقديس.

 - تعطيل القدرة العقلية على التشخيص، والحُكْم والتخطيط، بما يحول خطة تربية الأجيال من تربية قادة إلى تربية جنود.

 

يحتاج العلاج إلى إعادة صناعة وعي وفهم جديد للمنظومة الدينية وبنيتها الداخلية المتشابكة وظيفيا وعلائقيا، وهو ما يتطلب تظافر جهود المؤسسات الدينية مع النخب من المثقفين والأكاديميين المتخصصين، لتكثيف الجهود في هذا الصدد، وهذا موضوع بحد ذاته ذو شجون وأحدث في راهننا نتيجة التداعيات السياسية في المنطقة، هزة وجودية على مستوى الإنسان والعالم

فبات هناك تداخلا واضحا بين الدين والتدين، وبين النص وفهم النص، وبين حقيقة الدين وممارسة المتدينين، أربكت ساحات كثيرة على المستوى العقدي، وأدخلتنا في متاهة الإلحاد التي باتت تنشر غالبا في وسط المتدينين. فالسؤال وعدم تداخل حق الفرد بحق المجتمع، وفتح فضاءات العقل في سبر أغوار الدين من قبل المتخصصين سواء في المؤسسات الدينية أو الأكاديميين أو المثقفين يمكنه أن يحرر الدين من فعل المتدينين، وقد يضعنا أمام تساؤلات وجودية عصرية قادرة على الوقوف بثبات أمام رياح التغيير.

 

يتميز مفهوم الدين بالسعة والعمق والمركزية في حياة الإنسان العامة والخاصة، كيف يمكننا استيعاب ماهية الأخلاق في ظل هيمنة قيمة الدين وأي علاقة يمكن تصورها بين الدين والأخلاق؟

 

إذا أعدنا تحرير مفهوم الدين من الدلالات السلبية التي نشأت من ربط سلوك المتدين بأصل الدين، أي قمنا بعملية تفكيك بنيوي للمحمولات والدلالات السلبية التي حُمّلت على هذا المفهوم، وأعدنا بناء مفهوم الدين من زوايا أكثر سعة، قادرة على النظر في المفهوم كأصل كلي دون تنزيله للمصاديق، أي الأديان السماوية، من حيث الدلالات والبنية والوظيفة وسعة وجوده وحاجة الإنسان إليه، وعلاقته مع العقل، يمكننا بعد ذلك موضعة الأخلاق ضمن هذا البناء، إذ أن الأخلاق فيها ما هو ثابت وما هو نسبي من حيث المفاهيم الكلية وفرقها عن الفعل الأخلاقي. فلا بد من وجود منظومة معيارية تمثل مرجعية للقيم الأخلاقية، هذه المرجعية المعيارية كلما كانت أكثر إحاطة وشمولية كلما منعت الوقوع في الاستمزاجات الشخصانية، والميولات الخاضعة للبيئة وللذاتية. وأقصد بالمرجعية المعيارية هي العلوم التي تهتم بوضع المعايير والمقاييس التي تحدد ما يجب أن يكون عليه التفكير كعلم المنطق، أو السلوك كعلم الأخلاق، أو الذوق الجمالي كعلم الجمال. وموضوع هذه العلوم هو دراسة القيم ووضع المقاييس والقواعد التي تفهم على ضوئها، ففي علم المنطق ومعياره الحق ويبحث في القواعد التي ينبغي أن يكون عليها التفكير الصحيح، وفي علم الأخلاق ومعياره الخير يبحث في النموذج المثالي الذي يجب أن يكون عليه السلوك الإنساني، وعلم الجمال ومعياره الجمال ويبحث في وضع الأسس والمقاييس التي يمكن التمييز والحكم بها عن الجمال والقبح. من هنا يمكن القول أن العلوم الإنسانية والعلوم المعيارية يلتقيان في أن جوهر موضوعهما واحد هو الإنسان، لكنهما يختلفان كليا من حيث تناول الموضوع وطريقة دراسته والتعامل المنهجي معه، فالعلوم الإنسانية تدرس ما هو كائن وموجود كواقع يمكن ملاحظته والتثبت منه بالفعل. أما العلوم المعيارية فتدرس ما يجب أن يكون وتحديد المعايير المثالية للحكم. إن أهم خطوة في بناء أي رؤية أو نظرية أو منظومة، هي المرجعية المعيارية التي ينطلق منها صاحب المشروع، وهي مجموعة المعايير والضوابط التي تشكل مرجعية معرفية له على ضوء منظومته الفكرية، ويؤسس لرؤيته ومشروعه، لتشكل البنى الأساسية التحتية التي سينطلق منها للبناء الفوقي. والدين يشكل أحد المرجعيات المعيارية الثابتة، شريطة أن يتم تحريره من القراءات المذهبية والمتحيزة، فهو يمتلك القدرة المعرفية ويكتنز معارف تؤسس لكليات تشكل هذه المرجعية المعرفية، والتي يمكنها أن تمنع الانحيازات العقلية في تشخيص منظومة القيم والأخلاق، وفي رسم علاقتها السليمة ضمن بنية الدين، وبنية العقل البشري. وبالطبع لا يسع المجال للتوسع في فهم أصل الفروقات في مصادر المعرفة بين الشرق كحاوي جغرافي للدين الإسلامي وبين الغرب، كحاوي جغرافي للعلمانية الرأسمالية الليبرالية وفي ذات الوقت للمسيحية، حيث الاختلاف في مصادر المعرفية يشكل فرق جوهري في تشخيص النظم المعيارية الحاكمة للقيم والأخلاق.

 

بالنظر إلى الدين وإلى الثقافة في واقع الحياة الانسانية المعاصرة، نلاحظ أشكال من التزاحم والتداخل والجدل بين كلا الحقلين وعلى مدى عدة مسطرات معرفية، أي علاقة بينهما، وما مدى التباين بينهما، وأين يتحدد التداخل الوظيفي لهما في التأثير على مستقبل الحياة الإنسانية؟

 

قد يكون سبب هذا التداخل يعود إلى عدم وضوع الخطوط الفاصلة بين مصادر المعرفة، وإلى عدم إدراك المساحات الخاصة بكل حقل، والمساحات المشتركة بينهما، وإلى فهم طبيعة العلاقة بين الدين والعقل، ومساحات اشتغال كل منهما ومساحات التداخل ودور كل من العقل والدين. فالدين رافد مهم جدا في تشكيل الهوية العامة للإنسان والهوية المعرفية والثقافية الخاصة، لكن العقل له دور عظيم جدا في صناعة الهوية الثقافية والمعرفية، خاصة حينما يتفاعل مع كل من النص الديني من جهة، ومع الواقع الخارجي المعرفي والجغرافي من جهة أخرى، وما تؤسسه هذه الجغرافيا من خصوصية لكل مجتمع في عاداته وتقاليده التي تشكل رافدا أيضا مهما في صناعة الهوية الثقافية، فالجدل الجذري هو جدل علائقي بين الدين والعقل كمصادر للمعرفة من جهة، ولتغييب دور التجربة والحس كمصادر هامة للمعرفة من جهة أخرى.

ودعني هنا أسهب قليلا في الشرح، وهو شرح أوردته في كتابي المثقف وجدلية القهر والاستبداد.

 

صراع الهوية بين الداخل والخارج، سواء الجغرافي أو العقائدي أو الثقافي، صراع يفقد الإنسان مقوماته الإنسانية، ويضعه أمام خيارات أحلاها مر، فالمواجهة هنا ليست من صنو المواجهات مع عدو واضح، و بأدوات معلومة، بل المواجهة هنا متعددة الجبهات، ومختلفة الأدوات، تتطلب دراية لا فقط رواية، وحنكة وبصيرة يتسلح بها الإنسان ليعرف من يواجه ومتى وكيف يواجهه، ويشخص التوقيت المناسب لمواجهة الداخل بما لا يُمَكّن الخارج من استغلال هذه المواجهة لصالحه، وفي ذات الوقت لا يتوقف عن مواجهة الداخل تحت فوبيا اختراق الخارج، فكلها خطر على العقل والوجود الإنساني، وكلها تشكل أدوات هدم وهيمنة، وسلب لمقوماته الإنسانية، التي وهبها الله له كالإرادة والحرية والاختيار.

 

فبين الاستعمار والعسكرة، ضاعت لنا كثير من المعارف، وتعطلت لنا كثير من الفتوحات المعرفية، وتأخرنا لذلك عن ركب التقدم المعرفي، ضيعنا في ذات الوقت منجزنا الحضاري معرفيا.

إن متابعة المسار التاريخي لمفردة الثقافة على أنها ذات دلالة على الأمور المادية والمعنوية في الوقت ذاته. ولها تشديدها على الجوانب الإيجابية ويمكن اعتبارها مؤشرا على تصورات متعالية. وبعبارة أخرى المراد من الثقافة هي الأمور المتسامية الرفيعة، أي أن الشؤون الوضيعة لا تعد ضمن الثقافة، ومع ذلك لا تعد الثقافة مقولة طبقية، فكل شخص من أي طبقة أو مستوى اجتماعي، كان يعد صاحب ثقافة إذا تحلى ببعض الخصائص... ومفردة الثقافة في العصر الحاضر تشمل الأمور المادية والمعنوية، وبدل تقسيم الأفراد إلى أصحاب ثقافة وعديمي ثقافة، ثم تقسيم الثقافة ذاتها إلى مستويات نوعية وكمية من حيث درجة مشاركتها واقتدارها في المضامير الاجتماعية[6][7].

 

والثقافة كما يراها رونالد إينغلهارت، وهو أستاذ في جامعة ميتشيغان وصاحب نظرية ما بعد المادية، أن الثقافة نظام من النظرات والقيم والعلوم مشترك بين الناس على نطاق واسع وينتقل من جيل إلي جيل[8].

 

ويعتقد محمد تقي جعفري أن الثقافة السائدة في مجتمع ما عبارة عن مقدار من الواجبات واللياقات التي تشمل كافة شؤون الحياة الإنسانية[9].

إلا هناك رأي يعتبر أن الثقافة هي الفضيلة الإنسانية التي تكتسب عن طريق التربية والتعليم، وهو ما ذهب إليه الدكتور محمد ناصر تقوي[10].

إلا أنه من وجهة نظري محددات تعريف الثقافة التي تشكل الهوية يخضع للتالي:

١. محددات عامة مشتركة إنسانية ثابتة لا تتغير بتغيرات الجغرافيا والزمان، كونها متعلقة بالعوامل الطبيعية الثابتة في كينونة الإنسان، كأصل الحاجات والرغبات والإرادة والحرية والاختيار، ومجموعة القيم والمعايير والحاجة للنظم، والضبط، والميل العاطفي وغيرها من الثوابت التي تتعلق بالإنسان في بعده الإنساني حيث تشترك فيه جميع البشر.

٢. محددات خاصة تتعلق بالجغرافيا والزمان، وهذه تخضع كَمُشَكِّل للهوية للبيئة المحيطة من عادات وتقاليد، وقيم خاصة، وعادات اجتماعية موروثة، ودين ولغة وغيرها من الأمور التي تختص بكل قوم ومجتمع ودولة، مع العلم أن بعض هذه المحددات قد تشترك فيها أكثر من من دولة وبالتالي أكثر من مجتمع بسبب القرب الجغرافي والبيئي.

