فيما يلي مقالة من ثلاث حلقات يتناول فيها المفكر اللبناني د.محمود حيدر مآلات العلمانية كمفهوم و حدث تاريخي  حكم الحضارة الغربية على امتداد خمسة قرون خلت ، كما يتطرق إلى الأسباب التي أدت إلى عودة سؤال الدين والحديث عن فكرة ما بعد العلمانية ...

 

الحلقة الأولى

ما الذي بقي من مفهوم العلمانية؟

د. محمود حيدر*

إلامَ كل تلك الضوضاء التي لم تنته الى مستقر في التعرُّف الى العَلمانية؟

لكأن الخائضين في المفهوم استشعروا المستحيل بإزاء خطب يصعب العثور على محل له في الإعراب. فلاسفة ومفكرين وعلماء اجتماع صرفوا العمر حتى يجيئنا منه بخبر يقين، ومع شقّت عليهم الخاتمة. كلما طُرِقَ بابٌ لإدراك مغزاه تفتَّحت أبوابٌ وغُلِقت آُخرَ. كما لو اننا غدونا في لُجّة لا تكاد تكمل دورتها المعرفية لتنتهي عند نقطة ما، حتى تعود القهقرى الى المبتدأ.

تلقاء المفهوم، نرانا وسط عالم مكتظٍّ بالإلتباس. ولو زدنا لقلنا: إن العلمانية شأن كثرة من نظائرها، مفهوم تشابه على النظّار لفظُه ومعناه ومجالُ استعماله، حتى لقد أوشك بحكم الاشتباه والتشابه أن يصير غير قابل للفهم. ولو مضينا في المجاز لظهر لنا مفهوم العلمانية أدنى الى جسم مسحورٍ يتبدّل ويتحوَّل، ينثني وينبسط، يستغلق على الإدراك أو ينفسح عن بيِّنة.. وكل هذا بحسب ما لدى كل ناظر إليه من رأي أو حكم. ولأن هذا سمتَه، فهو يدعوك الى متاخمته قصد التعرّف إليه. والذين نقدوه وجادلوه أو اولئك الذين اتخذوه شريعة سياسية، مَضَوْا، كلٌ بقَدَرهِ، في فتنة القول. والعلمانية مثل أي مفهوم غامض ومثير، ينطوي على إغواء ما. وبفضل هذا الإغواء انت محمول على السؤال. وإن لم تأتك الإجابة حُمِلتَ على الحَيرة. وقد جاء في الأثر المستحدث ان المفهوم غالباً ما يسري بشاغليه الى غير اتجاه: إما الى التحيُّز إليه، وإما الى ذمِّة وإبطال شرعيته، أو إلى الرضى بما يختزنه من تآويل لا انتهاء لها.. أنت تعرف أن كل ما يستدعي الالْتباس يستحث على التعرّف. لذا سيكون عليك ان تبتدئ بمساءلة كل ما هو ملتبس من دائرة البداهة. وحالذاك ستقول: ما عاد للكلام من فائدة على مفهوم أمسى الكلام عليه ضَجِرَاً لكثرة ما حظي به من مداولة. قد يقال –وفي القول صواب – إن مثل هذا المدعى ينطوي على الشيء وضده: من ناحية لهذا الزحام من التعاريف التي نالت العلمانية منها حظها الأوفى. ومن ناحية موازية لذاك السعي الى الكشف عن مفهوم لا يزال حاضراً في حل الحضارات المعاصرة وترحالها. أما حاصل الناحيتين فعلى أوجه:

من المشتغلين بالمفهوم من ظن للوهلة الأولى أنه أحاط بسرِّه بما توافر له من معارف الحداثة وتجاربها. ومنهم من اعتصم بالسؤال وظل على ريب من الإجابة، ومنهم من استحبَّ التساؤل ورضَي به تسديداً للعقل، وتقاية للفكر، وترحيباً بكل تأويل.. وأما من أخذته العجلة، فقد أقرَّ المفهوم ثم راح يفصِّله على قياس نظامه الإيديولوجي.

* * * * *

انها فتنة المفاهيم، تلك التي غالباً ما تمسك بناصية الفكر لكي تستفسره عن أصلها وفصلها وسيرَّيتها. ولو كان علينا اتقاء الفتنة، لوقفنا قليلاً على التمييز بين المفهوم والمصطلح والتعريف فلو قيل ان المفهوم، صورة عقلية تتكون من الخبرات المتراكمة للإنسان. سيقال إن -المصطلح، مفتاح العلم بالشيء وفهمه يعد نصف العلم. وعلى ما يقرر الخوارزمي. فالمصطلح يدل على اتفاق القوم على وضعية الشيء، أما التعريف فهو عبارة عن ذكر شيء تستلزم معرفته معرفة شيء آخر.

