يقول أحد أعظم شعراء العربية/ أبو العلاء المعري:
جائِزٌ أَن يَكونَ آدَمُ هَـذا            قَبلَهُ آدَمٌ عَلى إِثـرِ آدَم
وَبَصيرُ الأَقوامِ مِثلِيَ أَعمى      فَهَلِمّوا في حِندِسٍ نَتَصادَم

هل كان أبو العلاء ـ قبل ألف عام ـ يقول بنظرية التطور الداروينية، على اعتبار أنه يرى آدم/ هذا (هذا: أي آدم الذي تنص عليه الديانات السماوية) ليس إلا النسخة الأخيرة من الإنسان؛ فمن قبله ـ حسب رؤية أبي العلاء ـ آباء مُتكرّرون، آدم يتلو آدم؛ عبر الأحقاب المتطاولة في تاريخ الحضور البشري على هذا الكوكب/ الأرض ؟

طبعا، لم يكن أبو العلاء يتصور الإنسان كما هو في الداروينية اليوم. لقد كان الأفق العلمي في عصر أبي العلا (363 هـ - 449 هـ ــ  973 -1057م) لا يسمح بتصور تفصيلي مؤكد/ مثبت علميا عن تاريخ الحياة والأحياء على الأرض. ولهذا، فقد تحوّل هذا الحدس التأملي المبكّر عنده إلى تخمين مفتوح على كثير من الاحتمالات التي لا يمكن ترجيح أي منها، فضلا عن تأكيدها أو نفيها على سبيل القطع؛ وحينئذ ـ وفي سياق هذه الحيرة اليائسة التي لا تجد ما تتشبث به علميا ـ  يُصبْح البصيرُ أعمى، ومجازا؛ يصبح العالمُ كالجاهل، تتقارب حدود الأذهان، وتنعدم الرؤية في هذا الفضاء التاريخي المجهول، حيث لا أحد يملك شيئا من يقين ولو كان خافتا، بل الجميع متساوون في العمى/ الجهل، وهم ـ في سياق هذه البحث الحائر ـ لا يتقدمون إلا بتخمينات تتكافأ مستوياتُها الافتراضية، ومن ثَمَّ؛ تتصادم تصادما عبثيا/ فوضويا وهي تسبح في فضاء المعقول التأملي، محاولة استكناه ملامح تحوّلات الأصول البشرية الغائرة في أعماق عَتَمات تاريخ مجهول.

اليوم، لم تعد قصة ظهور الإنسان وتطوره مجهولة في كثير من مساراتها الحاسمة. ثمة ما هو مجهول بطبيعة الحال، ولكن المعلوم كثير، بل وكثير جدا، وكافٍ ليكون نقطة انطلاق. ففي آخر قرنين شكّلت البحوث الإحيائية المتناثرة منعطفا حادا في إعادة صياغة قصة ظهور الإنسان. وفي السبعين أو الثمانين سنة الأخيرة، كشفت الأبحاث ـ في تطوّرات مذهلة ـ لا عن الحقائق التي تسد الثغرات في قصة الإنسان فحسب، وإنما عن الحقائق التي ترسم كثيرا من مسارات الرواية الكبرى، رواية الكون بأكمله، ابتداء من لحظة البداية/ الانفجار الكبير، وإلى يومنا هذا، بل وإلى ما سيكون عليه مصير هذا الكون بعد ملايين السنين؛ وفقا لقوانين طبيعية/ علمية تقتضي الحتمية في مساراتها الرئيسية؛ حتى وهي تستبطن ـ في تفاصيلها ـ  كثيرا من الاحتمالات.

اعتاد كاتبو التاريخ على تحديد فضائهم الموضوعاتي بحدود بداية الكتابة/ التاريخ المكتوب، منذ 5500 عام تقريبا. وحتى إن حاول بعضهم المغامرة، والغوص عميقا، والاسترشاد ببعض الآثار والرسومات الدالة، فهم لم يتجاوزوا حدود العشرة آلاف سنة الأخيرة. وطبعا، ما قبل ذلك، لم يكن التاريخ يعبأ به؛ على اعتبار أنه يقع خارج اختصاصه، إذ كانت البحوث الجيولوجية والأنثروبولوجية والكوسمولوجية والبيولوجية، هي المعنية بما قبل التاريخ المكتوب، وكان نشاطها في حقولها المختلفة يجري في مسار علمي/ تجريبي، بينما كان نشاط التاريخ ـ كحقل بحثي متخصص ـ يجري في مسار آخر؛ مع أن فهم التاريخ (التاريخ المكتوب/ التاريخ القريب، التاريخ الصغير)، لا يمكن أن يكتمل وتتضح أهم معالمه، وتصدق تنبؤاته؛ إلا بأن يكن مندرجا في مسار تاريخ أطول وأشمل وأعمق، أي فيما يسمى الآن: التاريخ الكبير، أو التاريخ العالمي/ الكوني.

