العلم والدين والمقدس

 

إيمان شمس الدين

 

يعتبر الدين أهم وسيلة لتقويم العلم ومنحه قيمة جديرة به، ويعلمنا كيف يمكن إخضاع الكون إلى ما نأمله من العيش الكريم.. فلو رجعنا إلى الوراء وفحصنا عن الجذور الأولية لجميع ما وصل إليه الإنسان من المعارف الكونية عامة لوجدنا نواتها الأصلية تتبلور في تعاليم الرسل المرتبطين بما فوق الطبيعة، لأنهم هم الذين نبهوا الإنسان على أن الطبيعة وشؤونها إنما خلقت لتخضع له وتكون واسطة لوصوله إلى أقصى كماله الممكن[1].

 

قال تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون"[2]

 "الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار"[3]

وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"[4]

"ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير"[5]

 فالنتائج العلمية تنشأ من مقدمات حسية وتجريبية، ولا يمكن اعتبار هذه المقدمات معصومة عن الخطأ، وذات حقائق مطلقة غير عرضة للنقد والخطأ، فالعلوم وإن كان بنية نظرية قابلة للتبرير موضوعيا، إلا أن الأصل في هذه البنية هو أن تكون صامدة أمام النقد واحتمالات الخطأ، وهو ما لم يثبته أي عالم طبيعيات إلى الآن.

 

 

هذا فضلا عن أن المنهج في العلوم الطبيعية يختلف في أدواته وآلياته عن المنهج في الدين وأدواته، فمثلا تهتم العلوم الطبيعية بعلوم الرياضات والأحياء والفيزياء، وتدرس ميكانيزماتها وتكتشف القوانين التي تحكم مساراتها، ولكن هذه العلوم لا تجيب على تساؤلات مثل: ما معني العدالة؟ وما معنى التضحية في سبيل الحق والعدل؟

 

فالجدل بين الدين والعلم نشأ نتيجة عدم معرفة حدود العلم وحقيقة الدين، فدراسة الحواس والآلات التي تكشف عن الحقائق والحوادث الواقعة في الكون، حيث لا يشك أحد من العلماء في أن النتائج المحصلة من الحواس، تكون عبارة عن أمور محدودة نسبية لا تعالج الحقائق على ما هي عليها ولا تزال الأفكار تجتهد في الفحص عنها ليلا ونهاراً عبر المختبرات ..فليس للحواس نتاج سوى ارتباط حقيقة ناشئة من مناخ خاص عبر الحاسة المستشرفة عليها، بقيود تتحكم فيها، وليس لها أن تدعي حكما مطلقا لتلك الحقيقة، حيث أن العقول البشرية تؤكد على استكشاف طريقة للوصول إلى الحقائق المطلقة[6].

 

فالدين: مجموعة المعتقدات من العقائد والتكاليف والأخلاقيات التي لا يكون للحياة من دونها أي مفهوم ومعنى سوى حب الذات والأنا، وهي الأنا التي جعلت مسيرة الإنسان عبر التاريخ غير قابلة للتبرير والتفسير بسبب عجزه المخجل عن تعديلها. إن الدين يعني معادلة راقية في الحياة ومعرفتها والحركة فيها على أساس التبعية إلى الكمال المطلق والتعرض لجاذبيتها والعمل على طبق الإدراك.

 

العلم: هو الارتباط الكشفي للحقائق بواسطة المشاهدة والتجربة والإدراكات الداخلية، التي يمكن تسمية أنواعها بالشهود والحدس وما إلى ذلك. ومن البديهي حيث يكون اكتشاف الحقائق نسبيا، فإن الارتباط العلمي بها يكون بدوره نسبيا"[7]

وإن للدين - بمعناه الذي يستوجب الاهتمام الفطري به من الإنسان – رؤية كونية تنبني على:

أولا: وجود خالق لهذا الكون وكائناته معنيٌّ بها عامة وبالإنسان خاصة – من خلال رسالة بعثها إليه -.

ثانيا: أنّ الإنسان ليس كائنا ماديا يفنى بالممات – على حدِّ ما يتراءى من سائر الكائنات الحية الأخرى – بل هو كائن حيّ خالد، وما الممات إلا مرحلة من مراحل وجوده تنفصل فيها روحه عن بدنه لتعود إليه في موعد لاحق، وأن سعادته وشقاءه حينذاك ترتبط بأعماله في الدنيا؛ "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" الزلزلة (٧-٨).[8]

لكن مقابل هذه الرؤية الكونية هناك رؤيتان أخريان:

الأولي: لديها جزم بأن الإنسان متروك لحاله، بحيث لا يتجاوز أثر أعماله ما يلقاه في الحياة من آثار نفسية وسلوكه، أو ما يتلقاه من ردود أفعال الآخرين الإيجابية والسلبية، ولا وجود لواقع وراء ذلك.

وفي هذا الصد هناك اتجاهان: الاتجاه الإلحادي المنكر لأصل لوجود الخالق، والإتجاه الربوبي المعترف بوجود خالق، لكنه ليس معنيا بتوجيه ورعاية الإنسان.

الثانية: معروفة باللاأدرية: تتبنى موقف التردد في أمر حقيقة الحياة ونشأتها وموقع الإنسان فيها، فلا تجزم بنفي أو إثبات، فتحتمل صحة الرؤية الدينية، كما تحتمل صحة الرؤية الإلحادية أو الربوبية[9].

 

وتتداخل في موضوع الدين وحقيقته مفاهيم كالمصلحة الذاتية، والأنا والمصلحة العامة، وقوانين العلاقات ومنطلقاتها، والضوابط التي تحكم علاقة الإنسان بذاته ومحيطه، والفواصل التي تفصل بينهما، بل التداخلات التي إما أنها تحقق العدالة، أو تكون منشأ للصراعات بين البشر، خاصة فيما يتعلق بالقوة والنفوذ والهيمنة، ومدلولات هذه المفاهيم وتمظهراتها الخارجية.

