النخب الثقافية و أزمة وعي التجديد*

لا شك ان اختزال النقاش في الفوارق و الخلافات  والقاسم الانعزالي إضعاف للتنمية الثقافية لدى أي أمة، دون التركيز على الأسس المشتركة و الركائز الأساسية في تجديد الفاعلية الثقافية لدى إنسانها و الأجيال الصاعدة، كون أن النخب لدى هذه الأمة في الكثير من الحالات، تبقى بعيدة عن الجواب على المشاغل الحقيقية لدى أبنائها . مما يخلق أزمات تزداد استفحالا يوما بعد يوم، لأن النخب تغرد بعيدا عن الواقع، و عليه يضعف النقاش الثقافي العام، و تتعمق الهوة بين المثقف والفقيه من جهة و جماهير الأمة و شبابها خصوصا من جهة أخرى!!

المشهد الثقافي و أزمة الوعي:

مع كل تحدي ثقافي يواجهه الاجتماع العربي العام، يحتدم الجدل بين النخب، و الذي يعكس أزمة الوعي الموجودة و القائمة منذ عقود، وليست وليدة اليوم، إلا أنها تفاقمت في العقدين الأخيرين ، بشكل لا يضر فقط بالمشهد الثقافي، ولكن كذلك بمناهج النقاش و مسارات التجديد في بناء هذا المشهد. وأعتقد انه أبرز صورة لذلك هي الحركات الإجتماعية و الاحتجاجية كظاهرة سوسيوثقافية جديدة، لم تحسن النخب بكل توجهاتها قراءتها و مقاربتها، بل إنها في كثير من الأحيان، تجاهلتها أو عجزت عن صياغة فهم لخلفياتها و آفاقها و وانعكاساتها على المستقبل العربي، هذه التوترات لدى النخب زادت من المفارقات في اللغة و التحليل و المقاربة و النقد و التطلعات، ناهيك عن تغليب البوليتيك على الثقافي مما أوجد أزمة وعي أنتجت عدم الثقة في الخطاب الثقافي و الرؤى النخبوية.

النخب و أزمة وعي التجديد:

 النخب في أي اجتماع تعتبر المرجعية الثقافية الاساسية و البنيوية لكل المشاريع الهادفة للنهوض بالتنمية الشاملة و التي تنعكس آليا في الفعل الثقافي العام للإنسان و على جميع صعد الحياة، ما يعني أنها  مسؤولة في جانب كبير عن إدارة الأزمات..
أعتقد أن الطبقة المثقفة في العالم العربي بلا استثناء، كثيرا ما تبقى بعيدة عن موضوع الجواب على الأزمات الحقيقية للإنسان العربي، والتي يمكن تلخيصها في أزمات التعليم و العمل و السكن والصحة و الإدارة، مما زاد المأزق الحضاري العربي تعقيدا، نظرا لغياب علاج سليم لأزمة الوعي المتكامل، ويكفي هنا الوقوف عند التناقضات المسجلة في مواقف النخب، ومن ضمنها النخب الدينية، التي انشغلت بالتجاذبات والصراعات الطائفية، بمواقف متناقضة ومتضاربة، هاربة من الجواب عن الأسئلة الملحة في تجديد الوعي الديني المناسب للوعي الحضاري المنشود... وهناك عنصر آخر أعتبره مدمر للوعي الثقافي، إلى جانب التداخل بين الدين و التدين من جهة، و الاستراتيجية الثقافية و إدارة أزمة الوعي من جهة ثانية، وهو ما أسميه النخب المتعددة الأبعاد، اعني التداخل بين الفعل الثقافي و المال و البوليتيك والإستشارات، و الذي اعتبره الفيروس المحرف لدور النخب الثقافية في بناء الوعي السليم و المتكامل للقواعد الشعبية، إذ يصبح مع هذا الفيروس الفعل الثقافي للنخب شكليا لا غير، و رد الفعل المقاولاتي في ورش المال و المناصب و الإستثمارات هي الحقيقة .
هذه الأزمة في الوعي الثقافي العربي، تجعلنا نستنتج أن المثقف و الفقيه يحتاج إلى مراجعات معمقة لماهية المسؤولية و الدور و الفعل في حقل الثقافة، لأن المناعة الثقافية لأي نظام اجتماعي يريد أن ينهض حضاريا، هي تجاوز أزمة الوعي و إدارتها لبناء الرأي العام الناضج الذي يحمي الخيارات الاستراتيجية ويحتضن التطلعات الجامعة ويشكل صرح قيم الثقافة الحضارية لهذا النظام الإجتماعي.

بين تنمية الوعي و وعي التنمية:

 من أوجه المعضلة الثقافية العربية أو مثلما يسميها المفكر المرحوم مالك بن نبي مشكلة الثقافة، الخوض في جوانب التنمية عوض التداول في قضايا الوعي الثقافي الجوهرية. وللتذكير لقد ناقش كل من مالك بن نبي و مهدي منجرة و ماجد الغرباوي و غازي القصيبي مفتاح بناء الوعي المتمثل في تفكيك مشكل الثقافة، مؤكدين أن التنمية قبل أن تكون تقنيات و أدوات هي وعي ثقافي ذاتي و مغاير يضم الأبعاد الإنسانية في الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع واستشراف المستقبل.
و الأكيد في المستوى الإستراتيجي، لا يوجد نظام تنموي قوي ومستدام، بدون وعي قوي، يتمتع بالحرية المسؤولة و المعرفة المتكاملة و الفاعلية الهادفة للصالح العام و الاختلاف المغني للتعاون، والقادر على إدارة الأزمات.