 

ولكن كيف يتم استعمار أي ثقافة أو عسكرتها؟

 

الاستعمار:

 

الاستعمار في أكثر معانيه عمومية: هو الاستفادة من الآخرين رغما عنهم ودونما تقديم أي تعويض لهم...[11] والاستعمار قد يكون مباشرا وقد يكون غير مباشر، والثاني يسعى عادة في استعماره الغير مباشر، إلى استهداف الثقافة عن طريق ضرب منظومة القيم وقلب دلالات المفاهيم، مع إبقاء تلك المفاهيم ظاهريا كما هي، لكنه يعمد إلى تفريغها من دلالاتها التي تم تداولها عبر أجيال وفي بيئتنا الثقافية، وإلباسها دلالات جديدة من خلال ربطها بشكل مكثف بالصور الذهنية الدلالية الجديدة. الاستعمار المعاصر هو أحد أشكال الاستعمار الذي يكون فيه المستعمرون وأتباعهم المحليون متخفيون وغير ظاهرين للعيان، ويمكن تسمية هذا النوع من الاستعمار ب " الاستعمار المنتشر"، والذي بناء عليه، فإن نوايا المستعمرين وأهدافهم تواصل تتابعها دونما احتياج لأي تمثيل من قبل شخص ما أو حدث خاص، وفي هذا النوع من الاستعمار يبلغ" التخفي والانتشار"، حدا يصعب معه حتى بالنسبة للنخب والصفوة، كشف أتباع وأعوان الاستعمار.. وهو يسعى لتطبيق أسس تربيته الفكرية والسياسية على قواته الذين يقومون بتنفيذ مساعي الاستعمار، دون أن يدركوا ذلك.. إن الاستعمار في شكله هذا يضع أكثر جهده على الحقوق البرمجية، فمثلا هم يقومون بتعريف المعايير العلمية بما يتناسب ومصالحهم السياسية، كي يجبروا أعداءهم السياسيين في البلاد المستقلة، والتي كانت في قرون مضت مُسْتَعْمَرة لهم، يجبرونهم على قبول هذه المعايير، وبالنتيجة يقومون بتحقيق أهداف المستعمر، وبناء على ذلك يقومون بترسيخ قوتهم من خلال علومهم.[12].

 

فإدوارد بريمن في كتابه المعروف )التحكم بالثقافة)، أظهر وبشكل جيد كيف تقوم المؤسسات العالمية من قبيل مؤسسة هنري فورد وكارينكي وراكفلر، بأمور تبدو ثقافية في ظاهرها ـ  كتأسيس جامعة في بلدان العالم الثالث، وقبول طلاب من تلك البلدان وأيضا تأليف كتب علمية لأجلهم ـ  إلا أنها تقوم بتوجيه الثقافة العلمية في بلدان العالم الثالث[13].

 

فهو هنا وبشكل تدريجي يغير في معالم الهوية الفردية والاجتماعية، ليتمكن بعد ذلك من تسيير مجتمعاتنا وفق رغباته الرأسمالية المتوحشة.

إضافة لعولمة المعايير وصناعتها، يقوم الاستعمار الغير مباشر بصناعة الرموز الثقافية والفكرية، وبسط نفوذ وهيمنة أفكارها في وعي الناس، وتضخيم دورهم إعلاميا، ليشكلوا مرجعية معرفية موثوقة في تخصصهم، وبالتالي يلجأ النخب والباحثين وحتى عامة الناس إليهم لمعرفة الواقع الذي رسموه كحقيقة. "فلا يتضخم دور الأشخاص في هذا العصر إلا عندما ترفدهم الأجهزة والمؤسسات.. وبرنارد لويس[14] كمثال، كان موضوعا للتضخيم من قبل الكيان الصهيوني، كما كان هدفا لحملات الشتيمة من قبل بعض من أحس أو علم بخطره.. فهناك مؤسسة تتحكم بالقرار وتُضَخِّم أو تُقَزِّم من تريد وفقا لحسابات المصالح[15].

 

هذا التغيير كان يستهدف محددات الثقافة سواء العام منها أو الخاص، فهي نتيجة استعماره لدول متجاورة جغرافيا على رقع واسعة، فإنه استهدف الهوية الخاصة وتلك العامة من خلال استهداف مشتركات الثقافة الإنسانية أو محدداتها الخاصة بكل قطر وجوار جغرافي، استهدافه للمشتركات الثقافية التي هو جزء منها، كان بفرض فهم دلالي عليها، هو فهمه الخاص، كون المشتركات الثقافية العامة الإنسانية، تخضع في كل قطر وبيئة لدلالات تتأسس وفق مصادر المعرفة البشرية والقواعد الفلسفية التي ينطلق منها ذلك المجتمع، فمثلا مفاهيم كالحرية والعدالة والكرامة هي مشتركات إنسانية من حيث المفهوم الثقافي، لكن دلالاتها ومصاديقها الخارجية تختلف باختلاف القواعد الفلسفية والمعرفية التي يتبناها كل مجتمع وقطر جغرافي، فالاستعمار استهدف هذه الألفاظ والمفاهيم المشتركة ، من خلال فرض دلالاته الخاضعة لقاعدته الفلسفية والمعرفية، واستهدف أيضا المحددات الخاصة للثقافة والهوية بكل دولة، من خلال فرض هويته الخاصة ومحدداته الثقافية ، بطريقة تلغي الهوية الخاصة بالمشعب المُسْتَعْمَر.

 

منهج الاستعمار في تحقيق أهدافه غالبا هو:

 

 -  الاستعلاء الحضاري وتكريس مبدأ السيد والعبد، فمن يملك المكنة العلمية والعسكرية، يملك السلطة والقوة والهيمنة، وتكون هيمنته من موقع السيد، ويسعى تحت الشعور بالاستعلاء إلى بسط قيمه ومعاييره ومبادئه على الأمم الأقل علما، خاصة مع امتلاكه النفوذ والقوة، فيصبح قادرا على الهيمنة الحضارية لكن غالبا في بعدها المادي، مع تغييب روحها المعنوية، وهو مبدأ الانتشار من الأعلى تركيز إلى الأقل تركيز بين جداري الخلية، حتى يتساوى التركيز بين جدارها الداخلي والخارجي، إلا الفرق هنا أن هذا الاستعلاء الحضاري المتكئ على عنصري القوة والعلم وامتلاك المكنة، ينتشر لا لأجل تحقيق العدالة، بل الهيمنة.

 

 - مركزيته الكونية معرفيا وحضاريا، وإقصاء كل الحضارات الأخرى أو سرقة منجزها الحضاري أو تزويره، أو حتى المحافظة على بعض آثاره للظهور بمظهر الأكثر قدرة من حيث كونها المرجعية المعرفية في التراث والحضارة، بحجة الاستعلاء الثقافي والمعرفي والعلمي.

 

 - ازدواجية معاييره النابعة من نزعته للتمركز حول الذات، و نزوعه نحو الكولونيالية[16]، حيث ظهرت فجوة بين حاجة الغرب إلى تحديث هوامش المجتمعات الأخرى) العرب والمسلمين(، وخوفه العميق من حداثة متونها، فنشأت ازدواجية المعايير داخل مشروعه الحضاري. لذلك نجد معايير تحكم مشروعه في الداخل، مغايرة لتلك التي تحكم مشروعه في الخارج.

 - ادعاء امتلاك الحقيقة ورفض التنوع الثقافي، من خلال فكرة العولمة والمركزية الكونية.

 - النزعة الفردانية[17] وتكريسها في المستعمِر، لتفكيك ثقافته القائمة على مفهوم الأمة، والتعاضد المتضمن داخل المفهوم، لتكريس مفهوم الشتات والفرقة. لتغلب النزعة الفردية على المنوال الجماعي.

 - رفع شعارات تنشدها الشعوب، يتحرك بها من موقع المتحضر الذي يريد عولمة قيمه وحضارته، على شعوب يعتبرها وفق سياقاته المعرفية متخلفة، فيسعى لبسط قيمه على تلك المجتمعات بطريقة إقصائية فوقية، غير آخذ في الحسبان هويتها الخاصة، والفروقات المعرفية والبنائية في منظومتها المعرفية.

 

الاستعمار حالة خارجية تستهدف الأوطان لتهيمن عليها وعلى ثرواتها، وحينما كان الاستعمار عسكريا، كان عاجزا عن اختراق المجتمعات والهوية الأممية كما أراد وخطط، بل وجوده كان سببا لنشوء مقاومات فردية وجماعية تستهدف وجوده العسكري، وتكرس هويتها وتحصنها من هذا المحتل الذي يجمع كل المجتمع على عداوته بالتالي رفض كل قيمه.

 

ولكن انتقل هذا المستعمر إلى وسائل جديدة تمكنه من تحقيق مهمته في الهيمنة، وهو الاستعمار الغير مباشر، أو ما أطلق عليها الحرب الناعمة.

هذه الحرب التي استطاعت في ظل ضعف الداخل، بسط نفوذها المعرفي لتشكيل وعاء الأفكار في العقل، ومن ثم الهيمنة على السلوك وتوجيهه باتجاهات استهلاكية مادية، استطاعت من خلالها خلق أسواق جديدة لرأسماليتها الجشعة، وتحقيق مزيد من الهيمنة والنفوذ في المنطقة. هذا الاستهداف للهوية خلق ارتدادات انفعالية في منطقتنا دفعت كثير من الجماعات والمجتمعات إلى مزيد من الانكفاء على الذات، والتمحور المتطرف عليها، والتشدد المبالغ على معالم الهوية بغثها وسمينها.

وهنا لا نعني إلغاء "التبادل الثقافي"، الذي يثمر معارف قيمة لتجارب الآخرين دور عظيم في صناعتها، ولكن أن يكون التبادل ليس قائما على التعميمات والإقصاء ورفض الآخر، التي لا تراعي الاختلافات القاعدية، أو اختلافات الهوية والبيئة، ومدى مواءمة ما يمكن تبادله مع هويتنا الخاصة والعامة، وجغرافيتنا التي تتأثر بالعادات والتقاليد العقلانية.

 

"إن الأخذ والتعميم ليس أمرا غير مَعيب فحسب، بل هو من الأمور المستحسنة والمفضلة، ولكن بشرط أن تكون الظروف مناسبة لأجل عملية التعميم هذه، وأن يكون الأخذ والتعميم عن تفرد وتمحيص، بهذا الشكل فإنه لن يكون هناك وجود لأي هجوم ثقافي، بحيث يصير أخذ أي شيء من أي مصدر كان أمرا يمكن تسميته بالتبادل الثقافي، فإذا كانت جماعة ما جاهلة بما تفعل وتقول، فمن المُسَلّم أن تصبح عرضة للهجمات الثقافية، حتى ولو حصلت على كل المعارف العالمية، ولكن في حال كانت الجماعة واعية ومدركة لتلك الأمور، فإن ما يمكن أن تتلقاه هو بمثابة مواد تأسيسية لقيامة مدنية حقيقية وأنظمة الحياة.