 

لذلك السير في الحياة المعقولة لا يمكن أن يتحقق دون الاتصاف بالدين والعلم والحكمة (الفلسفة). لأن الحياة الإنسانية وفق الرؤية الدينية حياة هادفة، تم تخيير الإنسان فيها بين طريق المعرفة والفضيلة أو طريق الجهل والرذيلة.

 

 

 

 

 

إن الحياة المعقولة – كما يراها الشيخ محمد تقي جعفري – تمثل نوعا من الحياة تصل فيها جميع الطاقات والاستعدادات في وجود الإنسان – في حدود الإمكان – إلى مرحلة الفعلية، من أجل تلبية حاجاته المادية والمعنوية، وهذه هي الحياة التي أطلق عليها القرآن الكريم الأسماء التالية:

 

  • الحياة الطيبة، قال تعالى في سورة النحل، ٩٧:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة".
  • الحياة القائمة على البينة: أي الحياة القائمة على مبنى الدليل والبرهان. قال تعالى في سورة الأنفال، ٤٢: "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة"
  • الحياة الحقيقية: في قوله تعالى في سورة الأنفال ٢٤: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاك لما يحييكم".[10]

 

يقول أندرو ديكسون وايت: ".. بأن وازع ما بعد العقلية، أول عنصر من عناصر المعتقد الديني بل نواته، وأنه الضابط الذي يضبط علاقة الفرد بالجماعة، في كل حالة من الحالات وتحت تأثير أي ظرف من الظروف، على أنك تجد في النظام الاجتماعي قوتين متضادتين تتنازعان بقاءه: قوة مفرقة، وقوة مؤلفة، فالقوة المفرقة يمثلها عقل الفرد الأناني المحب لذاته، والقوة المؤلفة يمثلها معتقد ديني يستمد مما فوق عقلية الفرد، وتنحصر وظيفته في أن يحتفظ في تطور الجماعات بإخضاع مصالح الأفراد ومطامعهم لصالح الكل الاجتماعي. وأن الدين في طبيعته ضرب من ضروب المعتقد يهيء الإنسان بوازع مما فوق عقليته، يضبط سلوكه نحو المجموع.

فإذا أيقنا بعد كل هذا أن الإنسان كائن معتقد كما هو مجتمع، وأن الدين من بين كل معتقداته هو الذي يهيئه بوازع ما فوق عقليته؛ استطعنا أن ندرك أن الخصومة الموهومة بين الدين والعلم مستحيلة، وإلا فلو كان بين الدين والعلم خصومة وعداءٌ، لتحطمت قواعد العلم قبل أن يهتز ركن واحد من أركان الدين. فالدين ثابت لا تتغير ماهيته وإن تغيرت مظاهره، وهو فوق صفة غريزية تلازم طبيعة الإنسان مادام قد تكوَّن ليكون إنسانا فيه من التكوين الطبيعي، ما يجعل الدين ركيزة أثبت في نفسه من ركيزة العلم. وعلى هذا لا يمكن أن يكون بين الدين والعلم تجالد وتصارع، لأنهما – على الرغم من الفوارق الطبيعية الكائنة بينهما والتي تجعل للصراع بينهما مجالا – يستمدان من ناحيتين متباعدتين من نواحي التكوين الإنساني."[11]

فالعلم هو مصداق من مصاديق القوة والقدرة في بعدها المادي والذي يجب أن يرفد البعد المعنوي للإنسان، فنحن في صراع أدمغة وصراع غايات، بين تسخير العلم واكتشاف الطبيعة كوسيلة لخدمة الانسان، وبين الهيمنة على الطبيعة وجعل العلم غاية للهيمنة على البشرية وإخضاعها لموازين القوى القوية علميا، لأن العلم بات ينتج ما يمس حاجات الإنسان غالبها الأساسية، وبعضها الكمالية، مثل الأدوية والأجهزة والتكنولوجيا والتقنيات بكافة أشكالها ومن ضمنها الحربية والعسكرية والأسلحة.

والاكتشافات العلمية الهائلة والمتسارعة أشعرت الإنسان بقوة ولكنها قوة معجونة بكبرياء لا يشوبه الشعور بالعجز، ومحدودية المعرفة، هذا الكبرياء الموهوم دفعه في كثير من الأحيان - بل غالبا - للسعي إلي بسط نفوذه، والهيمنة بحجة امتلاكه مركز العلم ومفاتيحه، حيث يكمن فيه حاجات الناس.

ولعل ما ذهب إليه سقراط ذلك الفيلسوف الذي وصل صدى أفكاره واسمه عبر التاريخ، رغم البعد الزمني الذي يفصل بيننا وبينه، يكشف عن حجم عجز الإنسان مهما امتلك من علوم فهو يقول:

 

" قد انتهى علمى إلى أن علمت أني لا أعلم شيئا"[12]

 

فالرؤية المعرفية الدينية تذعن بالإدراك العقلي للإنسان وثوابته، فللعقل مساحاته التي يحكم فيها بطريقة لا لبس فيها، ويكون إدراك الإنسان فيه سليما لا لبس فيه، لكن هذه الرؤية ترى – رغم ذلك – عن عدم استغناء الإنسان في معارفه عن الحاجة إلى إسعاف معرفي، لعدم تمتع كل الناس بنفس القدرات العقلية في فهم الخالق والصانع واكتشافه بشكل جازم وبسيط، لذلك وجدنا ناسا يعبدون الشمس والكواكب والأشخاص والأصنام. هذا فضلا عن أن بعض الحقائق الأخرى المتعلقة بمصير الإنسان الآخروي، والتي تعتبر حقائق خطيرة ومهمة يتعذر الانتقال إليها أصلا، أو إدراكها بشكل عقلي مستقل عن الإسعاف المعرفي.