خاصيتا التجريد والتعميم تقع في أصل المفهوم، أما المصطلح فإنه يركز على الدلالة اللفظية للمفهوم. والمفهوم اسبق من المصطلح. فكل مفهوم مصطلح وليس كل مصطلح مفهوم. لكن كل مفهوم ينحت حدثاً ويعيد نحته بطريقته الخاصة كما يبيّن الفرنسي جيل دولوز إذ أن عظمة كل عمل فلسفي أن يعقد ميثاق تواصل مع الوقائع التي تستحثنا مفاهيمها على معرفتها. بحيث تجعلنا تلك المفاهيم قادرين على التعامل مع الماهيات التي تُدرك هوياتها من وقائعها الحية. ولما كانت العلمانية أمر ماهوي لها مصاديقها في الخارج فإن لفظ المفهوم بالنسبة إليها أعم من لفظ ماهية، إذ أن كل ماهية مفهوم وليس كل مفهوم ماهية. ولم يَفُت أهل الحكمة أن يلاحظوا في السياق عينه، ان بعض المفاهيم قد تكون ماهيات حقيقية، وبعضها الآخر مفاهيم اعتبارية.

وإذن، لا تُدرَكُ العلمانية أو تعرّف إلا في حقل التأوين. أي في الزمان والمكان المحددين اللذين اختبرت فيهما.

بالمعاينة إذاً، تدرك المفاهيم. وما ذاك إلا لأن العقل يدرك موضوعاته بطريقة مجردة أو كحاصل للتجربة. وعليه تكون المعاينة مثابة فهم لواقعة حدثت، ثم تحولت الى ظاهرة سارية في التاريخ. كذلك هو حال العلمانية، فإنها لم تصِر مفهوماً إلا من بعدما استحالت جسماً طبيعياً ينمو ويفعل داخل الجغرافيات الثقافية للحداثة الغربية. ولو قيل إن الارتباط بين المفهوم وواقعه، هو أشبه بالترابط بين المادة والصورة، فالحقيقة هي أن أحداً لن يتسنى له التعرف على سر المفهوم ما لم يعاين صورته الفعلية. فالمادة والصورة وإن كانتا حيثيتين تتميز كل منهما عن نظيرتها، إلا أنه لا يوجد أي انفصال بينهما في عالم الخارج؛ ذلك لأن حيثية المادة - كما تقول الحكمة- ليست سوى مجرد قبول الأثر، بينما تمثل حيثية الصورة عين الفعلية. وإذن، فإن مجال الاستعمال هو الذي يمنح الظواهر ماهيتها وهويتها الفعلية. ولو جاز لنا التمثيل لوجدنا أن فكرة العلمانية لم يكن لها ان تتحول الى مفهوم إلا من خلال حادث او ضرورة تاريخية. لهذا السبب راح فيلسوف اللغة فتغنشتاين يدعو الى عدم السؤال عن المعنى بل الى السؤال عن النتائج المترتبة على استعمال الشيء الذي نبحث له عن معنى. أي عما سمَّاه آخرون من بعده بـ "البحث عن معنى معنى الشيء"، لا عن اللفظ والمصطلح اللذين يلتحقان بوظيفة هذا الشيء في الحياة الواقعية.

* * * * *

لنبحث إذاً عن معنى العلمانية في حقل الاستعمال. أي في المحل الذي لا ينفصل ما بالذهن عما هو حاصل في الواقع...

يعرض المفكر الألماني لاري شاينر ستة تعريفات للعلمانية، هي: أفول الدين، والتناغم مع هذه الدنيا، وتحرر المجتمع من قيود الدين، وتحول المعتقدات والمؤسسات الدينية، وسلخ القدسية عن العالم، والسير من المجتمع القدسي الى المجتمع العلماني. لكن في ضوء الجذر اللغوي والمسيرة التاريخية للعلمنة، يبدو تعريفها بـ "التناغم مع الدنيا" و"أصالة الشؤون الدنيوية" تعريفاً عاما ودقيقاً للعلمانية. ذلك أن "التحول الى الدنيوي" في الأدبيات الفلسفية والعقلانية الغربية يعني التحول الى الـ "هنا"، والى الحال، والى الأرضي، اي أن الوجود في علم الوجود ( الانطولوجيا) ينحصر في العالم المادي المحسوس، بينما تترك عوالم ما وراء الطبيعة، والآخرة، والله للنسيان.