إن هذا يعني بأن العقل والإدراك لا يخسران وجودهما، ولا ينكمشان في مقابل ما يتم تلقيه، بل يقومان بتسخير هذه المعارف والعلوم المتلقاة كوسيلة تخدم مصالحهما، صحيح أنه ضمن مسألة الهجوم الثقافي لا يجب تناسي الجزئيات، إلا أن الغوص كثيرا في الأمور الجزئية قد يبعدنا عن أصل القضية، فالهجوم الثقافي يعتبر هجوما على ثقافة الجماعة ليست فقط مجرد آداب وتقاليد، بل هي في الأغلب الأساس غير المرئي وراء الفهم والإدراك، نحن جميعا ندرك الأشياء من خلال ثقافتنا، وإذا انعدمت الثقافة، انعدم معها العقل والإدراك، وحاليا فإننا لا نستطيع إدراك معنى الهجوم الثقافي كما يجب، لأننا لم نألف الثقافة الغربية أو نطلع على باطنها الحقيقي، إلا أن هذا الهجوم ليس بالحدث المفاجئ أو العارض الذي تم التصميم له من قبل رجال السياسة بحيث يستطيعون تغييره متى شاؤوا، إنما هو مرحلة في التاريخ الغربي، الذي يتجلى فيه من جهة تحقق عالم غربي وحيد وفريد، والذي يتم تنميته على مستوى العقول، ومن جهة ثانية العيون الناظرة بترقب وقليلون هم أولئك الذين ينظرون إلى الأفق المقابل، وإن وجد من يفعل فإن الوحشة تملأ كيانه. في العالم الغربي كان البشر محور كل الأشياء، أما عالم اليوم فليس من المعلوم أين هو مكانهم بالضبط أو ما هو مصيره حتى؟"[18]

 

وعلى ضوء الاستعمار نشأت تيارات عديدة في التعاطي مع الاستعمار غير المباشر:

 

 ـ تيار انبهر بكل منجز الغرب الحضاري، تحت ضغط الانهزام النفسي نتيجة التداعيات السياسية الانتكاسية المتتالية، وهدر كرامة الشعوب، وهدر ثرواتها، بالتالي استعبادها بعد أن وقعت فريسة أخلاقية الهزيمة. و هذا التيار حمل على عاتقه مهمة التبشير بالمنجز الغربي في أوطاننا، ففرّط بهويته وخصوصيته، دون أدنى اعتبار للفروقات الجوهرية، ولم يحقق إلى الآن غير النكبات الثقافية للأمة.

 ـ تيار منكفئ على ذاته، بالغ في منهجه المتشدد في التعاطي مع منجز الغرب المعرفي، فرفضه برمته، تحت ضغط فوبيا الاستعمار وتبعاتها على المجتمعات، ومعايشته ومواكبته  لفساد هذه الهيمنة على واقعه الاجتماعي، و الهوية الإسلامية، مما خلف في داخله حالة من الحنق علي كافة منجزات الغرب ومنتجاته المعرفية والثقافية والفكرية، تحت ضغط انتشار الفساد وانحراف المجتمعات، فكان الرفض نتيجة انفعال شديد، ثم رد فعل غالبا لم ينشئ هو دراسة معمقة ومشروع بديل واضح بنظرة كلية، بل ردود أفعال على جزئيات.

 ـ تيار مواكب، حاول فهم الغرب وتفنيده، تعاطى مع منجزه المعرفي من باب النِّدْ المعرفي والثقافي، لا من باب التابع المنبهر المنهزم ولا الخائف المتشدد، بل الواثق القادر على النقد والتصويب وطرح البدائل المعرفية الأصيلة، استقبل سهام الغرب المعرفية بصدر معرفي واثق، ونظرة ثاقبة، وصبر استراتيجي، رسم من خلاله لوحة شبه كاملة للتقاطعات المعرفية من جهة مع الغرب، وللمتعارضات المعرفية معه من جهة أخرى، ليشخص الخلل القاعدي، ويقتنص اقتناص الصياد الماهر الفريسة، ليأكل منها ما يفيده ويبني حضارته وينهض بها، ويترك من الفريسة ما يضر ولا ينفع.

 

الاستعمار المباشر والغير مباشر يستهدفنا جميعا، سواء في الغرب أو في الشرق، ويسعى لتقويض عقولنا، وتحويلنا لأتباع ونسخ مكررة عنه في فضائه الاستهلاكي فقط، دون امتلاكنا القدرة الذاتية على التفكير والنهضة. ولكن هذا لا يعني رفضه كليا ولا قبوله كليا، بل يعني فهمه وإدراك معارفه الناتجة عنه وفق بيئته وتطوره المعرفي التاريخي، ومن ثم نقده وتقييمه وتصويبه، والاستفادة مما يمكن الاستفادة منه، فهدفية الحقيقة تستدعي اتباع منهج الدليل والبرهان، لا منهج الرفض والإقصاء.

 

العسكرة:

 

العسكرة عادة كلمة تستخدم في العسكر والقوة العسكرية الحربية، لكنني هنا أعني بها العسكرة الثقافية والمعرفية، أي تشبيه مجازي بعسكرة الثقافة والمعرفة على طريقة العسكر والقوة العسكرية، في حرب يفرض فيها القوي وصاحب السلطة معرفته وثقافته على الآخر.

 

العكسرة المعرفية والثقافية محلية داخلية وليست من الخارج، من أوساطنا ومحيطنا، ويتم ممارستها غالبا من الأنظمة والأحزاب والتيارات وكل جهة تمتلك نفوذا، وهي شكل من أشكال الاستبداد والإرهاب الفكري.

ففي علم دراسة الأنساب يتم دراسة أنساب البشر من القبائل والعوائل، والنسب رابطة قرابة تربط بين الأشخاص، لكن علم الأنساب الثقافي أعني به، هو دراسة أنساب وعلاقات المفاهيم والقيم بعضها ببعض، وتشكيل خريطة معرفية توضح شبكة العلاقات، ومن القيم والمبادئ والمعارف تعتبر مولدة لقيم ومبادئ ومعارف أخرى، أو علاقة ما يسمى فلسفيا العلة والمعلول والسبب والمسبب. وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها توضح معالم النفوذ والقوة وآليات توجيهها، لأنها تتعامل مع عقل الإنسان وأفكاره ووجدانه، والإنسان هو المحرك الرئيس الذي يدير الكون ويتحكم به بالعرض (ليس مستقلا بذاته لكونه وكيلا) لا بالذات     (مستقلا بذاته بكونه أصيلا).

 

لذاك نرى هناك علاقة رصينة بين العلم والمعرفة والقوة، بين الكرامة والحرية، بين العدل والكرامة، وهكذا كثير من القيم والمبادئ المعايير مرتبطة بعضها البعض إما ارتباط طولي، أو ارتباط شبكي.

 

وتتجلى العسكرة في عدة مصاديق أهمها:

 

 ـ ممارسة وصاية على المعرفة وعسكرتها، من خلال فرض وجها وفهما واحدا لها وتعميمه، هو فهم السلطة أو الحزب أو من يملك النفوذ، وقد أشار ميشيل فوكو( ١٩٢٦ـ ١٩٨٤) إلى العلاقة التي تربط القوة بالعلم، واعتبر أن دراسة العلم لا تنفك عن دراسة القوة، ولا يمكن دراسة طرف منهما دون دراسة الآخر، ففي كتابه علم دراسة الأنساب يقول: " العلم قوة" ولكنه لا يقصد بذلك أن العلم يولد القوة، أو أنه عند حصولنا على العلم أولا فإن هذا العلم يصبح وسيلة لإجراء القوة، ولكنه أراد القول بأن العلم يوضح لنا علاقات القوة، وأنه يتجلى العلم في علاقات القوة بشكل أساسي، وبهذا المعنى فلا يمكن لنا الفصل ما بين العلم والقوة، وبالتالي دراسة أحدهما دون الآخر"[19].

 ـ في أجواء الحرب يتم توجيه المجتمع توجيها ثقافيا للحرب فقط، ويتم هيمنة ثقافة أحادية على حساب باقي المعارف، هي ثقافة الحرب ولا شيء غيرها، ويسري هذا الفهم العسكري على كل المجتمع، ويتصدر مشهدا عاما ـ وخاصة في وعي المجتمع ـ هو مشهد العسكر، وتفسيراتهم الأحادية وتوجيههم الثقافي الأحادي، و بتوجيه الثقافة الفردية والاجتماعية باتجاه واحد، هو الاتجاه الذي تريده الجهة النافذة.

 

 ـ عسكرة الثقافة والمعرفة، بممارسة كل أنواع الإقصاء للآراء المختلفة مع الجهة النافذة صاحبة السلطة، وإقصاء الأفراد المختلفين معها فكريا، وفرض قراءة أحادية للمشهد الثقافي، يتم تمريرها بشكل مكثف من خلال خطابات عاطفية وشعارات طقوسية.

 ـ عسكرة المناهج التعليمية في كافة المؤسسات والمدارس، وإتاحة فقط تعليم المناهج التي تتفق مع توجهات الجهة النافذة، والتي تعمق في ذهن الناس الثقافة والمعرفة التي تتناسب وما تريده تلك الجهة، بحيث تكرس سلطتها المعرفية وتوجيه العقل والأفكار وبالتالي السلوك والتطبيق، ويظهر ذلك جليا في الدول السلطوية خاصة في مناهج التعليم التي تتبنى ثقافيا ومعرفيا وجهة نظر السلطة ومن يواليها من مثقفين وفقهاء.

 

 ـ تكريس النزعة الجمعية القائمة على أساس الجماعة ببعدها السلبي، والتعاضد الإقصائي لا النهضوي، من خلال إلغاء الفرد لحساب الجماعة، ونفي محاولات التفكير والنقد خارج جغرافيا الجماعة.

 

باختصار العسكرة هي ممارسات بمنهج عسكري على الفرد والمجتمع في السلم والحرب، تستهدف الهوية الثقافية والمعارف، بحيث توطنها باتجاه معرفي وثقافي واحد، وتنمط المجتمع عليها، ليسهل عليها قيادته.

 

فالاستعمار يستهدف الثقافة ويسعى لتغيير الهوية، والعسكرة تستهدف الهوية والثقافة والمعارف وتسعى لتنميطها وتدجينها باتجاه أحادي إقصائي، وكلاهما خطر على بنية عقل الإنسان وبناء أفكاره الموجهة للسلوك الفردي والاجتماعي.

 

لا عسكرة ولا استعمار:

 

تميز الإنسان بالإدراك، أي بامتلاك العقل المدرك القادر على تمييز الأشياء، وفهم حسنها من قبيحها، ومن ثم امتلاكه قدرة للاختيار بينها وإرادة تحقيق ما اختاره بعقله، فإدراك حسن وقبح الأفعال، غالبا يبعث إرادة الفعل اتجاهها سلبا أو إيجابا، مع عدم إنكارنا لتدخل الأهواء والميولات الشخصية التي تعيق انبعاث إرادة الفعل للأفعال الحسنة التي يدرك حسنها العقل، وقد تكون باعثا للأفعال السيئة التي يدرك العقل قبحها، نتيجة الميل والهوى الداخلي للنفس الإنسانية، لكن في كلا الحالتين اختيار الإنسان وإرادته.

 

ولكن السؤال الحيوي هنا: كيف يمكننا ضبط ميول المجتمع ورغباته بطريقة تمنع العسكرة والاستعمار، وفي ذات الوقت لا تنشر الفوضى تحت شعار المعرفة وحريتها؟

 

يدفعنا هذا التساؤل لعمل إطلالة سريعة على موضوع الميول والرغبات النفسانية، والتي تؤثر في سلوك الإنسان مباشرة، كونها تشكل الدافع الباعث لإرادة الحركة لتحقيق تلك الرغبات والميول.

للحركة في نفس الإنسان مصادر باعثة لها هي:

 

١. الهوى: وهي الميول الدافعة إلى إشباع الشهوات النفسية، وهو ما يتطلب ضابطة داخلية وخارجية، تضبط الميول بما لا يتعارض مع المفاسد والمصالح الفردية والاجتماعية، ويتطلب مرجعية معيارية عادلة ومنصفة ومعصومة، في تشخيص المصالح والمفاسد.

٢. الفطرة وما تشمله مناشئ وغرائز الخير.

٣.العقل: وهو مصدر تمييز الحسن من القبيح، والحق من الباطل، والخير من الشر، والمصلحة من المفسدة، مستقلا، أي دون تأثيرات خارجية أو داخل نفسية.

٤. الإرادة: هي القوة المنبعثة من الدافع لتحقيق الفعل.