 

والدين من مصادر الاسعاف المعرفي الهامة للعقل، حيث إما يلعب دورا في تأكيد ما وجده الإنسان بعقله في مقابل الخرافات والأوهام ـ كتأكيد المرجعيات الدينية ما أقره الأطباء بخصوص الوباء، بالتالي البناء عليه في وقف بعض المستحبات الدينية – أو يوقظ الإنسان على بعض ما شاهدته حواسه من أمور، لكن لم يدركه عقله كما يجب بحيث لا ينتقل إلى دلالاته وغايته الواقعية، فيأتي الدين لينقل إدراك العقل من خلال ما شاهده بحواسه، ينقله إلى الدلالات الصحيحة الواقعية، أو أنه العقل لمحدوديته يعجز عن إدراك ما يجهله من شؤون ما وراء الطبيعة، مثل الآخرة، والتي يتعلق فيها مصيره الخالد الحتمي، فيأتي الوحي ليطلعه على تلك المفاهيم، وينقله إلى دلالاتها ولوازمها، أو أن الدين يرسم للإنسان حدود إدراكته واستطاعته العقلية في الإدراك بحيث أن هناك أمور غيبية لا توجد أدوات واضحة لديه في شأنها، هذا فضلا عن اختلاف النشأة المادية عن نشأة الآخرة مما يصعب المقايسة بينهما، بالتالي يمكن أن يتيه عقل الإنسان فيها فيضل. وهذا لا يعني أن الدين يقمع العقل، أو يمنعه من التدبر والتفكر والإعقال والاكتشاف، بل هو يرافقه في طريقه كالطبيب الذي يحميه من المرض.

 

لذلك يعتمد الإنسان في معارفه على التعقل والتعبد، فالأول يكون في مساحة الإدراك العقلي الواضح، والثاني يكون فيما وراء المدركات الواضحة، وهي قضايا المنطقة الرمادية غير الواضحة عند العقل الإنساني.

" فمن توسع في التعقُّل في غير المساحة التي يكون من شأن التعقل إدراكها وقع في الوهم والاشتباه، ومن توسع في التعبُّد إلى المساحة التي هي من شأن العقل إدراكها وقع في الخطأ أو الخرافة، ومن أخذ بكلٍّ موضعه وأحله محلّه فقد أصاب".[13]

 

 فعى سبيل التوضيح لو استخدمنا المعلومة كوحدة قياس فإن الفرق بين ما نعرفه وما لا نعرفه قد يبدو – بل هو كذلك – سيكون لا نهائيا، لأن القسمة ستكون على ما لا نهاية، ومن المعلوم أن المعرفة بالشيء تكون بالإجابة على خمسة أسئلة:

ما هو؟، كيف؟، ولماذا؟، ومتى؟، وأين؟ فهل وصلت معارفنا لنجيب في كل باب علم في الطبيعيات على هذه الأسئلة، بحيث نحيط في كل باب إحاطة كبيرة الإجابة؟

إن وباء كورونا يمكنه الإجابة عن هذا التساؤل، وهو وباء أظهر عجز الإنسان بشكل جلي، في القرن الواحد والعشرين، حيث تعتبر البشرية قد وصلت مرحلة متقدمة من التطور التكنولوجي، لدرجة بات كثيرا من العلماء يعتقدون أنهم تمكنوا من الإمساك من زمام الكون.

الدكتورحيدر أحمد اللواتي بعد أن قام بعمليات حسابية حول مدى معرفة الإنسان بمكونات المادة، وإجابته على الأسئلة الخمسة، يصل في نهاية هذه الحسابات إلي نتيجة مفادها: أنه لو قمنا بعمليات حسابية بسيطة وبشكل بدائي حول معرفتنا بالمادة ومكوناتها، للإجابة على الأسئلة الخمسة، فإن معرفتنا بهذا الكون المادي ستقدر بحوالي ٠.٨ ٪ وهذا يعني أن أمامنا ٩٩.٢٪ من الكون لا يزال مجهولا.[14]

 

 والصراع قائم غالبا على قوة العلم وحدوده وقوة الدين وحدوده، وامتلاك القدرة في كل منهما وحدود قدرة كل منهما، وغايات امتلاك هذه القوة، وكيفية تقديم نموذج حضاري لا يتعارض فيه الدين مع العلم، ليس فقط على مستوى التنظير بل على مستوى التطبيق، وبعيدا عن الأساطير والخرافات والأوهام.

 

"فمع العلم تدور القوة وجودا وعدما، ولربما كان ذلك العلم – لو تُرِكَ غير مُلْجَم – سبيلا يؤدي بالإنسانية إلى الدمار. ولكن قوته الذاتية كفيلة للإنسان بالسمو على الدمار، إذ هو إلجام العلم – في التطبيق – بالقيم الضابطة. والتي مصدرها الأول هو الدين بمعناه العام أولاً، وبمعناه الإسلامي بصفة خاصة"[15]

 

فالعلم قيمة مجتمعية أساسية، لكن تحتاج إلى الضبط القيمي الذي يقدمه الدين، والذي يجعل من قوة العلم قوة منضبطة في نفع الإنسان، وليس الأحقر قوة في تدميره.