صحيح ان المجتمعات العلمانية لا تستأصل البعد الدينوي والروحاني، لكنها تموضعه في أنحاء جديدة غير متعالية ثم تنزله الى أدنى مراتب الاهتمام الأخلاقي. ذلك أن همها الأول والأخير تعظيم الذات الفردية واستقلالها المفرط عن أي معيارية أخلاقية تنظم الإجتماع البشري على مبدأ الرحمانية والعدل. وهذا ما يؤدي الى أن يفقد العقل دوره في تحكيم الجدالات الأخلاقية وألا يقبل أي شيء معياري خارج التحكيم الشخصي. حيث لا يحق لأي شخص آخر غير الذات أن يسعى إلى إملاء أي شيء حول طريقة سلوك الفرد في المجتمع. وهذا ما يسميه تشارلز تايلور  "إيديولوجية إنشراح الذات" épannouissement de soi الشديدة القوة في الثقافة الغربية المعاصرة، التي استمدت قوتها من عصر الأنوار ونالت دعماً من الليبرالية، فتشكل لديها تصور للكائن البشري على أنه محور الكون.

تبدو المعاينة على أتمها متى نقدت العلمانية من أهلها. من المتأخرين من مضى شوطاً أبعد في انتقاد الحداثة بصيغتها المعلمنة.

بين الحداثة والعلمانية استيلاد على وجهين متبادلين.

منحت العلمانية الحداثة روحها الفلسفي وصراطها السياسي. وعلى سبيل رد الجميل بالجميل راحت الحداثة تنتج سماءها المعرفي، فكانت العلمانية برؤاها وتقنياتها حاضرة لتؤدي هذه المهمة. لم تلبث العلمانية أن تحولت الى ميتافيزيقا تلهم الدولة والمجتمع والمؤسسات وتسددها. لم تأمن مجتمعات الحداثة الى العلمانية لمَّا استحالت لاهوتاً يصدر أحكامه بلا هوادة. حتى إذا آنت ثورة النقد تهافت اليقين، وآل كل شيء الى حضرة الشك. ويومها قال الذين اكتووا برمضاء الخيبة: "علمانية التنوير ماتت، الماركسية ماتت، وكذلك حركة الطبقة العاملة. وأما  المثقف فإنه أوشك على الموت أو  بات لا يشعر بأنه على ما يرام.

فلاسفة التنوير هم أول من افتتح مغامرة النقد ونزع الغطاء عن معايب الحداثة. الفيلسوف  أدموند هوسرل سبيلاً سيمهِّد الى مثل هذه المغامرة. وكان يقول: "إن من دواعي التفلسف ان تكون مع التراث وضده في الآن عينه". فقد عُرِف عنه انه مذ مضى في سفره التفكيري كان يتوجه الى نفسه بالسؤال التالي: الدوام، كيف يمكنني أن اهتدي الى منهج يمنحني الخيط الذي أسير عليه لكي أبلغ العلم اليقين[1]. ومع انه كان من وَرثَة ديكارت إلا انه أخذ عليه قصور منهجه الرياضي في الكوجيتو. ودليله أن التفلسف فضاء لا متناهٍ لا تحده حدود المعادلات الصمَّاء.

مارتن هايدغر سيمضي الى حيث لم يقدر عليه الأولون من قبله. رأى أن الحداثة لم تفلح

في انتاج ما يتجاوز ميتافيزيقا الإغريق. وإن اليونان مذ حددوا الخطوط الأساسية لفهم الوجود، لم تتحقق خطوة جديدة من خارج الفضاء الذي ولجوه للمرة الأولى[2].

لم يكن هايدغر لينحو هذا النحو، لولا أن بلغ نقده للحداثة حداً بات معه على دراية بما انتهى إليه مشروعها من صدوع لا ينفع لترميم فخّارها المتصدع نقدٌ ذاتي أو تبريرٌ إيديولوجي.

تطورت موجة النقد في أحقاب متأخرة لتجد أن ثقافة المجتمع الرأسمالي، وفي القلب منها ثقافة العلمنة، قد تعرضت لهزّة حاسمة في "بنية المشاعر". اما تجليات هذه الهزّة فكانت في حدوث تحول درامي ليس فقط في الشعور لدى إنسان الزمن العلماني المابعد حداثي، وإنما أيضاً وأساساً في طرق إيمانه ومناهج تفكيره وتحيزاته الإيديولوجية، ناهيك عن انماط النشاط العام في السياسة والاقتصاد والاجتماع والسلوك الفردي.