النصوص البحثية المتناثرة التي يُمكنها أن تتقاطع مع ما يسمى "التاريخ الكبير" ظهرت منذ منتصف القرن الثامن عشر تقريبا، ولكن مع سبعينيات القرن العشرين، أدّت رحلات أبولو إلى القمر/ خروج الإنسان موضوعيا من حدوده الأرضية، مع العولمة والتصنيع المتناميتين، إلى تحفيز فكرة النظر إلى الأمور من منظور أشمل وأكثر تكاملا. وحينئذٍ بدأ الحديث عن تاريخ الكون كإطار عام لرؤية التاريخ الإنساني ككل، على اعتبار أن الإنسان في النهاية مجرد تفريع/ تهميش على الظاهرة الكونية وتحولاتها. و"تزامن ذلك مع ظهور تقنيات جديدة لتحديد أعمار الصخور بمساعدة التحلّل الإشعاعي. ويضاف إلى ذلك، أنه تم اكتشاف طرق جديدة، أو تم تطويرها، لتحديد عمر الأشياء والأحداث الأخرى، مثل حساب حلقات الأشجار، والتأريخ الوراثي، ورصد الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي صدر عن الكون المبكر" (التاريخ الكبير ومستقبل البشرية، فريد سباير، ص35).  

إذن، منذ خمسين أو ستين عاما، وبناء على هذه الإمكانيات المتطورة، والتي ستتطور باستمرار، وبناء على ما وفرته هذه من معطيات علمية دقيقة، أصبح من المؤكد أن الكون له بداية، وليس أزليا. لقد بدأ هذا الكون الذي نعيش فيه بـ"الانفجار الكبير" قبل 13,7 مليار سنة. هذا أصبح مؤكد علميا، ولكن بقي السؤال: متى سينتهي، وكيف؟ وقد طرح العلماء في الإجابة على هذا السؤال 3 احتمالات: (1) قد يستمر الكون في التمدد إلى الأبد حتى يختفي الضوء وتتحول النجوم إلى رماد. (2) أن يتوقف الكون عن التمدد ويبدأ في التراجع، فتتجمع كل مادة الكون على نفسها في انفجار داخلي مرعب. (3) أن يصل تمدد الكون إلى توازن دقيق فيبطئ من سرعته ولكن اتجاهه لا ينعكس أبدا. (تاريخ الأحداث الكبرى من الانفجار الكبير إلى الزمن الحاضر، سينثيا ستوكس براون، ص 41).

هكذا يبدو الكون الذي يحتوينا، الكون الذي نشأ من 13,7 مليار سنة، ومحكوم بالاندثار الحتمي، مجرد لحظة عابرة، لحظة؛ مهما طالت، فهي محكومة بنهايتها. ونحن البشر/ بنو آدم، آدم الذي هو ـ وفق ما يطرحه المعري من احتمال، ووفق ما يطرحه العلماء الآن على سبيل التأكيد ـ أكثر من آدم، هو آدم على إثر آدم، كائن حيّ يتحول إلى كائن حي، مجرد ظاهرة هامشية عابرة، مُلْحَقة بكون هامشي عابر، ولا استقلال لها على الإطلاق". فنحن مُكوّنون من مادة وطاقة، مثلنا في ذلك مثل الكون. فخلايانا المكونة من ذرات نشأت من انفجار النجوم، هي بيئة غنية بالإيدروجين والكربون، مثلما كانت عليه الأرض يوم نشأت الحياة" (تاريخ الأحداث الكبرى من الانفجار الكبير إلى الزمن الحاضر، سينثيا ستوكس براون، ص 56).