٥. الضمير[20]: " وهو مركب من الخبرات العاطفية القائمة على أساس فهم الإنسان للمسؤولية الأخلاقية لسلوكه في المجتمع، وتقدير الفرد الخاص لأفعاله وسلوكه. وليس الضمير صفة ولادية، إنما يحدده وضع الإنسان في المجتمع، وظروف حياته، وتربيته، وهكذا. ويرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب، ويشعر المرءبوعيه بأنه انجز واجبه تماما بأنه صافي الضمير، أما انتهاك الواجب فيكون مصحوبا بوخزات التأنيب. والضمير، في استجابته الايجابية لمتطلبات المجتمع، قوة دافعة قوية للتهذيب الأخلاقي للفرد[21]، والضمير والوجدان الأخلاقي المرتكز في طبيعة كل البشر يمثل ضابطة ذاتية.

 

٦ـ الميول والدوافع: هي قوى داخلية تمتاز بالبساطة والعمومية وتُفترض أصلاً ومنطلقًا لتفسير الحياة النفسية وانعكاساتها على الجسد. فالميل، حسب ماك دوغال، هو المسلّمة الأولى التي لا غنى عنها لتفسير الأمور النفسية. ويعرّف لالاند الميل على أنه قوة إجرائية تتوجه في اتجاه محدّد ولكنها تصادف العديد من العوائق والظروف المعاكسة. والميول لا تتخذ شكلها الواضح إلا بعد تذليلها للعوائق وبعد مرورها بمراحل من النضوج المتدرّج بحيث تنتقل من عالم الكمون الداخلي إلى حيّز الفعل والتحقّق[22]..

إذا هي ثلاثية ذات أبعاد عالمية، إرادة وحرية واختيار، و عقل مدرك يميز الحسن من القبيح، وأي ولاية حق، لكي تنجز ولايتها وتتحقق أبعادها ودلالاتها وآثارها، لابد أن تكون ولاية على عقلاء أي ولاية على علماء وليس على جنود وعسكر، بمعنى امتلاكهم القدرة على الإدراك السليم، و تمييزهم للحق من الباطل، بالتالي قدرتهم على الاختيار الحر، فقد شاء الله أن يختار الإنسان طريقه ويمتلك حرية هذا الاختيار، بعد أن وضح له السبل وبين له نتيجة اختياره لكل طريق، وأبان له كل شيء، وترك له في نهاية الأمر اختيار الطريق. والناس تختلف طرق تفاعلهم مع الواقع، باختلاف إدراكاتهم المعرفية، وإدراكهم للواقع، وتلعب الأهواء كمصدر رئيسي لدى عامة الناس في بعث دوافعهم وإرادتهم للفعل الذي يعبر عنه سلوكهم مع ذواتهم ومحيطهم. لذلك كان دوما هناك حاجة لضوابط وقوانين تعمل على تنظيم الحياة البشرية في علاقاتها مع محيطها، ولأن الناس تختلف مراتبها العلمية ومراتب الفهم والإدراك نتيجة عوامل كثيرة أهمها الظروف البيئية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وظروف التنشئة الأسرية، وهذه العوامل تؤثر في إدراكه ووعيه ومنظومته الفكرية، بالتالي في دوافعه الباعثة لإرادته وبالتالي سلوكه. لذلك هناك حاجة لمن يعيد تقويم مسارات وعي الجمهور ويطور من مداركه، وبالتالي يوجه دوافعه باتجاهات صحيحة، وفق معايير قيمية مرجعية يدركها العقل الإنساني مستقلا. وقد أسلفنا أن مكونات الوعي في المجتمع أحدها المثقف، بل هو محورها لأهمية الوظيفة التي يقوم بها، حيث يعيد بما يملكه من إدراك ووعي متقدم عن وعي محيطه، يعيد توجيه أولويات المجتمع بما يعود عليه بالنفع، ويفكك الإشكاليات التي يعاني منها. هذا فضلا عن تشكيل وتنضيج ميولهم قبل انتقالها إلى مرحلة الفعل والحركة السلوكية.

 

فمهمة المثقف هي تبيان الحقيقة و إيضاحها، وطرح الآراء وضدها ومناقشتها، و محاورة الجميع، وتوضيح المناهج والطرق في الوصول إلى الحقيقة، لا فرضه لحقيقة هو يراها، فالحقيقة كأصل ثابته، لكنها ذات مراتب مشككة (متفاوتة)، وللناس قابليات مختلفة، ومراتب مختلفة في الإدراك والمعرفة، فإعطاء الناس الوسيلة والمنهج والأدوات في كشف معالم الحقيقة، وترك الحق لهم في التجربة والخطأ والتعلم والاعتبار، واكتشاف الآراء وتفنيدها،  وامتلاك القدرة على النقد والتقييم بما يطور  عقولهم و يجعلهم يمتلكون مكنة وقدرة ذاتية في رد الشبهات، وتفنيد الآراء الفاسدة، والتحقق من المعلومة و المعارف بطرق علمية تعتمد الدليل والبرهان، خير من تحويلهم إلى قطيع، أو تدجينهم وتلقينهم ما نريد، أو توجيههم بمناهج تفرضها النخب عليهم كحقيقة مطلقة. فهذا الفرض والتوجيه المبرمج هو تمكين النفس أو الجهة من استعباد الآخرين بطرق مختلفة، والاستعباد لا يتمكن إلا من الإنسان الجاهل الغير واعي، بينما الإنسان ذو البصيرة لا يمكن أن يستعبده إلا الله.

 

فتربية علماء باتخاذ منهج تربية قائم على السؤال والنقد والشك الإيجابي، والدليل والبرهان، وضرب الرأي بالرأي، خير من تربية جنود اعتادوا على الأوامر والإملاءات العسكرية، وبالتالي طاعة بمنهج عسكري، فبالعلم ملك الأنبياء قلوب الناس، ونفذوا إلى عقولهم، بينما القوة والعسكرة الثقافية كانت منهج فرعون عندما قال: "لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" غافر/ ٢٩، وهي كلمة قالها في حضرة نبي الله موسى ع، الذي رغم نبوته، لكنه لم يتلفظ بما تلفظ به فرعون الذي يعتبر نفسه مالكا للحق والحقيقة، وله حق إقصاء كل رأي مخالف، وفرض ما يراه كسبيل أحادي للرشاد. وكان مصيره الغرق، كمصير قوم نوح الذين عطلوا عقولهم واتبعوا كالقطيع منهج آباءهم وأجدادهم، فأغرقهم الله كفرعون لخطورة منهجهم في تعطيل العقل وإقصائه، وفرض منهجيتهم الأحادية بطرق عسكرية على المحيط.

 

لست مع عسكرة الثقافة ولا مع استعمارها، بل لنبني إنسانا قادرا على التعقل، ومدركا لما يريد ومختارا له، في فضاء حر، لكن حرية منضبطة بمبدأ الدليل والبرهان وليست منفلته، حرية علمية موضوعية تسعى لكشف الحقيقة، لا تسعى لفرض ما تراه حقيقة، أن تعلمني كيف أصطاد أفضل من أن تصطاد لي.

إلا أن الانتقال لهذه المرحلة من الوعي وفق تشخيص واقعنا، يتطلب تدرج مرحلي ينقل الناس من الحالة الراهنة الغارقة في الوهم والفوضى المعرفية، إلى حالة التعقل والاستدلال، وانتهاج منهج منطقي وفلسفي وعلمي وموضوعي، وهذه وظيفة عظيمة موكل أمرها لمكونات الوعي الرئيسية وهي : المؤسسة الدينية و النخب من المثقفين والمفكرين والأكاديميين والدولة بما تملكه من مقومات مادية تدعم من خلالها المشاريع النهضوية والمؤسسات الأهلية الثقافية، وتطور مرافق التربية والتعليم. ومهمة النخبة هنا كمهة النص بالنسبة للعقل، لا يمارس النص وصايته على العقل، بل هدايته له وحفظه من الانحراف خارج الحدود المرسومة من قبل المشرع، والنخب هنا تمارس وظيفة شبيهة مع الناس عامة، حيث لا تمارس وصاية أو سلطة مفروضة، بل هي تمارس هداية بمحبة ومعرفة ترشد تجربة المجتمعات وتنهض بها.

 

والقرآن حاور وناقش وسمع كل الآراء تحت مبدأ " قل هاتوا برهانكم" وليس أهواءكم وميولكم واستمزاجاتكم.

 

"قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"

يونس / ٣٥

  

 

 واقعا هناك جدلية وتشعب حول مفهوم الدين يزداد تعقيدا مع التحولات السوسيوثقافية التي تعرفها المجتمعات الإنسانية، ابتداء من الفردانية كفلسفة وصولا للعولمة كمشروع مهيمن على مفاصل الحياة الإنسانية بشتى تمثلاتها، بلحاظ هذا الحاصل هل الدين سيرورة ثقافية متطورة أم ماذا بالنظر للتباينات بين الأديان كلها حتى في مقاربتها لله ووجوده وفلسفة الوجود الإنساني ومستقبله؟

 

كما تعلمون أن السيرورة تعني التراكم الكمي المعرفي، وفرقها عن الصيرورة هو أن الأخيرة تراكم كمي و نوعي معرفي، وحينما نقول تراكم كمي فنحن هنا لا نعني الدين كما جاء به الوحي، لبعدنا عن عصر التشريع، بل نعني فيه فهم الدين، وأيضا هنا لا نعني أن كل فهم الدين هو خاضع لهذه السيرورة، لأن بالأصل هناك مناطق في الدين تعبدية غير خاضعة لتعدد الأفهام لصدور نص قطعي فيها كالعبادات مثلا وكثير من المعاملات، وإن اختلفت أفهام الفقهاء في بعض مصاديق المعاملات إلا أن الإجماع قائم على الموضوع بذاته، كموضوع الخمس مثلا، والزكاة، وغيرها، وهناك أيضا ثوابت غير خاضعة لهذا التراكم المعرفي مع تبدل الزمان والمكان، بعضهم اعتبر هذه الثوابت هي مقاصد الشريعة، وبعضهم اعتبرها الكليات التي تشكل المظلة القانونية والمرجعية المعيارية التي تقاس عليها المتغيرات، إلا أن الجميع تقريبا مجمعين على وجود ثوابت غير خاضعة للتبدلات الزمانية والمكانية. بالتالي تحديد منطقة السؤال مهمة حتـي يتم البناء على الشئ مقتضاه. إذا نعتبر أن فهم الدين في منطقة المتغيرات متأثر بهذه السيرورة، كما أن مصاديق الثوابت والكليات الخاصة بالدين أيضا تخضع غالبا لهذه السيرورة، وكي نحدد أكثر في محل السؤال حيث ذكرتم الله ووجوده وفلسفة الوجود الإنساني ومستقبله، وهي مواضيع على مر التاريخ الإنساني كانت محل جدل إشكالي سواء على مستوى الفلسفات الوضعية أو الدينية، فهي ليست وليدة العصر، بل جل هذه المواضيع وما طرح حولها من تساؤلات وإشكاليات نستطيع وصفها أنها تاريخية بعضها تكرر كما هو، وبعضها تكرر لكن بتجليات أخرى توالدت تساؤلاتها من تفاعل الإنسان مع واقعه وعصره وراهنه، وما توالد عن هذا التفاعل من تساؤلات وإشكاليات متعلقة بالله ووجوده وفلسفة الوجود الإنساني ومستقبله، خاصة حينما تشتد الأزمات السياسية وتتحول بعضها إلى حروب عسكرية، يكون ضحيتها الإنسان، بحيث إما يتعرض إلى الموت، أو إلى الشقاء في حياته وعدم الاستقرار، وإلي ضايع طموحاته وآماله التي رغب في تحقيقها، وحالت الحروب والتوترات دون ذلك، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، وما توالد عنها من تساؤلات أهمها السؤال الأخلاقي، والشر والخير، واللذة والألم، وحقوق الإنسان، ودور الله وغيرها من التساؤلات المعرفية التي توالدت نتيجة التفاعل الإنساني مع معطيات عصره وإشكالياته. فالنصوص القطعية الصدور ثوابت بذاتها، لكن العقل يتفاعل مع معطيات الزمان والمكان ويتفاعل معها بالتالي تتطور قدرته على استنطاق النص، فحيوية النص تكمن في تفاعلات العقل وقدرته على إعادة طرح التساؤلات الراهنة عليه، وقد يشكل النص مرجعية كلية إرشادية للعقل، وقد لا يتواجد النص في بعض المساحات ليكون للعقل دورا معرفيا فيها.