في مقام التفكير الفلسفي جرت وقائع الموجة المشار إليها من خلال توجيه ادانة عارمة للعقل المجرد، وكرهٍ عميق لأي مشروع يستهدف تحرير الإنسان. حتى ان شخصاً في مقام البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لم يكن يرى الى الماركسية والعلمانية الليبرالية باعتبارهما موجة مستقبلية، وإنما بوصفها فلسفتين رجعيتين فقدتا رونقهما وعفا عليهما الزمن. مبعث حكم كهذا يتأتى من الأزمة الأخلاقية التي وَسَمت علمنة عصر التنوير ولما تنته الى يومنا هذا. فإذا كان صحيحاً ان العصر المشار إليه قد أتاح للإنسان تحرير ذاته من تقاليد العصور الوسطى، إلا أن إصرار علمانييه على إحلال تلك "الذات محل المتعالي" قاد الى تناقض ذاتي، حيث تُرك العقل مجرداً من الحقيقة الإلهية ليتحول الى مجرد أداة ومن دون هدف روحي أو أخلاقي.

من هذه الزاوية لم يرَ جمع من فلاسفة ونقاد ما بعد الحداثة إلا أن علمانية بهذه الصفات، لا ترقى لأن تكون قيمة أخلاقية متسامية. وهو ما بيَّنه الفيلسوف الأميركي جون راولز لما قال إن العلمانية ليست قيمة أخلاقية أو مفهوماً للخير، على الرغم من أنها تشكل إحدى قيم العدالة لجهة دعوتها الى حرية الاعتقاد لدى الأفراد.

من يؤمن بعد بأسطورة العلمنة؟

هذا السؤال المفارق والمثير في آن، هو ما يفتتح به المفكر الأميركي من أصل اسباني خوسيه كازانوفا كتابه المعروف "الأديان العامة في العالم الحديث" . لكنه لا يلبث أن يستدرك ليمنح السؤال مفعوله الايجابي. فلقد رأى أن السجالات التي يشهدها علم اجتماع الدين في الآونة الاخيرة تدل على أن هذا السؤال هو الملائم لمباشرة أي نقاش يجري حالياً حول نظرية العلمنة. ولكن، رغم إصرار بعض من يسميهم بـ"المؤمنين القدامى" على أن نظرية العلمنة تتمتع حتى الساعة بقيمة تأويلية لدراسة السيرورات التاريخية الحديثة، فإن السواد الأعظم من علماء اجتماع الدين لن يعيروا هذا الرأي آذاناً صاغية، لأنهم تخلوا - بحسب كازانوفا - عن هذا النموذج، مثلما تبّنوه سابقاً في عجالة وعلى غير تدبر نقدي.

ومع أن الدخول الى فكرة العلمنة والسفر في عوالمها، لا يزال ينطوي على حذر لافت بين مفكري وفلاسفة الغرب، فلا ينفك  التعامل مع هذه الفكرة في البلاد العربية والاسلامية بمنهج نظر يشوبه التبسيط والاختزال.

إن ما هو جدير بالاعتناء وجوب معرفة حدود التمايز بين العلمنة كمفهوم نظري والعلمانية كما هي في حقل الاختبار والتجربة التاريخية. فإذا كان المفهوم هو على الدوام معيار البناء المعرفي لدى النخب التاريخية في العالمين العربي والاسلامي، فإن مفهوم العلمنة نفسه لم يتحدد بوضوح إلا وفقاً للاختبارات الميدانية وخصوصيات التجارب. فالعلمنة في الغرب ليست واحدة، ولا هي جرت على النشأة نفسها في البلدان المختلفة التي شهدت ثورات الحداثة ابتداءً من القرن الرايع عشر. ففي كل بلد أوروبي أخذ بالحداثة سبيلاً له كان للعلمنة فيه نسقُ يناسب هويته وثقافته وجغرافيته المعرفية.

الثورة الفرنسية على سبيل المثال أطلقت سياقاً خاصاً في سيرورة العلمنة. قد يكون هو السياق نفسه الذي حمل نخب البلدان المستعمرة في القرنين التاسع عشر والعشرين الى الأخذ بالنسخة الفرنسية للعلمنة كوسيلة لبناء مدائنهم الفاضلة.

أما في أميركا وبعض أنحاء أوروبا، فإن نزع القداسة عن العالم والمجتمع تمّ على نحو يكاد يخلو من الصدام مع سلطة الكهنوت الفكرية والسياسية، وهكذا أفضى هذا النزع الى ظهور ضرب من العلمانية من نوع خاص ومركب، ما حدا بالفيلسوف الفرنسي الكسيس دو توكفيل الى أن يرى في التناغم الحاصل بين الدين والسياسة احدى كبريات ركائز الديمقراطية في أميركا.