 

والمقدس والدين مفهومان مترابطان تاريخيا، فدائما نجد الدين ممزوجا ببعض المقدسات، كما نجد المقدس تُضْفى عليه مقولات دينية، ولعلك لا تجد دينا بلا مقدس فيه، وقد ظل هذا التصاحب بين الدين والمقدس قويا وحاضرا.[16]

 

وفي ذات الوقت تمثل بعض الرموز وخاصة الدينية مصدر إلهام وقوة للمؤمنين بها، وهو ما لا ينكره شخص حول أهمية الرمز الديني في بث الفاعلية والانفعال العاطفي خاصة في نفوس الناس وأثره الاجتماعي، وإضفاء جو من الطمأنينة الخاصة فرديا، والعامة اجتماعيًا، تحقق الاستقرار الفردي والاجتماعي خاصة في الأزمات الفردية والاجتماعية وعلى مستوى الدولة، ولكن فهم هذه الرموز وطريقة توظيفها ووظيفتها وحدود هذه الوظيفة بقي جدلا معرفيا عبر التاريخ.

 

فالانفعالات الدينية تظهر عندما يرتبط الأفراد انفعاليا بالرموز الدينية في سياق مجتمع ديني.. فالدين يتضمن أشياء مقدسة عديدة مفعمة بدلالة انفعالية، فالرمز يمتلك بذاته عظمة عميقة، كونه صلة رمزية وروحية للاتصال بالسماء. لكن تحويل هذه الرموز إلى مراكز قوى خارج إطارها المعنوي الديني، وإدخالها في نظام الأسباب والمسببات، ومبدأ السببية الذي أوجده الله في الكون، كجهة وحيدة مهيمنة تغني الإنسان عن الأخذ بالأسباب الطبيعية كقوة خارقة، هو تشيئ مادي سطحي، منشأه الكسل العلمي من جهة، والتخلي عن المسؤوليات العظمي في مواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها الإنسان في عالم الدينا.

 

فلا يمكننا الاستغناء عن الرموز الدينية لدورها الفاعل والحقيقي على مستوى الفرد والمجتمع، وهو دور معنوي بامتياز، يربط الإنسان بالله، ويبث في روحه الطمأنينة والتسليم، من خلال ما يمثله الرمز من صورة ومنهج وطريقة يلجأ لها الإنسان للاعتبار والاتباع ويستمد منه القوة والثبات، ويعطيه البصيرة في كيفية السير في هذه الدنيا، وكيفية توظيفها باتجاه القوة العادلة.

 

فلا يمكن للرمز الديني أن يتدخل أو يأخذ دور العلم الطبيعي، إلا في حدود التوجيه العام الذي يدعم مسار العلم، ولا يمكن للعلم الطبيعي أن يتدخل في الدين ودوره ودور رموزه وأيقوناته إلا في حدود ضيقة، هي حدود يكمل فيها كل منهما الآخر، ويدعم كل منهما مسيرة الآخر، فالمنبع لكليهما واحد، ولكن المنهج مختلف كاختلاف الحكم لاختلاف الموضوع، مع توافق الجوهر بينهما.

 

وبغية التحليل الأكثر دقة للأهمية الانفعالية للعلاقات بين الرموز والفئات الاجتماعية، فإن هناك مصطلحين هامين في هذا الحقل هما التقديس (consecration) والاستلهام (insignation). ونقصد بالمصطلح الأول العملية التي بمقتضاها يشرع مجتمع ديني و / أو نخبة شيئا، شخصا، رمزا، شعيرة الخ بوصفه علامة دينية تربط المجتمع وتساعد على تحديد هويته، ويؤدي القادة الدينيون الرسميين واللارسيمين دورا مهما في التقديس، فإن الرموز بمجرد تقديسها تنشئ قوتها الخاصة، وهو ما قد يحقق في النهاية توازنا مع قوة القادة أو يفوقها – القادة الذين تصبح قوتهم آنذاك مشروعة بواسطة الإشارة إلى تلك الرموز. والرموز المقدسة إنما تساعد على تحديد النظام الانفعالي للجماعة الدينية، والعمل بوصفها نقاطا لبؤرة انفعالية، وتوصل معايير الانفعال الخاصة بالمجتمع، وتحديد هوية الجماعة. أما الاستلهام عملية يتحرك بمقتضاها أي مجتمع ملهم برمز ديني؛ أي هو العملية التي بمقتضاها يعاد تقديم الرموز واقتراحها.[17]

 

وعملية ترميز المقدسات سواء كانت أماكن أو شخصيات، عملية يتولاها غالبا قيادات دينية، هذه القيادات تستمد قوتها ونفوذها من المجتمع ومدى تفاعله معها، ليشكل تفاعل المجتمع معها قوة يمكن استخدامها بطريقة مزدهرة أو متقهقرة في فهم الدين والمقدسات. وقد يكون بعض القادة الدينيين يخضعون في توجههم ومعتقداتهم للعوام، كون العوام هي السلطة التي يستمد منها هؤلاء مركز القوة، لتمكينهم من فرض رؤاهم وقراءتهم للدين والمقدسات.

ولذلك تتسم أطروحاتهم بالشعبوية بشكل عام، وتتداخل في كثير من الأحيان مع تخصصات العلوم الطبيعية من خلال مبدأ السوبرمان. وهو مبدأ مخيال شعبي لمعنى القوة، وفاعليتها الخارجية دون الحاجة لإبراز جهد عقلي وجسدي في سبيل الكشف عن الواقع، ومواجهة الإشكاليات التي يواجهها المجتمع والدولة، سواء مشكلات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو صحية.

 

رغم أن دور المقدسات والرموز الدينية دور فاعل جدا ومهم في بعث الانفعال الديني والإنساني، وفي تشكيل مفهوم الصبر الاستراتيجي والثبات والاستقرار الفردي والاجتماعي وفي الأزمات الكبرى والصغرى، الفردية والاجتماعية، على مستوى دولي أو إقليمي أو عالمي، إلا أنها لا يمكن أن تأخذ دورا شموليا يغني عن الأدوار والوظائف الأخرى، ولا أنها كالعصاة السحرية والسوبرمان في فرض الحلول الخيالية أو حلول بالقوة.