 

 في ظل اختلاف الوعي لماهية الدين تتولد التعددية الدينية، وبحد ذاتها وإضافة لجدليتها شكلت التعددية الدينية إشكالات ومشكلات في مشاريع الاستقرار لدى العديد من المجتمعات، لماذا لا يزال حوار الأديان شائكا وهل التعددية الدينية منشأ الصراعات والأزمات في المجتمعات المعاصرة؟

 

لو أعدنا جذر المفهوم لبيئته التي توالد فيها، نجد أن الحروب التي قامت على أساس ديني في القرون الوسطى وما تلاها، كانت سببا فيما بعد لطرح سؤال التسامح وإمكانيته، بعد أن أُزْهِقَت أرواح كثيرة لمجرد الاختلاف المذهبي داخل الدين الواحد، أو الاختلاف بين الأديان، أي بسبب العصبيات الدينية والمذهبية، فنتج عن ذلك تساؤلات منها سؤال التسامح والتعايش، ومن هذا السؤال توالد مفهوم التعددية الدينية، وهنا قد نميز بين اختلاف الوعي لماهية الدين داخل دين واحد فيكون هنا تعدد أفهام، وقد يكون اختلاف وعي ماهية الدين بين أديان عدة فينشأ عن ذلك تعدد الأديان. لكن هل نحن معنيين في العالم الإسلامي بالتعددية الدينية؟ خاصة أن منطقتنا جغرافيا يسودها أكثرية مسلمة وإن تعددت فيها المذاهب، أم أننا معنيين ببلورة مفهوم آخر هو وليد بيئتنا وإشكالياتها، بالتالي إنتاج معارف ونظريات تحاكي هذه الإشكاليات وتضع لها حلول، كما قام الغرب بذلك، وليس استيراد مفهوم بيئة أخرى يحمل دلالاتها وحمولاتها المعرفية الخاصة بتجربتها مع واقعها وإشكالياته؟

لست ضد التفاعل مع التجارب البشرية، لكنني مع التفاعل بضوابط حذرة وواعية، حتى لا يتم تمييع الثوابت، والتساهل التدريجي الذي يؤدي للإحلال المعرفي وبالتالي العقدي. وتأتي أزمة الحوار نتيجة أزمة في تشخيص المنطلقات والأولويات، هذا فضلا عن أزمة الثقة التي صنعها تاريخ الحروب والاستعمار، ومازالت سياسة الغرب ما بعد الاستعمار وبشكل ناعم تحاول ممارستها، فهناك انفصام واضح بين ما تقوله المؤسسات الدينية في الغرب، وبين ما يفعله الساسة الغربيون في منطقتنا، وتصمت عنه تلك المؤسسات، إذا هناك أولا أزمة ثقة تعود للممارسات التاريخية من جهة، والراهنة من جهة أخرى، في بيئة يصعب فيها فصل السياسي عن المعرفي، أو حتى عن الديني، مهما حاول البعض إيهام الشعوب بأن هناك فصلا بين الدين والسياسة. ثم هناك أزمة أولويات تنطلق منها التعددية في الحوار، وأزمة تحديد المشتركات، فأغلبهم عند التطبيق، مهما كان الخطاب منفتحا وتعدديا، إلا أنه عند التطبيق ينقلب أغلبهم لحراس العقيدة.

ولحل معضلات مجتمعاتنا المعاصرة في منطقة جغرافية تعيش تعدد عرقي وديني، هو في تشكيل مفهوم للدولة يتناسب وهذه التعددية، قد تكون مشكلة الحوار تكمن في تبني الدولة في كثير من الأحيان لهذا الحوار، وهو ما يضفي صبغة سياسية عليه، مهما حاولت هذه الدولة خلافه. هذا إضافة إلى أن الدول توظف تمايز مكونات المجتمع في إشعال العصبيات بينها، بطريقة خلافية، من أجل أن تشغل المجتمع ومكوناته ببعضه البعض، فينفتح لها سبيل التصرف المريح في الثروات ومقدرات الشعب، وتسهل من عمليات تمكينها في السلطة لأمد أطول، تحت وطأة شعور المجتمع بعدم الأمن، وانشغاله بهوامش داخلية بينية على حساب أولويات كبرى لا تريد هذا النمط من الدول أن يلتفت إليها المجتمع، لأن في الالتفات إليها تهديد وجودي لها. لذلك نحتاج بلورة مفهوم للدولة يكون خارج الأطر المألوفة والمتوارثة تاريخيا، يعيد النظر في وظيفتها ومواصفاتها ودورها وعلاقتها بالشعب وحدود هذه العلاقة والوظيفة. لذلك التعددية الدينية والمذهبية في مجتمعاتنا مازالت تُوَظَّف بشكل سلبي يُمَكّن السلطة من استمرارها في موقعها، ويُسَهّل عليها ممارسة ما تريد دون رقابة، لأنها من خلال هذه التعدديات تستطيع خلق أعداء وهميين، تصنع منها حبكة وهمية تحكي عن تهديد الأمن الداخلي للدولة والمجتمع، فتدفع المجتمع للالتفاف حولها كمنقذ ومحقق للأمن والاستقرار، فيتصدر المشهد الأمن من خلال شياع الكراهية والعداوة بين مكونات المجتمع، ويتراجع سؤال المعرفة وتطويرها من خلال التواصل الداخلي بين مكونات المجتمع ومحاولة تفاعل الأفكار وتكاملها. فتعمد الدولة إلى بناء متاريس وحوائط صد بين مكونات المجتمع، بدل بناء جسور تواصل وشراكة وتكامل. لذلك الأصل في المشكلة من وجهة نظري ليس في أصل وجود التعدديات الدينية، بل في طريقة توظيف هذه التعدديات، وبنية الدولة المعرفية وأصل وظيفتها وحدود هذه الوظيفة.   

 

هناك عدة شعارات ومشاريع حوارية تهدف لتفعيل الانفتاح بين أطراف التعدد الدياناتي، بينما الواقع لا يكاد يتعافى من جراحات باسم الأديان حتى يتعرض لأخرى، هل السبب يعود لعدم دراسة الظواهر الدينية بحيادية وبهدف فهم الدين أم ماذا؟

 

يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران " أصبح فهم التعقيدات التي تنسج كوننا وإصلاح التعليم والمعرفة والفكر من الضروريات الحيوية للأفراد. كان جان جاك روسو يجعل المربي في كتابه       (Emile)يقول : " أريد أن أعلمه كيف يعيش ". قد يكون من الطموح بعض الشيء القول أننا نريد أن نعلم أحدهم كيف يعيش فنحن نساعد أحدهم على مواجهة الحياة، على تعلم الحياة من نفسه. غير أن العلم والمعرفة أمور حيوية لكل منا كي يتمكن من مواجهة عالمه ومصيره ومشاكله وتناقضاته [23]."

 

المشكلة ليست في المعارف التي نعرفها، المشكلة تكمن فيما هي حقيقة المعرفة، وما هي المعرفة بذاتها؟ أي معرفة تلك التي تنظم حياة الإنسان وترشده للعيش الكريم؟

 

هناك من ينادي بالعلمانية[24]. كخلاص لمنطقتنا من الظلام، ولكن هل هي فعلا الخلاص أم هي هروب آخر نحو المجهول؟ نحن لا نعالج جذور المشكلة كي نضع لها حلولا مناسبة، نحن غالبا نهرب بعلاجات ترقيعية مستوحاة من الآخرين، دون حتى الالتفات إلى الفروقات الجوهرية بين الثقافات المختلفة والهوية، ونعمد إلى عملية استلاب لكل حواضننا الثقافية، باستيراد تلك الحلول، التي نهرب من خلالها من الواقع، حتى لا نشمر عن سواعدنا ونوغل في فهمه وحل مشكلاته.

 

والسبب هو التداخلات والتعقيدات المتشابكة والمتراكمة لتلك المشاكل، التي تداخل فيها السياسي بالمعرفي بالديني، ليخنق الإنسان لا ليخدمه.

 

والحقيقة أن ما هو سياسي ليس ما يجب أن تكون عليه السياسة، وماهو معرفي ليس حقيقة ما يجب أن تكون عليه المعرفة، وما هو ديني ليس ما هو دين أو ما وجد كدين، التشابكات الحاصلة هي ثمرة أفهام بشرية متداخلة، ساقت لنا تجاربها وعصارة أفكارها لتصنع لنا واقعنا.

 

ما نحتاجه كخطوة أولى حقيقية هي فك هذه التشابكات، من خلال فهم واقعها ومواجهة كل الانحرافات التي بها، ومن ثم معالجتها بالحقيقة.

 

وهنا نقع في مأزق الحقيقة، فأي حقيقة وأي منهج يوصلنا لتلك الحقيقة؟

 

في ظل فوضى المعرفة وادعاء امتلاك الحق والحقيقة، لا يمكننا زعم استحالة معرفة الحقيقة والحق، بل علينا أن نمتلك الجرأة والقدرة على مواجهة كل التحديات لمعرفة الحقيقة بقدر ما نمتلك من أدوات منهجية، فلن ادعي قدرتنا على امتلاك كل الحقيقة، ولكنني أجرؤ على القول، أننا يمكننا الحصول على جزء كبير منها إذا قررنا ذلك.

 

إن أول عقبة وحائط صد يمكنه الوقوف أمام هذا الطريق الشائك، هو أغلب النخب الدينية والفكرية، والسبب هو تداخل المصلحة الذاتية مع مسار المعرفة البشرية، تداخلا متشابكا يُغَلِّب فيه هؤلاء مصالحهم على معارفهم، والضحية هو الإنسان الذي منه تتشكل المجتمعات.

 

لذلك أرى أن الخطوة الأولى للتشخيص هو مواجهة الذات، من خلال تسليط الضوء عليها ومعرفة خباياها وطرق تحفيزها وتوجيهها للخير العام، وليس فقط للخاص، مع تشخيص دقيق لمفاهيم الخير والصلاح وفق المشتركات البديهية البشرية التي تتفق فطرة البشر عليها خاصة في الجانب القيمي فيها، كون العقل قادر على تشخيص الحسن والقبيح وفق آراء أغلبية الباحثين في هذا الصدد، إضافة لانخراط أولئك الذين تتقدم معارفهم ومصلحة الإنسان على مصالحهم وذواتهم، أولئك المستعدون للمواجهة الكبرى مع الذات من جهة، ومع الآخر من جهة أخرى.

 

مواجهة معرفية تمتلك القدرة على فهم الواقع وتشابكاته، ومن ثم مواجهته وإصلاحه، مهما كلفها ذلك من ثمن على مستواها الشخصي أو الاجتماعي، أو حتى على مستوى ما اعتادته من أفكار وعقائد.

 

إذا امتلكنا هذه المقدرة والقدرة، فنحن بذلك نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو فهم وإدراك ماهية المعرفة، والإجابة عن سؤال أي معرفة؟ وما هي أدواتها وما هو منهجها السليم.