محنة المثقف و الفقيه مع التجديد:

مع الأسف، توجه العديد من أهل التجديد من النخب الثقافية في العالم بالدعوة إلى التجديد المؤسس على الوعي و بدون خجل أو توجس من الصخب و صيحات حراس المعابد الوهمية، إلا أن الغالبية قاطعها آنذاك و إلى اليوم، دعوات من طنجة و الجزائر و تونس والقاهرة و بيروت و بغداد و دمشق و الخرطوم و القطيف والرياض و مسقط، حيث شارك كل من المثقفين الأكاديميين و علماء الدين من جل المذاهب الإسلامية  في مناقشة معضلة ثقافة الوعي بخيار التجديد، وانعقدت مؤتمرات و لقاءات طرحت رؤى و خطط و مقاربات توفرت على كل شروط الموضوعية و الواقعية، بل حرص الجميع في اهتماماتهم و انشغالاتهم على أن يكون الوعي لحظة مكاشفة ومصارحة من زاوية الحرص المشترك على مستقبل الأمة.

 تنمية الوعي الذي نرجو

تعريف المثقف أو الفقيه يتحدد و يتبلور بالوعي الذي ينتجه، لأن المثقف أو الفقيه الذي لا يرسم معالم و ابعاد صياغة وعي متجدد و يعتبر نفسه فيلسوف الوعي، للأسف ماهو سوى سمسار لمشكلة الثقافة ونواة أزمة بناء الوعي وللأسف هذا حال الكثير من النخب، عوض أن ينفتح على الواقع  و يناقش في إطار شراكة التجديد، ينطلق من الاستغراق في الشكليات و الهوامش دون خدش جوهر أزمة الوعي الحقيقي؟!  الوعي المرتجى، يختزل في قيم و مبادئ ومناهج و آليات تضبط الخيارات و مساراتها، من أجل إبطال القابليات للتضليل و التوظيف ضد التنمية الحقيقية التي محورها كرامة الإنسان و مسؤوليته وتكامله النفسي و العلمي و العملي.

 تنمية الوعي كوظيفة مركزية في الفعل الثقافي للنخب تعني تيسير الفهم ورفع الغموض عن الأشياء و الوقائع و التحديات التي غالبا لا تكون واضحة بما يكفي، لدى قمة الهرم وقواعده. و هذا لا يعني التخندق و لا الوساطة، و إنما تعبيد الطريق أمام التعاون الإبداعي، هنا تقع مسؤولية المثقف و الفقيه، مسؤولية حضارية و نابعة من روح ثقافية متألقة بالقيم و المبادئ، تساهم في رسم مناهج التدبير والتجديد و الاصلاح، وهذا هو الدور الذي يمنح النخب الاستقلالية في الموقع و الفعل الثقافيين، لتبسيط و تيسير التفاهم والحوار الجاد حول قضايا التجديد و التنمية، إذا غاب عنها النقاش الموضوعي، إنه طبيب الوعي كل من المثقف أو الفقيه!!

 النخب بين التزاحم و التفهم:

أعتقد أن أساس مأزق الوعي لدى العديد من النخب و الذي يشكل عنصر كبح للتحول التجديدي، هو الاشتغال و المناقشة و الردود بمنطق المزاحمة، وهذا يظهر في الانتقادات الانفعالية الهادفة ليس لمناقشة الرأي بالرأي و إنما المزاحمة في الفضاء الاجتماعي، دون محاولة التفهم من أجل تجديد الوعي، وهذا ما يبرهن على رهانات التجديد الجامد او الموهوم لدى رواد التزاحم..

 وهذا الخلط سواء كان عن قصد او لا، لاريب أنه عن لاوعي و إلا  المسمى وعي لكنه وعي تزاحم و تشنج و ضوضاء على حساب  مصلحة الأمة من تعثر تجديد الوعي التنموي والنهضوي. إنني أعتبر أن مسألة الوعي جوهريا هي مسألة تفهم، عكس ما يمكن أن يروج له من أن الوعي هي فقط مزاحمة الضد.
هذا هو المأزق التكويني الذي حدث في صناعة وعي الإسلاميين و العلمانيين على حد سواء في العالم العربي، حيث  كان هناك كبح إيديولوجي للتصور العام عن التجديد  يستمد فاعليته من زيوت التزاحم بدلا عن مرطبات التفهم،
أعتبر أن المسؤولية الكبرى في كبح نمو الوعي التجديدي في ربوع الأمة، تتحمله نخب التزاحم، من جراء انسدادات منهجية تعطل خيارات التفهم لديها،، وهذا الواقع يمكن أن يتجاوز عبر تنمية الوعي بأهمية التفهم في بناء التعاون التجديدي الإبداعي لدى النخب، فعوض التفكير بمنطق التزاحم و وضع العصا في عجلة التجديد، يتم اعتماد مقاربة التفهم التي تضع في المقام الأول مصلحة الأمة التي تتأسس على تجاوز أزمة وعي التجديد، وليس من زاوية مصالح النخب  الثقافية المتزاحمة و المتصارعة بلا أدنى وعي للأزمات المحققة بإسم المصالح الوهمية...

*غريبي مراد، كاتب و باحث في الفكر