هي غالبا تبعث الروح والانفعال العاطفي وتوظف الضوابط القيمية والأخلاقية، وتخلق روح المسؤولية الفردية والاجتماعية في مواجهة الأزمات، وتوائم بين الحلول المادية والمعنوية التي تحقق التوازن العادل للفرد والمجتمع والدولة والعالم.

فهي أحد أطراف العلاج والحل في بعده المعنوي الاستراتيجي الفعال، الذي يفعل البعد الرابع في عناصر المجتمع وهو العلاقة المعنوية الضابطة للعناصر الأخرى، دون أن تعطل دور العقل والعلم في مواجهة التحديات كافة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والعالم.

 

الأوبئة (كورونا)[18] والدين والمقدس:

 

أبرز وباء كورونا COVID19 مجددا جدل العلم والدين والمقدسات، والعلم والأخلاق في التعاطي مع الإنسان في الأوبئة.

 فإذا حكمته معايير الأرض تجعله مجرد شيء وسلعة يتم التعاطي معها وفق فائدتها المادية، فهنا تصبح القوة غاية تتحكم بمصير الإنسان بغياب العدل، لأن أصحاب النفوذ هم أصحاب القرار، وهو من يمتلكون قوة العلم والتنفيذ والتقنين، بالتالي يصبح مصير الإنسان المشيئ، مصيرا عرضة للانتهاك والظلم.

وإذا حكمته معايير السماء (وفق نظام الإنسان المتأله) وهي معايير جامعة بين الأرض والسماء (مادية ومعنوية)، تم التعاطي مع الإنسان كإنسان له حق عام وعليه واجبات أيضا. لأن القوة هنا وسيلة لتحقيق ميزان العدل، وإعطاء كل ذي حق حق، فيصبح من يملك القوة والنفوذ والعلم والتقنين، يستخدمهم وسيلة لتحقيق العدل، ورفع البلاء، والظلم وفق معايير منضبطة.

‏المعايير المادية العلمية في الأوبئة تعطي كل التحذيرات والتعليمات، وتشخص كل المحاذير التي على الانسان اتخاذها لحماية نفسه من المرض، وتشخص بعد ذلك من خلال العلوم الطبيعية الدواء، أي التشخيص هنا واكتشاف الدواء وتفاصيل العلوم الطبية هي بيد العلم،  وتطبيق هذه المحاذير والعلاج يكون بيد الإنسان واختياره، فتأتي المعايير السماوية لتفرض حقوق للجميع بالتساوي في موضوع التداوي من جهة، وتفرض واجبات على الجميع في موضوع وجوب الالتزام بإرشادات المختصين من الأطباء لعدم انتشار الوباء من جهة أخرى، فتحمل الإنسان مسؤولية أخلاقية وشرعية، وتعتبره مأثوما إن خالف، أي هي تمارس دور الرادع الذي يدعم مسيرة الأطباء العلاجية، دون أن تتدخل في منهجهم الطبي أو تشخص العلاج.

فالدين هنا لا يتدخل في العلم ولكنه يسانده ويدعمه ويأنسنه أكثر، والمقدسات هنا دورها كمحددات للهوية وملهمات للمنهج، تبث الأمل وتثبت دعائم الإيمان وتدفع باتجاه الأخذ بالأسباب، وتربط الإنسان بالسماء ليستمد قوته وثباته منها بوسيلة مهمة هي الصبر والثبات، مما يزيل حالة الهلع، ويثبت دعائم الاستقرار على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، ويخفف من الضغط النفسي الفردي والاجتماعي، بالتالي يخفف من الضغط على الدولة، ليشيع حالة من الهدوء العام تستطيع فيها الجهات المختصة والمعنية، تدعيم مسيرة امتلاك القوة لتحقيق العدل والعدالة.

فهي من جهة تحمي الإنسان وحقه في الحياة وتمنعه من التهاون بهذا الحق، وتحمله مسؤولية حياته وحيوات الآخرين، وتضع له معايير شرعية في كيفية التعامل مع الوباء، ومن جهة ثانية لا تتدخل في عمل الطبيب وتشخيصه ومنهجه في العلاج، إلا من ناحية المعيار الأخلاقي الذي يوجب على الطبيب حفظ حيوات كل الناس دون تقصير، ووفق سعته وطاقته حتى لا تحمله مالا يطيق، فتكون جامعية بين معايير الإنسان ومعايير الله في طول بعضها البعض، فلا الغاء لعقل الانسان، و لا إلغاء لمعايير السماء وأحكامها التي تحفظ تحقيق العدالة، فهي  تحمي تفكير الإنسان بمعايير الله لتحقيق العدالة وعدم الظلم، وامتلاك قوة منضبطة كوسيلة لتحقيق هذه العدالة لأن: "كلا إن الإنسان ليطغى".[19]

 

الشعائر والأوبئة:

 

تعتبر الشعائر من المقدسات في مرتكز الفهم العام، لأنها ترتبط بالأمر الإلهي الذي يتم التعرف عليه من خلال التشريعات، وهذه التشريعات يتم النص عليها من قبل مصادر التشريع المعتبرة وهي القرآن، والسنة النبوية.

وقد أسلفنا أن أصل إقامة الشعائر الدينية أمر إلهي واجب، ومن الشعائر إقامة العزاء في عاشوراء، وقد نصت عليه روايات كثيرة تفيد الإطمئنان، وقد أشرنا إلى هذا الموضوع سابقا.