 

إن فهم العقل الإنساني وطبيعة الفهم البشري مدخلا ضروريا لفهم الذات والآخر، كون المعارف تشكل الافكار التي تقود العقل، وكون العقل نبي باطن تميز به الإنسان عن باقي المخلوقات.

 

إذا خطوتنا الأولى تكمن في فهم الإنسان، فهم حاجاته الواقعية، صراعاته التي يعيشها مع ذاته بين فطرته وغرائزه، كيف تم نظمها وقوننتها.

 

هناك حقيقة لا يمكن الانفكاك منها، وهي حاجة الإنسان للدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته.

 

إن أدركنا ذلك بواقعية، نستطيع بعدها معرفة أي دين وأي مقدس، كون النص هو مصدر الدين، وهو أهم مصادر المعرفة المقدسة، وهنا يجرنا هذا الاعتراف والاقرار إلى إيلاء اهتمام خاص بهذا الجانب المعرفي من معارف الإنسان، والمحوري في تشكيل عقيدته، وتسيير سلوكه الفردي والاجتماعي.

 

فالدين هو مصدر التفسير الأثرى لمعنى الحياة والموت، وكون الحياة والموت مراحل أساسية للإنسان، بل هي تشكل مساراته كافة وأفكاره، بالتالي تصبح حاجته للدين حاجة وجودية واجبة، هذا فضلا عن كونها حاجة فطرية.

 

"وهنا جاء سؤال الباحثين والمهتمين: ما الذي يسوق الشباب في الغرب وغيره، ممن هم في كفاية معاشية، للهجرة إلى ولائم الذبح وحفلات الرقص على أشلاء الضحايا في بلادنا، والتسابق على الانخراط في وحشية عبثية، تتلذذ بالدم المسفوح، وتتهافت على مغامرات مهووسة في العمليات الانتحارية؟ " [25]  

 

نحن اليوم إذا أمام أزمة فهم ديني لا أزمة دين، هذا الفهم مرجعه إلى موارد المعرفة وأدواتها وكيفية الإدراك، وهو ما يتطلب معالجة على عدة أصعدة مختلفة.

 

الصعيد الأول هو الحفر العميق في منطقة الإدراك المعرفي، وكيف يتعامل عقل الإنسان ومراكز الإدراك فيه مع المعارف، ويرسم من خلالها أفكارا تشكل له عقيدة وسلوكا.

 

إن العمل يكون على مناهج التفكير أو ما أسماه المفكر العراقي يحيى محمد "علم الطريقة".

فيقول: البحث الطريقي للفهم، وهو معني بمعرفة مناهج الفهم والقواعد التي يعتمد عليها والقوانين التي تتحكم فيه. كما يندرج ضمن البحث الطريقي كل ما يستجد من قواعد للفهم، وكذا طرق التقييم والترجيح بين مناهج الفهم وأنساقه. ويدخل هذا القسم في صميم علم الطريقة، وهو نظير ما يجري بحثه في ( فلسفة العلم ) وبهذا الاعتبار يكون عبارة عن فلسفة الفهم. لكن إطلاق سمة المنهج والطريقة عليه أولى من إطلاق لفظ الفلسفة.

وللمنهج معنيان، اذ يُقصد به المعنى الإجرائي، كما قد يُقصد به المعنى الأبستيمي أو المعرفي. ويعني الأول القيام بالخطوات والضوابط اللازمة للبحث. فمثلاً في البحث التجريبي؛ على المجرب أن يأخذ بعين الاعتبار كل الخطوات التي تكفل للعملية التجريبية أن تكون مناسبة، دون أن ينقصها شيء من الشروط المعدة للبحث، كتحضير عينات من المادة المراد إجراء البحث عليها، وتعريضها لظروف اختبارية مختلفة، والاستفادة من الأبحاث السابقة في هذا المجال، وتسجيل الملاحظات الخاصة بخطوات البحث وجمعها ثم تحليلها واستخلاص ما يمكن من نتائج. والأمر كذلك في البحث الفكري، فلكي يحاول المفكر أن يقدم نظرية ما أو يشكل تصوراً دقيقاً حول قضية معينة؛ عليه أن يقوم بجملة من الاجراءات المنهجية، كشرط للدقة في النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها، من قبيل الاطلاع المسبق على النظريات والتصورات التي سبقت بحثه في القضية ذاتها، وكذا مقارنة هذه الأفكار ببعضها أو القيام بنقدها ضمن نفَس موضوعي، وكذا ألا يحمل صورة نهائية مسبقة حول القضية ليسقطها على البحث، وكل ذلك يعد من الإجراءات المنهجية للوصول إلى نتائج نهائية دقيقة. لكن ذلك لا علاقة له بالبحث المنهجي بما يعبر عن نظرية في المعرفة الإبستيمية، ففي جميع الأحوال إن الباحث سيعوّل على منهج أو أكثر من المناهج المعرفية؛ سواء التزم بدقة الإجراء المنهجي أم لم يلتزم. فقد يعتمد على المنهج التجريبي في قبال العقلي أو العكس، فهو وسيلة غرضها الكشف عن الحقائق عبر عدد من القواعد والمبادئ القبلية، التي تعمل على تحديد سير العملية المعرفية، وكل ذلك لا علاقة له بالإجراء المنهجي الآنف الذكر. والذي يعنينا هو المعنى الأبستيمي للمنهج لا الإجرائي."

وكما يرى أن علم الطريقة، هو العلم الذي يدرس مناهج الفهم ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفهم.[26]

 

وتكمن أهمية هذا العلم كونه ينظم طريقة الفهم والتفكير المعنية بالتعاطي مع النص الديني، الذي يشكل رافعة أساسية في نظم الأفكار للإنسان والبشرية كافة. خاصة في وطننا العربي والإسلامي، والذي يعتبر اليوم أهم إشكالية جدلية نتجت عنها مدارس عدة، منها مدرسة داعش التي اعتمدت على القراءة النصية المغلقة للنص، دون مدخلية للعقل أو للزمان والمكان، ودون مداورة لتلك النصوص وإعادة موضعتها فيما يتناسب مع منجزات الحاضر ومعطياته.

 

هذا الحفر في الجهاز المعرفي والإدراكي يُمَكّننا من الخروج بمنهج لعلم الطريقة، الذي بدوره ينظم عملية التفكير والفهم. وهو ما قد يقلل مساحات الاختلاف بين كافة المدارس الدينية والأديان في قراءة النص الديني، ويحقق منسوب وعي وازن، قادر على إيقاع تغيير يحقق العدالة والكرامة البشرية، واللتان هما قيمتان لا يختلف عليها بشر. إلا أن التطبيق محل الاختلاف، لاختلاف مناهج التفكير ومصادر المعرفة، فموضوع التغيير والاصلاح مرتبط أساسا في بنية تفكير الفرد التي تحدد ذاته الداخلية وتبنيها، ومن ثم توجه سلوكه الخارجي. فأي حديث حول التغيير لابد أن يحفر في عمق المجال الإدراكي للفرد، وفهم عقله، وطرق بناء منظومته الفكرية، ومن ثم معرفة طرق التأثير، وتحقيق التغيير باتجاهات مقاصدها العدالة والكرامة. وهدف التغيير يتطلب مقدمات تشكل أساسا هاما في تحقيق التغيير كهدف آلي للعبور نحو العدالة. ومن أهم المقومات هو وجود الدافع لدي الإنسان، وهذا الدافع هو حصيلة بنيته الفكرية وفهمه للكون ولوظيفته، وعلى ضوئها يستطيع تشخيص الخلل الخارجي، ويقوم بمجموعة مقارنات تخلق لديه الدافع نحو تحقيق هدف التغيير، وإحراز العدالة التي تحقق له كرامته ووجوده الإنساني. ويتشكل الدافع وفقا لبنيته الفكرية والمعرفية، لذلك تتفاوت دوافع البشر في شدتها وضعفها وقوتها وعمقها وفاعليتها، بناء على الاختلاف الكبير في البنية الفكرية والمعرفية. إذا نحن نحتاج لعلم الطريقة كمدخل للتأسيس المعرفي وتشكيل قواعد الاشتراك بين الأديان، وهي كثيرة، ونحتاج ضوابط تتوالد من هذا المنهج تنظم وتضبط الدوافع لتحقق مجتمعة الغاية وهي خلق جو تصالحي تشاركي بين البشر وخاصة بين الأديان، يقلل ساحات القتل والدم، ويوسع من مساحات الحوار، ويدفع نحو هدف العدالة والكرامة الإنسانية، واحترام كل جهة تمتلك دليلا على الآليات التي تستخدمها في تحقيق هذه العدالة والكرامة. واعتقد هذا طرح قد يصفه البعض بالمثالي ولكنه ليس هناك استحالة لتحقيقه، شريطة أن نبدأ في وعي الذات والآخر، وفي تأسيس علم الطريقة سالف الذكر.

 

 

هناك جدلية مفهوم الدين واشكاليات التجديد الديني، أين المنهج في ترتيب الوعي الديني بما يؤسس لحياة إنسانية راشدة؟

 

تجديد الفكر الديني دعوة عابرة للزمان والمكان كون متعلقها الفكر الذي لا حدود له، والذي هو عرضة للتطوير والتجديد حيث حدود فاعليته هو العقل البشري الذي لا يهدأ ولا يقف، تتراكم معارفه بالتقادم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا الفكر بحاجة مستديمة للتجديد؟

 

يروى في الأثر عن الإمام علي عليه السلام: "العقول أئمة الأفكار، والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمة الأعضاء.[27]

 

تعتبر الأفكار المنطلق الأساس نحو تشكيل شخصية الفرد عقديا وسلوكيا، وبالتالي تشكيل المجتمع الإنساني وتوجهاته وسلوكه. فهي تشكل بعده النظري والعملي وتوجه عاطفته وانفعالاته وتلعب دورا محوريا في كتابة تاريخه وحضارته.

 

فما ينتجه العقل من أفكار هو حصيلة للزمان والمكان والبيئة والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأهم من ذلك حصيلة فهمه للدين الذي يتأثر بكل ما سبق. فأهمية التعقل والتفكر تكمن في إخراج الإنسان من حد الحيوان ويدخل في حد الإنسان ولكن ليس أي تعقل وأي تفكر قادر على إحراز الإنسان إنسانيته الكاملة، بل كما وصف الإمام علي عليه السلام هو أن يعلم من أين وفي أين وإلى أين، أي يعرف مبدؤه ووظيفته ومآلاته أي نهايته، كون كماله الإنساني يقتضي هذا النوع من التعقل والتفكر. ولكن ما هي مصادر المعارف البشري

 

 

 

 

 

مصادر المعرفة البشرية:

تنحصر مصادر المعرفة البشرية في هذه المصادر الأربعة:

١.العقل

٢.الوحي

٣.الحس

٤.التجربة

ولا يمكن تقديم مصدر على آخر لكن يمكننا القول أنها كلها في طول بعضها البعض يتصدرها الوحي الذي يرسم الخطوط العريضة لمسار العقل الذي يقرأ النص وينتج الأفكار متفاعلا بذلك بحواسه مع محيطه، وسالكا بما أنتجه من أفكار وفهم في وظيفته في هذه الحياة على ضوء هذه الأفكار وهذا الفهم للنص. وبالتالي مقدما تجربة جديدة دينية ترفد معرفه وتطورها ليكون هناك تفاعلا تبادليا بين ما أدركه العقل وأنتجه من أفكار وما مارسه اجتماعيا نتيجة فهمه ليرفد كل منهما الآخر.

وهذه المصادر المعرفية في المدرسة الإسلامية التي تمايز في داخلها عدة مدارس وفق تطبيقاتها واستعمالاتها لتلك المصادر.