ويمكن أن نلاحظ في السياق نفسه كيف أن بريطانيا العظمى ليست اليوم بأقل حداثة أو أقل "دَنْيَوَة" بالنظر الى أن الديمقراطية تتكيَّف فيها تكيُّفاً افضل مع سلطة روحية معترف بها، أو الى أن الملكة ما فتئت تضطلع بوظيفة مزدوجة حيث تترأس الدولة وتترأس الكنيسة في الآن عينه.

لعل أهم ما في العلمنة انها اكثر المفاهيم التي انتجها الغرب قابلية للتأويل. فهي لا تنضبط عند تعريف واحد. قد تكون نظرية العلمنة هي النظرية الوحيدة التي استطاعت الارتقاء الى وضعية نموذجية ضمن العلوم الاجتماعية الحديثة. فلقد اجمع كل آباء الحداثة والتنوير على تبنّيها: من ماركس ومن قبله، الى أوغست كونت وهربرت سبنسر الى دوركهايم وماكس فيبر، ناهيك عن كانط ومن عاصره، الى نيتشه وفرويد وسواهم. وفي الواقع فقد بلغ هذا الإجماع مبلغاً لم تعد العلمانية فيه تتعرض للتشكيك، بل لم تبرز الحاجة، على ما بدا، الى اختبارها، لأن الجميع سلّموا بها، ما يعني أن هذه النظرية، أو بالاحرى مقولة العلمنة، بالرغم من كونها المقدمة المنطقية غير المعلنة للكثير من نظريات الآباء المؤسسين، لم تخضع لدراسة رصينة، بل ولم يحدث ان صيغت صياغة صريحة ومنهجية. ومهما يكن من تعدد مناحي التأويل، فثمة ما يشبه الاجماع على ان مفهوم العلمنة نشأ من الجدل الذي شهدته عهود الحداثة حين راحت تقوم بإجراءات التمايز والفصل بين النطاق الدنيوي الزمني للدولة وبين الايمان الديني.

ثمة من يرى الى العلمانية بما هي نظام فكري مترابط ظهر بعد عصر النهضة بوصفه مفهوماً ورؤية كونية يختلف عن المفاهيم والرؤى التي كانت حاكمة للقرون الوسطى. أبرز عناصر هذا المقفهوم بحسب الثقافة الشائعة عنه: الاهتمام بالانسان وقيمته المعيارية في الزمان والمكان. وكذلك الاهتمام بالعقل ومنحه صلاحيات لا متناهية في ادراك الحقائق. وان الحكم النهائي في الحياة البشرية يرجع بحسب هذه النظرية الى العقل وحده.

مهما يكن من أمر فإن مدار العلمانية سيأخذ صفته التاريخية كمفهوم وكبنية معرفية في لحظة الاحتدام التي شهدتها ازمنة الحداثة الغربية مع المؤسسة اللاهوتية.

بعض التعريفات ينظر إلى المسار التكويني للعلمانية، والتي يفترض خلالها انتقال الحقوق والوظائف، وحتى صلاحيات الكنيسة، للأنظمة غير الدينية. وثمة من يرى العلمانية بما هي نظام فكري مترابط، ظهر بعد عصر النهضة بوصفه مفهوماً أو رؤية كونية، ويتمحور حول الإنسانية، والعقلانية، والتجربة.

لكن السؤال في الغرب اليوم يعود ليتجدد حول مآلات العلمنة. وهو سؤال يبدأ من نقطة الانتهاء بالذات. أي من المنطقة المعرفية الكلاسيكية التي وضعت العلمانية على الطرف النقيض للدين. ليظهر من الفلاسفة والمفكرين الغربيين من يستهل الجواب بضررة التمييز بين مفهوم العلمانية والنظرية السوسيولوجية للعلمنة. حيث يرى جمع من هؤلاء أن هذا التمييز هو أمر جوهري بسبب من تعدّد ابعاد المفهوم وتناقض دلالاته في ساحتي النظر وحقول الاختبار.

هل ثمة في عالم القرن الحادي والعشرين من أفق لإجراء حساب شامل مع العلمنة بما يعيد وضع المفهوم على نصاب المصالحة مع الايمان الديني؟

سؤال فيه الكثير من المخاطرة..  لكنه سؤال جائز بأي حال...

 

* مفكر وأستاذ في الفلسفة واللاَّهوت المقارن.

- رئيس مركز دلتا للأبحاث المعمَّقة – بيروت.

[1]- E,ltusserl, MéditatiomsCartésiennes, Introduction à la [hénoménologie

[2]- Heidegger, Nietzsche1, op, p. 469.