 

وأشرنا أيضا إلى أن الأصل هو إقامة العزاء، أما طرق العزاء فخاضعة لاعتبارات كثيرة، فلم تحدد الشريعة طريقة محددة للعزاء، إلا أن القدر المتيقن هو البكاء على الإمام الحسين ع، وإظهار الجزع، أما شكل إقامة العزاء، أو كيف يظهر الإنسان الجزع، لم يتم تشخيصه وتحديده من قبل المُشَرّع.

 

ومع انتشار الأوبئة والجوائح التي يؤدي كثير منها إلي موت المصابين بها، يتصدر المشهد الجدلية بين الشعائر والأوبئة، بحيث يعيق انتشار الأوبئة إقامة كثير من الشعائر، بسبب الاحترازات الصحية التي تفرضها الدولة، لمنع انتشار المرض بشكل كبير، فتمنع بذلك التجمعات، وقد تفرض حظرا كليا أو جزئيا كإجراءات احترازية للتقليل من انتشار الوباء.

 

وفي ظل انتشار جائحة كورونا COVID19 تم إغلاق كثير من المواقع الدينية، ومنع الزائرين من التردد عليها، حتى لا تتعرض حيوات الناس إلى الخطر، ولا يتم الضغط على المنظومة الصحية للدولة، فتعجز بعد ذلك عن علاج المصابين، فتتعرض حيوات الأبرياء للخطر، كما حدث في كثير من الدول أثناء جائحة كورونا، فمثلا فريضة الحج والتي فيها أغلب الشعائر المذكورة قرآنيا، وبسبب وباء كورونا تم منع الحجاج من خارج الدولة للحج في عام ٢٠٢٠م، وتم الاقتصار على الحجاج الداخليين وبأعداد محدودة وضمن اشتراطات صحية شديدة منعا لانتشار الوباء، وكذلك أغلقت المراقد ومنها مرقد الإمام الحسين ع، لتجنب انتشار الوباء.

 

وعندما جاء محرم وهو الشهر الذي وقعت فيه واقعة كربلاء، واستمرار وجود الجائحة، ومع استحباب زيارة الحسين ع في خصوص بعض الأيام ومنها العاشر من محرم، فإن ذلك أحدث جدلا كبيرا حول التزاحم بين الشعيرة (المقدس) وحياة الإنسان. ومع وجود البدائل كالفضاء الافتراضي المجازي، وإمكانية إحياء مجالس الإمام الحسين ع من خلال هذا الفضاء، ظهرت توصيات بإقامة المجالس عبر الفضاء المجازي والتزام البقاء في المنازل حفاظا على الصحة العامة، وعلى المنظومة الصحية من الانهيار، أو اقتصار إحياء المجالس بشكل مباشر على عدد محدد ووفق اشتراطات صحية صارمة.

وتراوحت الآراء بين:

  • إصدار توصيات من المرجعيات الدينية بضرورة الالتزام بتوصيات الجهات الطبية في تشخيص الموضوع، وقد أقرت هذه المرجعيات الدينية بناء على توصيات الجهات الطبية على البقاء في المنزل، وإقامة العزاء عن طريق الفضاء المجازي.
  • إصدار توصيات من المرجعيات الدينية، بضرورة إقامة العزاء إما من خلال الفضاء الإفتراضي، أو من خلال المراكز المتخصصة، ولكن شريطة الالتزام بالاشتراطات الصحية وعدم جواز التخلي عن توصيات الأطباء.
  • مرجعيات دينية، وعددها قليل جدا، رفضت إقامة العزاء في المنازل كليا، لعدم اعتباره ذلك تحقيقا لإقامة الشعيرة وهي إقامة العزاء عن الإمام الحسين ع، بل حثت على ضرورة حضور مجالس العزاء مع الالتزام بالاشتراطات، إلا أن بعضها لم يلتزم.

 

والجدل هنا بين علاقة العلم بالمقدس، حيث يتم توسعة مفهوم المقدس وتعميم القداسة من الأصول المقدسة الحقيقية، إلى توابعها كأفراد وأشخاص وأشياء وممارسات، بحيث تصبح القداسة هنا بمعنى التعالي على النقد والتقييم، رغم وجود إدراكات ووعي وتفسيرات تخالف هذه القداسة.

فمثلا إقامة الشعائر من تقوى القلوب ولها قداستها، ومنها إقامة العزاء للإمام الحسين ع، فالأصل إقامة العزاء، ولكن كيفية إقامته ليست لها قداسة بذاتها، لأن الكيفيات تخضع للتبدلات، وللثقافات، وللأعراض الطارئة، فإقامة العزاء تتم بطرق ووسائل مختلفة، تحقق الأصل والمطلوب والغاية، فإن كان في موضوع الوضوء في حال وجود جرح ومع احتمال تأخر برء الجرح باستخدام الماء، أو تحقق ضرر واقع على الجرح نتيجة استخدام الماء، فإن الشرع ينقلك إلى التيمم حتى لا يقع ضرر محتمل عليك، وهذا في واجب كالوضوء، فإن من باب أولى أيضا مع احتمال الضرر الذي يهدد حيوات الناس، أن يقام العزاء وفق معطيات الواقع، فالأصل إقامة العزاء وهو من الشعائر، ولكن آليات قيام العزاء تتم بأوجه مختلفة، ومع وجود موانع تهدد حياة الإنسان فالأولى الحفاظ على حياة الإنسان مع الحفاظ على إقامة العزاء، بحيث يمكن الجمع بين كلا الأمرين، دون وقوع خطر يهدد المجتمع ويثقل كاهل الدولة، ويقوض أمن واستقرار المجتمع الصحي.