 

إن المدارس المتمايزة في ترجيحاتها بين مصادر المعرفة أنتجت لنا أفهاما متمايزة للدين خضعت تاريخيا وتأثرت نتيجة تفاعل الإنسان مع محيطه بعدة عوامل أهمها:

١.البيئة الاجتماعية كحاضنة تشكل خلفيات العقل ومسبقاته.

٢.الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

٣.الفهم الطاغي اجتماعيا للدين والذي تتبناه السلطة وتأثيرات ذلك على توجيه الأفهام نحو هذا الفهم السلطوي للدين.

٤.حركة الترجمة التي كانت تواكب كل حقبة زمنية ومدى تأثيرها على المعارف التي على أساسها تم فهم الشريعة والإسلام.

 

لكن ما هي حدود العقل وهل الحاجة للتجديد في الفكر الديني تعني وجود نقص في الدين؟

 

 

 

العقل:

إذا استخدم العقل القضايا البديهية على وجه صحيح أمكنه استنتاج قضايا غير بديهية منها، أي يمكن معرفة أشياء مجهولة من خلال معرفته للأشياء البديهية.[28]

العقل مخلوق والمخلوق ناقص ومحدود وبالتالي لا يحيط إحاطة شاملة بالمفسدة والمصلحة التامة والإحاطة الشاملة بكل ما هو في صالحه أو ضرره وما هو مفيد أو مضر، لذلك هو بحاجة لوحي يحدد له خطوط الطريق حتى لا يخرج خارجها فينحرف، وما يثري المعرفة العقلية ويمده بالحيوية المستديمة والتجديد المستمر هو التجربة فما ليس للإنسان فيه تجربة إطلاقا لا يمكن للعقل معرفة كنهه.

وكون عقل الإنسان ليس له تجربة عملانية مع الوحي فهو غير قادر على إدراك كنه هذا الوحي ولكن قادر على انتزاع فهم كلي له.

قد يدرك العقل بعض علل الشرائع التي جاء بها الوحي لكنه لا يحيط بها كلها إلى الآن. لكن العقل بذاته لا يخطئ، بل العقلاء يخطؤون في استعمال العقل وليس بما أنهم واجدون للعقل كما يصف الشيخ محمد تقي مصباح يزدي في نفس المصدر السابق، حيث يقول "العقلاء ربما يخطئون في استعمال عقلهم والاستفادة من هذه القوة لأنهم لا يعرفون القواعد المنطقية ولا يحسنون تطبيقها. إضافة إلى أن العقل ربما لا يمكنه نيل بعض الواقعيات لخروجها عن طور العقل.. فآلة العقل هي المفاهيم الكلية ولا يحكم إلا بها فلا يمكنه الخروج عنها فإذا خرج من نطاق المفاهيم كان خارجا عن نطاق العقل.. فإذا حصلنا على المفاهيم الصحيحة تمكن العقل من تنظيمها وترتيبها والاستفادة منها إذا راعى القواعد المنطقية".

 

فكثر من الاكتشافات العلمية والنظريات والاكتشافات الطبية والتشخيصات تم نسخها بعد زمن لاكتشاف دليل نقصها أو مضرتها أو لاكتشاف ما هو أنفع منها، وهذا إن دل فهو يدل على إما عدم إحاطة العقل وشموليته، أو على عدم استعمال المنهجية السليمة في الوصول للتشخيص الواقعي.

ومن هنا كانت حاجتنا المستديمة لتجديد الفكر الديني للمواكبة وإعادة النهوض، إلا أن هذه الحاجة لا تعني الذوبان في كل ما هو غربي من فكر وثقافة، ولا يعني رفض كل ما هو فكر وثقافة غربية، بل يعني محاولة تحرير العقل أولا من وهم التبعية والنقص والتخلف أمام الآخر، ومن ثم تطعيمه بالقدرة على إبراز "الأنا" الفكرية القادرة على إعادة قراءة الذات على ضوء كل ما تم طرحه على المائدة الفكرية من جدليات فكرية وثقافية، والخروج بقراءة فكرية ذاتية ناهضة تستفيد من الآخر لا أن تذوب فيه بتبعية بل استفادة من موقع الاقتدار الذاتي على الإنتاج المعرفي، ورد كل ما لا يتناسب مع وعاءنا الفكري والهوياني لا رد إقصاء وإنما رد اختلاف في الرأي على قاعدة لكم دينكم ولي دين، وحيث هذا الاختلاف لا يمنع آبدا التعايش والاعتراف بالآخر المختلف.

فالرشد يتحقق عندما يدرك الإنسان لحظته التاريخية، والاختلافات المتعلقة بتلك اللحظة عن سابقاتها التاريخية، فيستطيع فهم حركة التاريخ ومتغيراته، ثم يبحث فيما هو ثابت وما هو متغير في الدين والأصح في الفكر الديني، أو في معرفتنا للدين، ويستطيع أن ينفتح على كل مصادر المعرفة ليتفاعل بين تجربته الدينية التي تم بنائها على معرفته للدين وبين النص، ليدرك متغيراته وثوابته، ويستطيع تطوير هذه التجربة بعيدا عن الانفعالات والتجاذبات الفكرية، فيؤسس معرفيا لإدراك جديد لمعرفة الدين معاصر، ليس كرد فعل بل كفعل تأسيسي.

فنحن لسنا مسكونين بهوس التجديد، لكننا مسؤولين ومدركين من خلال تجربتنا الدينية ومن خلال التفاعل مع التجارب البشرية في المعرفة الدينية، أن للعقل دور هام جدا في إدراك النص وملابساته، وفي تحريكه، بل له الدور الأبرز في فاعلية النص ومواكبته للواقع، وهو ما يتطلب امتلاك الأدوات والمنهج في تحقيق هذه الغاية وهذا الرشد. فالتجديد ليس خيارا بل هو مسار حتمي تفرضه قدرة الإنسان على التكامل وحاجته في مسيرة التكامل لتحريك فهمه وتطوير تجربته ومواكبة راهنه المتغير شريطة إدراك ما هو متغير وما هو ثابت، وهذا ليس مستحيل لكنه يتطلب بحث عميق بعيدا عن الالتقاط، وعن الانفعال مع دعوات التجديد غير الراشدة، لأن التفاعل مع النص هو تفاعل مع ما يمكن اعتباره كلام الله، بالتالي تحتاج أدلة في مسار الكشف والفهم والمواءمة. فالوعي المركز الذي يستأصل جذور الأفكار غير السليمة التي تخالف مسيرة الوعي الحركي، هذا الوعي من طبيعته الثبات والاستقرار، بل التعمق مع مرور الزمن، لأنه بطبيعته هذه يمتد ويخلق له بالتدريج خيالات جديدة وفقا لخط العمل ولخط الأحداث، فالإنسان الواعي والأمة الواعية تسير عادة على في طريق التعمق وعيها لا الجمود، فالوعي لا تهزه الانفعالات فهو وعي يجمد ويتقوى مع الزمن لا تنفعل مع المؤثرات، بل تؤكد وعيها وثباتها ومكنتها المعرفية مقابل هذا الانفعال، وتصبغ الموقف بما يتطلب وعيها في ذلك.

 

 مشاريع الاختزال المعرفية التي جعلت الثقافة دينا أو العكس أفرزت شبكات مفاهيمية متداخلة من قبيل العلمانية، الديمقراطية، الحداثة، الوجودية، وما هنالك من فلسفات ومفاهيم حديثة ومعاصرة، في أغلب تفاعلاتها تصطدم بروح الدين، هل الأزمة أيديولوجية أو دينية أو ذاتية تاريخية إنسانية؟

 

بالأصل علينا عمل جولة على الفروقات القاعدية في مصادر المعرفة بين الشرق إن صح التعبير والغرب، فالشرق أحد دلالاته التي ينصرف إليها الذهن هو الإسلام كون الغالبية العظمى فيه مسلمين، والغرب أحد دلالاته المنصرفة ذهنيا هي المسيحية لأن الأغلبية فيه من المسيحيين، هذا فضلا عن التاريخ الذي كتب ذلك الصراع الفكري والعسكري بين الشرق والغرب، ما يعنيني هنا الفروقات الجوهرية بين الطرفين والتي أدت إلى فروقات معرفية مبنائية.

 

 فقد طرحت الحداثة على سبيل المثال، مجموعة من التساؤلات الدينية على الإسلام، ونتيجة الجدليات والإشكاليات التي ظهرت ودارت في هذا الفضاء وبدى وكأن هناك ضدية أزلية بين الدين والحداثة، هذه الضدية هي صناعة بشرية وليست قراءة واقعية، كون الدين يقدم لنا ما ينبغي أن يكون ضمن أطر نظرية، بينما الحداثة هي ثمرة فعل وتجربة إنسانية أي ما هو حاصل بالفعل. فليست الحداثة دينا حتى تصبح مزاحمة للدين في مجال اختصاصه. فالدين جاء ليخاطب الإنسان المليء بتفاعلاته الثقافية والاجتماعية والمحاط ببيئة يتفاعل معها وتتفاعل معه. بالتالي الإنسان المتلقي مشارك برسم التاريخ والاجتماع في تحديد المعنى الموجه إليه، حيث لغة الوحي أقرت برموزه واستعانت بلغة خياله وسلكت من حيث مؤسساته، إذ أن الكلام متولد من نفس لغة المتلقي ورموزه. إنه كلام مخلوق من حيث هو معاني مودعة في كلام مخلوق ومتولد من تاريخية المتلقي. لكن في أرقى تولد بلغ حد الإعجاز، وها هنا تكمن قيمة الإعجاز.

 

تكمن هذه الفروقات الجوهرية في القاعدة والبنية الفكرية والفلسفية لكليهما، والتي على أساسها يتم البناء والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف الفوقية.

"إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية. فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الانسانية والاجتماعية. فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكرين أن تتجرد عن تأثير الرسالة التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة.[29]

 

ويذكر أيضا الشهيد تصنيفا رائعا في السنن القرآنية لعناصر المجتمع بين الغرب والاسلام في كتابه السنن القرآنية ويستخلص من القرآن ثلاث عناصر

الأول: الإنسان

الثاني: الأرض أو الطبيعة على وجه عام

الثالث العلاقة المعنوية التي تربط الانسان بالأرض والطبيعة ومن ناحية أخرى تربط الإنسان بأخيه الإنسان

ويعتبر العنصر الثالث هو العنصر المرن المتحرك في تركيب المجتمع ولها صيغتان:

الأولى: صيغة رباعية

والثانية: صيغة ثلاثية

 

ـ الصيغة الرباعية:

هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان، هذه ثلاث أطراف فإذا اتخذت صيغة تربط بموجبها هذه الأطراف الثلاثة مع افتراض طرف رابع وهو بعدا رابعا للعلاقة الاجتماعية وهذه الصيغة الرباعية طرحها القرآن تحت اسم الاستخلاف، والطرف الرابع هنا هو المستَخْلَف أي الله جل شأنه.

 

ـ الصيغة الثلاثية

صيغة تربط بين الإنسان والإنسان وهو والطبيعة، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع

فتجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع أي الله.

 

هذا التغييب بطبيعة الحال يغير من المثل الأعلى لكل جهة، فالمجتمع ذو التركيبة الرباعية يكون الله مثله الأعلى وعلى هذا يرتبط بكله معرفيا ومنهجيا بالله وصفاته ومنهجه فيكون الله هو المرجعية المعرفية المحورية والإنسان في ذلك في طول هذه المرجعية، أي خليفة يترشح عنه الأصول ومستخلف يتلقى الأصول ويستخدم عقله وتجربته في قراءة تلك الأصول ليطور هذه القراءة في بعدها المتحرك بعقله وتجربته وفق سؤال الراهن وحاجياته وتساؤلاته وإشكالياته، أما ذو التركيبة الثلاثية التي غيبت الله، فالإنسان هو محورها ومصادر معرفته محصورة وفق هذه الرؤية بالحس والتجربة. وبالتأكيد هنا نعمل على توصيف الحالة وليس تقييمها لأن هناك نتاجات بشرية مهمة على هذا الصعيد.