 

وحتى مع إقامة العزاء في الأماكن المخصصة، فإن المراجع الدينية أكدت على ضرورة الالتزام بالاشتراطات الصحية وبتوصيات الجهاز الطبي المختص بهذا الشأن، والالتزام أمر عقلي بديهي لا يحتاج توصية دينية، إلا أن التوصية تأتي كتأكيد لعامة الناس حتى تزيد من تحصين المجتمع وحمايته من الوباء، وهذا التأكيد يعطيه بعد شرعي، يجعل الالتزام به واجبا، ومخالفته هو مخالفة لأمر واجب في الشرع، لما يترتب على المخالفة من مفسدة لا تطال الفرد وإنما المجتمع بأسره.

فحضور العزاء في الأماكن العامة مع وجود ضرر كالوباء، يوجب من الحاضرين الالتزام بالاشتراطات العامة، والالتزام بتوصيات الجهاز الطبي.

فالعلاقة هنا بين المرجعيات الدينية والجهاز الطبي، علاقة تكامل لا تداخل، حيث أخضعت المرجعية الناس للمتخصص في موضوع الوباء، ولعبت هي دورا داعما لتشخيص الطب، من خلال فتاوى تلزم الناس بالاشتراطات الطبية والتوصيات الصحية، وتجعل مخالفتها إثم يحاسب عليه الشخص، لأنها تمس حياته وحياة الآخرين، وتمس قدرة الدولة وثرواتها.

ودور المرجعية الدينية وموقفها يفترض في عقيدة المسلمين الإمامية أنه دور فعال، يأتي في طول دورالإمام المعصوم، بالتالي هي الممثل الشرعي للمعصوم ولشريعة الله تعالى، وإقامة شعيرة العزاء على الإمام الحسين ع، يوجب من عامة الناس الرجوع إلى ممثلي الإمام الحسين ع في تشخيص المصلحة، والالتزام بتوصياتهم هو التزام بمنهج الإمام الحسين ع ممثل الشرع.

ولم أجد مرجعية دينية طلبت من مقلديها عدم الالتزام بالاشتراطات الصحية، بل أغلب المرجعيات دعت للالتزام يتوصيات الأطباء في هذا الصدد.

نعم هناك من لجأ إلى عامة الناس لفتح المراقد التي أغلقت لأجل الحفاظ على حياة الناس ومنع انتشار الوباء، لكن المرجعيات الكبرى كان موقفها واضح جدا.

 

إذا في الأوبئة حينما تتزاحم المواضيع بين قيام الشعيرة وحياة الناس، تقدم حياة الناس، ولكن لا تعطل الشعيرة، بل يعاد النظر في آليات إحياء الشعيرة بما يحفظ حيوات الناس، ويحد من انتشار الوباء.

 

فالدين في تطبيق العلوم الطبيعية وأدوات تطبيقها، يحفظ ميزان القوة العلمية ضمن معيار العدالة، ويكون دور المقدسات الدينية خاصة الرموز منها دور محدد للهوية التي تتشكل من منظومة القيم والمعايير والثقافة، ودور آخر هو ملهما للمنهج والمسار الأقرب للعدل، من خلال سيرة هذه الرموز ومنهجها وتاريخها لا من خلال تشييئها وتحويلها لقوى خارقة خارج نظام السببية الإلهية، تعميقا للكسل والتخدير الديني، والتخلي عن المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية والعلمية اتجاه الفرد والمجتمع والدولة.

فحينما يعتبر البعض في ظل الوباء أن الحسين ع هو الشافي من كل الأمراض، دون الأخذ بالأسباب، فهو اعتبار ساذج، مخالف لما أمرنا الله به، فالله أقام نظام الكون وفق مبدأ السببية، فالمرض له سبب والسبب مرتبط بالمسبب، ومعالجة المسبب أو منعه يؤدي إلى علاج المرض، ومن موانع انتشار المرض هو عدم الاحتاك بالناس والتباعد الاجتماعي لمنع انتشار الوباء بين الناس، أما الذهاب للمراقد الدينية ومخالفة أوامر المرجعيات الدينينة بضرورة الالتزام بتوصيات الأطباء، واعتبار أن الحسين ع سيمنع المرض عن الزائر، أو سيكون سببا في شفائه دون الأخذ بالأسباب والالتزام بالتوصيات التي تمنع المرض، فهو خلاف الشرع والعقل، ولا يقول به إلا بسطاء الناس. لأن التدرج الطبيعي هو أن تأخذ بكل الأسباب التي تمنع المرض أو التي تعالجه، وفي حال عجز الطب عن ذلك، فهنا "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة"[20] وفق شرطها وشروطها وهو ليس محل البحث هنا.

 

 أن جدل العلم والدين واقعا هو ليس جدلا، بل هو توزيع أدوار، فالعلم يشخص ويعالج ويكتشف، والدين يضبط ويدفع للالتزام والتطبيق، ويتدخل في حالة الطغيان العلمي واستخدام القوة العلمية في استعباد الإنسان ليمنع الاستعباد، ويوظف العلم والقوة كوسيلة لتحقيق العدالة وليس غاية بذاتها.

 

‏ لا يمكن للقداسة أن تتدخل في تشخيص العلم لواقع متعلق به، إلا في حدود أداء دورها المنوط بدائرتها واختصاصها.

ولا يمكن للوباء أن يكون حجة في سلب حق إنسان في الحياة، ولا حجة ليسلب منظومتنا القيمية والمعيارية والإنسانية، خاصة مع وجود احترازات كثيرة يمكننا القيام بها تحمينا من الوباء بنسبة ٩٠٪، ومع تسليمنا بمشيئة الله التي ستتحقق إذا كانت حتمية حتى مع أخذنا بالاحترازات والوقاية.

 

هذا التسليم الذي يحقق السلام الفردي والاجتماعي، ويخفف من الهلع والخوف، ويخلق بيئة اجتماعية وفردية آمنة من وباء الخوف التوتر، ومن وباء الكسل، ويدفع الإنسان لمزيد من العمل والأمل، بعيدا عن هواجس الموت والرحيل، ف "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"[21]، تندرج تحت التسليم الآخذ بالأسباب، الذي يأخذ بالأسباب ويسلم أمره لله، الذي يعقل ويتوكل، وليس الذي يرمي نفسه في التهلكة ويدعي إن أصابه شيء أنها مشيئة الله، فمشيئة الله وقضاؤه وقدره لها بعدان، بعد حتمي لا مفر منه، وبعد غير حتمي، يمكن تغييره باختيار وإرادة الإنسان. كحال الذي يتصدق ليدفع البلاء، فهل هو لا يسلم لأمر الله، أم هو يأخذ بالأسباب لدفع البلاء المقدر؟

إذا التسليم هو حركة إيجابية باتجاه الأخذ بالأسباب مع التسليم لله وأمره، وليس التسليم هو ترك الأسباب ورمي النفس بالتهلكة. ولا وظيفة الرمز المقدس التعطيل، بل دوره الدفع باتجاه العمل، وامتلاك القوة والاستلهام الإيجابي من شخصيته لمعالم تلك القوة، لتحقيق العدل الذي سعى هو بنفسه لتحقيقه.

 

‏ما يحدث يعيد سؤال الإيمان بالله ودور المقدس، وأثره على السلوك الإنساني كضابطة تحكم مسارنا في هذه الدنيا، الإيمان بالله الذي يبدل مسار تفكير الانسان، وبالتالي يجعل سلوكه أكثر حضارية وإنسانية، شريطة أن يكون هذا الإيمان دافع للحياة وحب الناس ولفيض الرحمة من القلب، وليس سلاحا بيد الطغاة والمتطرفين، ولا بيد من يسعى لامتلاك قوة حضورية لشخصه يستمدها بالاسترزاق باسم الدين، ليكسب ود عوام الناس بتبني ثقافتهم الشعبوية حول الدين والمقدس، فيحقق لوجوده حضورا مزيفا بالتخدير الديني، ويكون قاطع طريق أمام عقولهم ومخدرا لهم، ومعيقا لامتلاك القوة المحققة للعدالة.

 

هذه إطلالة سريعة تحتاج مزيدا من التنقيح والتعميق والبحث، لكن تسارع الحدث، وتساقط أوراق التوت عن وجوه كثيرة لعبت بعقول الناس باسم الدين، دفعني لعمل إطلالة قد تكون أفكار لاستثارة العقل والنقاش ولمزيد من التعميق في الفكرة والسؤال.

 

رسم توضيحي للعلاقة بين كل من الدين والعلم والمقدس، ويشترك كل منهم مع الآخر بأمرين:

 

  • الحفاظ على حياة الإنسان؛
  •  الحفاظ على منظومة القيم والمعايير.

 

 

 

 

 

 

   

 


[1] تعاون الدين والعلم يبحث عن حقيقة وحدود العلم، محمد تقي الجعفري، مؤسسة اثار العلامة الجعفري، ط٢، ١٤٣٥هـ، ص ١١

[2] البقرة ١٦٤

[3] إبراهيم ٣٢

[4] النحل ١٤

[5] لقمان ٢٠

[6] تعاون الدين والعلم يبحث عن حقيقة وحدود العلم، محمد تقي الجعفري، مؤسسة اثار العلامة الجعفري، ط٢، ١٤٣٥هـ، ص٢٠

[7] اللاهوت المعاصر، العلم والدين، (٢)، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ط ١، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩م، ص ١١

[8] حقيقة الدين، محمد باقر السيستاني، دار الكتب والوثائق في بغداد، ط٢، ١٤٣٨ هـ، ص ٢٣

[9] حقيقة الدين، محمد باقر السيستاني، دار الكتب والوثائق في بغداد، ط٢، ١٤٣٨ هـ، ص ٢٤ - ٢٥

[10] اللاهوت المعاصر، العلم والدين، (٢)، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ط ١، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩م، ص ١١، ١٢

[11] بين الدين والعلم تاريخ الصراع بينهما في القرون الوسطى، مؤسسة هنداوي للطباعة والنشر، ص ١٥

[12] العبارة تنسب إلى سقراط وهي معروفة في اللغات المختلفة، راجع علم الروح للأراني، ص٢٠١

[13] حقيقة الدين، محمد باقر السيستاني، دار الكتب والوثائق في بغداد، ط٢، ١٤٣٨ هـ، ص٣٥

[14] د. حيدر أحمد اللواتي، أستاذ في كلية العلوم في جامعة السلطان قابوس، محاولة أولية لتحديد كمية المعرفة البشرية للعالم المادي، الموقع الرسمي  لجريدة عمان، https://www.omandaily.om/?p=811377 تم الاطلاع  - ٣/ سبتمبر، ٢٠٢٠م

[15] زكي نجيب محمود، رؤية إسلامية (بيروت، القاهرة: دار الشروق، ١٩٨٧م)، ص ٦

[16] نصوص معاصرة، العدد ٨، المقدس والدين العلاقة الإيجابية والسلبية، الشيخ حيد حب الله، ص ٥

[17] سيسيولوجيا الانفعال الديني، أولي ريس وليندا وودهد، ترجمة ربيع وهبة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط ١، ٢٠١٨ بتصرف

[18] فيروس من سلالة واسعة من الفيروسات، التي قد تسبب المرض للحيوان والإنسان، ومن المعروف أن عددا من فيروسات كورونا تسبب لدى البشر أمراض تنفسية، وكورونا هو مرض معد تفشى في مدينة ووهان الصينية، في كانون الأول/ ديسمبر/٢٠١٩م، ومن ثم تحول كوفيد ١٩ إلى وباء عالمي في عام ٢٠٢٠م.

[19] العلق - ٦

 

[20] المائدة ٣٥

[21] التوبة،٥١