وهذه النتاجات البشرية سواء من الغرب أو غيرها هي مصدرا معرفيا ثريا قد يندرج تحت عنوان التجربة البشرية التي تعتبر أحد روافد المعرفة البشرية في المدرستين الغربية والإسلامية، بالتالي لا يمكن التعاطي مع هذه المعارف تعاط أصم وكأنها لم تكن، وأيضا لا يمكن التعاطي معها بطريقة تسليمية لكل ثمراتها مع وجود فارق بنيوي مهم. ولا نستطيع أيضا أن نمارس الانتقاء منها بشكل عشوائي ولا الترقيع بينها وبين رصيدنا المعرفي في الإسلام.

 

إذا لا أريد أن أسميها أزمة، لكن هناك اختلاف جوهري في المباني الفلسفية التي تنطلق منها القاعدة المعرفية في الغرب، عنها في الشرق، هذا الاختلاف القاعدي قد يلتقي في مناطق معرفية ويتلاقى كون المدرستين يعتبران الحس والتجربة مصادر للمعرفة، لكن الاختلاف سيكون في مناطق كثيرة كبرى، لأن النص في الشرق يعتبر معيارا وضابطا مهما في توجيه المعارف البشرية ومعياريتها، بينما في الغرب فإن الإنسان هو الموجه والمعيار، ولا وجود للنص الديني في بناه المعرفية ومصادرها. هذا الاختلاف الجوهري، سيؤدي منهجيا لاختلافات حقيقية سيصطدم كثير منها بالدين، ويلتقي بعضها معه، الأهم أن هذا الاختلاف يجب أن يبقى في مستوى الاختلافات المعرفية والمرجعية والمعيارية، مع احترام لبنية كل جهة المعرفية، وعدم الانزلاق للإقصاء المعرفي، والشطب لكل المحمولات والتجارب المعرفية بحجة التجديد والمعاصرة التي يطرحها الغرب غالبا بشكل إقصائي فج، يريد أن يفرض سلطته المعرفية بشكل استبدادي إقصائي، وهو ما يُوَلّد ردود فعل، قد تكون متطرفة تحت غطاء الحفاظ على الهوية والتراث، وتخلق فجوات زمنية حقيقية جامدة على النص بسبب الخوف على التراث والنص.  

 

 

 

 


[1]  في نقد ثقافة التدين/ د.مجدي إبراهيم/ صحيفة المثقف الالكترونية/ تم الاطلاع في ٢٨/مايو/٢٠١٩/http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=936584&catid=323&Itemid=1234  .

[2] علم يدرس المجتمعات الإنسانية،والمجموعات البشرية، وظواهرها الاجتماعية

[3] وقد يطلق عليها "فلسفة الماهية" على اعتبار أن لكل علم موضوع كمادة للدراسة والتحليل، ومن هنا الفينومينولوجيا موضوعها الماهيات.

 

[4] اجتماعيات الدين والتدين ـ دراسة في النظرية الاجتماعية الإسلامية/ الشيخ حسن أحمد شحادة / مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي / ص ١٢٠

[5]  في نقد ثقافة التدين/ د.مجدي إبراهيم/ صحيفة المثقف الالكترونية/ تم الاطلاع في ٢٨/مايو/٢٠١٩/http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=936584&catid=323&Itemid=1234  .

[6] نظرية الثقافة / محمد جواد قاسمي/ مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي/ ص ٢٩ بتصرف

[7] للاطلاع على تعاريف الثقافة المتكثرة يمكن مراجعة المصدر السابق من ص ٥١-ـ ٧٧

[8] إينغلهارت / التحول في المجتمع الصناعي المتقد / ص ١٩

[9] مجموعة بحوث السمبوزيوم الثاني لمكانة التربية / ص ٣٢٧

[10] مجلة دانشجو ص ١٦

[11] الاستغراب ابحاث العدد 12/ ما بعد الاستعمار /دراسة للباحث الإيراني البروفسور أحمد رهدار مسعى/السنة الرابعة - صيف 2018 م / 1439 هـ

[12] المصدر السابق

[13] راجع: إدوارد برمن، التحكم بالثقافة، ترجمة حميد الياسي، (تهران: ني، ط 3، 1373

[14] من مواليد ١٩١٦، وتوفي عام ٢٠١٨، أستاذ فخري بريطاني ـ أمريكي لدراسات الشرق الأوسط في برنستون، تخصص في تاريخ الاسلام والتفاعل بين الإسلام والغرب، وتشتهر خصوصا أعماله حول تاريخ الدولة العثمانية،وهو أحد أهم علماء الشرق الأوسط الغربيين ممن سعت إليه السياسة. ولد من أسرة يهودية من الطبقة الوسطى في لندن.

[15] سلسلة دراسات استشراقية/ العدد السابع/ برنارد لويس : صهينة الغرب وتتريك العالم الإسلامي/جهاد سعد/ ص ١١.. بتصرف

[16] فعل الكولونيالية الذي بدأ يكتسب صفته المفهومية وطابعه الاصطلاحي مع بداية التوسع الأوروبي خارج القارة في منتصف القرن السادس عشر ليس فعلا جديدا خاصا بالحضارة الغربية وحدها، إنما مارسه قبلهم الإغريق والرومان والعثمانيون، لكن ما يضفي على الكولونيالية الأوروبية الحديثة هذه الصبغة الفريدة هو تسخيرها للتكنولوجيا الحديثة لصالحها. في ظل وجود سفن سريعة ووسائل مواصلات وجيوش حديثة ونظم إدارية أكثر كفاءة أصبح بإمكان الأوروبيين إرسال مستوطنيهم إلى أراضٍ بعيدة بين حضارات وثقافات مختلفة دون أن يفقدوا اتصالهم بأرضهم الأم، ودون أن تفقد الدولة الأوروبية سيادتها على الأراضي الجديدة مع الوقت.

مصطلح الكولونيالية وهو متعارف عليه عربيا بمعنى بالاستعمار.

https://www.ida2at.com/the-concept-of-colonialism-how-to-enslave-the-world-by-the-name-of-freedom/

 

[17]  فكرة ملخصها أن يفسح المجال للفرد فيقرر ويحقق مصيره دون تدخل الدولة والتقرير بدله حول مصلحته . وفكرة الفردانية مناقضة لفكرة الاستبداد حيث تعلو الدولة على الفرد . ولقد تبلورت فكرة الفردانية في القرنين الثامن والتاسع عشر . كما يعتمد اقتصاد المبادرة الحرة على فكرة الفردانية : إذا ما سعى كل فرد من أجل مصلحته تتطور الأمة بكاملها، وتهمل هذه النزعة مصلحة المجتمع والأمة لصالح الفرد قاموس المعجم الوسيط بتصرف

 

[18] / رضا داوودي اردكاني، رسالة في باب التقليدي والتجدد،  (طهران: ساقي، ط 1، 1384)، ص 96 ـ 97.

 

[19] الاستغراب ابحاث العدد 12/ ما بعد الاستعمار /دراسة للباحث الإيراني البروفسور أحمد رهدار مسعى/السنة الرابعة - صيف 2018 م / 1439 هـ

 

[20] فسّر علماء الأعصاب في العصر الحديث الضمير بأنّه أحد الوظائف الدماغيّة التي طوّرها الإنسان خلال التاريخ، لتسهيل السلوكيات الموجهة لمساعدة الآخرين، في سد احتاجياتهم والقيام بوظائفهم، دون توقع مكافآت خاصة في المجتمع، وهو بتلك الصيغة مجرّد توصيف لمجموعة من المبادئ والمشاعر وسياق متكامل من القيم التي تحكم الإنسان، فيكون سلوكه جيداً تجاه الآخرين، ويعمل عمل الميزان بالنسبة للحس والوعي، لتمييز الصواب من الخطأ مع توجيه النفس ناحية الصواب.

[21] الموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء السوفياتيين، ترجمة سمير كرم، طبعة دار الطليعة، بيروت، ص 282

[22] https://www.facebook.com/psy1991/posts/

الميولمحاولة-تعريفالميول-والدوافع-هي-قوى-داخلية-تمتاز-بالبساطة-والعمومية-وتُفترض/769352829770270

[23] لاستغراب العدد الأول ، أزمة المعرفة - عندما يفتقر الغرب إلى فن العيش.

[24] العلمانية تعني الدنيوية، وغير الروحانية، والتحرر من قيود القساوسة أو الرهبانية، وتعميم الملكية، وتخصيص الأمور على غير الروحانية، والخروج من عالم الروحانية (فيما يتعلق بالقساوسة)، وعبادة الدنيا، والانغماس في المادية، وإضفاء حالة من الدنيوية إلى العقائد أو المقامات الكنسية. المصدر: د.عباس آريان بور كاشاني، فرهنك كامل انكليسي فارسي، المادة (ATH)

[25] الدين والظمأ الأنطولوجي/ د.عبد الجبار الرفاعي/ مركز دراسات فلسفة الدين/ دار التنوير للطاعة والنشر .

 

[26] يحيى محمد ـ بحث في علم الطريقة ـ http://www.fahmaldin.net.

 

[27] كنز الكراكجي، مستدرك الوسائل ١١: ٢٠٦ ح ١٢٧٥١

 

[28] أصول المعارف الإنسانية ـ الشيخ محمد تقي مصباح يزدي ـ جمعية المعارف الإسلامية الثقافية ـ ص ٣٦

[29] الشهيد محمد باقر الصدر، رسالتنا

 

 

 

 

-------------------------------------------------------------------------------------

- كاتبة وباحثة في الفكر الديني والسياسي.

- كاتبة في عدة مجلات فكرية وسابقا في جريدة القبس الكويتية

- بكالريوس ميكروبيولوجي ومساند كيمياء حيوي

- ماجستير علم اجتماع سياسي وعنوان البحث " المرأة والعمل السياسي في الحضارات والأديان - التكون والصيرورة ."

- مشاركة في عدة مؤتمرات قدمت خلالها عدة أوراق بحثية منها :

- تأثيرات العولمة على الحركات النسوية(الانثوية )

- المرأة والعولمة الفكرية

- الشيعة وعلاقتهم في الدولة

- الحسين وصناعة التغيير

- الحراك النسائي في الربيع العربي

- المرأة وإشكاليات العمل الاجتماعي

- الأخلاق في الفكر البشري

- القانون والضبط الاجتماعي

- هويتي من يصنعها

- التسارع والتباطؤ المعرفي

- النخبة والصفوة بين تأليه الجهل وصناعة الوعي

- العالم والمثقف وأزمة الحضارة

- تأملات معرفية

- التجديف خارج عالم المعنى: الأثر والمآلات

- الأوبئة وسؤال الهوية الأخلاقية

- الأوبئة والعلم والدين والمقدس

وغيرها من الأوراق التي نشر كثير منها في مجلات دورية فكرية .

 

المؤلفات : 

-في قضايا التجديد والمعاصرة( دار القارئ - مركز عين للدراسات والبحوث المعاصرة).

-التغيير والاصلاح مطالعة في التأسيسات والمقومات والإشكاليات ( دار الانتشار العربي ) ٢٠١٩. 

- المثقف وجدلية القهر والاستبداد ( دار الانتشار العربي)٢٠٢٠.

- عقلنة الثورة وتأصيل النهضة : محاولة لقراءة الواقعة من زوايا مطلبية معاصرة( دار الانتشار العربي)٢٠٢١.