وإذا كان الكون سينتهي حتما، ولكن على مدى زمني أطول، فالأرض بدورها ستنتهي، وعلى مدى زمني أقصر من عمر الكون المفترض. وأقصر من ذلك، أن الحياة على الأرض ـ أية حياة، فضلا عن حياة الإنسان ـ ستنتهي بحكم التطورات المطردة التي يخضع لها كوكبنا الصغير. فحركة الأرض تتباطأ، وطاقتها الحرارية تخفت، وكما بدأت الأرض قبل 4,6 مليار سنة، ولا حياة فيها على الإطلاق، واستمرت بلا أي مظهر حياتي مهما ضئيلا لمدة 3 مليار سنة تقريبا، ستعود بلا أي مظهر للحياة، قبل أن تتلاشى هي بالكامل. 

لقد ظهرت الثديات ـ كمنعطف تطوري مهم ـ منذ حوالي 210 مليون سنة فقط،  وبدأ ظهور البشر منذ 4 ملايين سنة، بينما لم يظهر البشر المعاصرون "الإنسان" إلا منذ 200,000 سنة، ولم ينتشر هذا الإنسان الأخير ـ انتشارا نسبيا ـ في الأرض إلا منذ 100,000سنة، في رحلة مُعقّدة من التطورات المرتبطة جدليا بالمتغيرات الطبيعية على الأرض، والتي هي بدورها مرتبطة بالمتغيرات الكونية الأعم. 

إن زمن الإنسان ـ مهما طال في حدود رؤيتنا النسبية ـ زمن قصير جدا، مرتبط بظرف مناخي/ أرضي قصير جدا؛ إذا ما قيس بعمر الأرض، فضلا عن عمر الكون. وبناء على رحلة البدايات الأولى، والتطورات اللاحقة، فإن أي تغيّر في حركة الأرض حول نفسها أو حول الشمس أو في زاوية انحرافها.. إلخ المتغيرات المؤكدة التي تحدث باستمرار، أو التي يمكن التنبؤ بها على سبيل التوقع، أو التي لا يمكن توقعها، فسيحدث مستقبلا تغيّر مناخي جذري، وسيكون الإنسان، الإنسان بصورته الراهنة، هو أول الضحايا، هو أول ما يندثر ويتلاشى، قبل أن تتلاشى الكائنات، وقبل أن يندثر هذا الكوكب الحي، وقبل أن يعود الكون كله إلى الانكماش/ الانحسار = العدم.

تُحاول سينثيا ستوكس تقريبَ هذه "الهامشية الإنسانية" (هذا التعبير من وضعي) التي يحتلها الإنسان في تاريخ الأرض، فضلا عن تاريخ الكون/ التاريخ الكبير، فتقول: "إذا تخيلنا عمر الأرض كيوم واحد يبدأ في منتصف الليل؛ فيه تظهر الكائنات وحيدة الخلية في حوالي الرابعة صباحا ولا يظهر أي نبات بحري إلا حوالي الثامنة والنصف مساء. وتنتقل النباتات والحيوانات إلى اليابسة في حوالي العاشرة مساء. مع ظهور الدينوصورات قبيل الحادية عشر مساء. ثم تختفي الدينوصورات قبل 24 دقيقة من منتصف الليل؛ ويظهر البشر قبل أقل من دقيقتين من منتصف الليل، والزراعة والمدن قبل بضع ثواني من منتصف الليل" (تاريخ الأحداث الكبرى من الانفجار الكبير إلى الزمن الحاضر، ص 77).

هكذا، نجد أن البشر، ومنذ مراحلهم الأولى في سلم التطور، لا يشغلون من عمر الأرض إلا أقل من دقيقتين من مجمل دقائق يوم كامل، يعني مجرد دقيقتين من 1440 دقيقة في اليوم. وبالنسبة إلى عمر الكون الذي يبلغ 13,7 مليار سنة، لو وتخيلناه مضغوطا في حدود يوم كامل/ 24 ساعة، فالبشر كظاهرة لم يُوجدوا إلا في الـ 40 ثانية الأخيرة. ما يعني أنهم ليسوا فقط محدودين/ هامشيين في كون واسع، وليس فقط كوكبهم الحي مجرد ذرة هباء تافهة فيه، بل هم ـ مع هامشية وتفاهة المكان/ الكوكب الذي يلتصقون به كجراثيم عالقة بـ"ذرة الهباء" ـ هامشيون ومحدودون في وقوفهم على حافة الزمن الأخير من عمر الكون/ تاريخ العالم.   

أخيرا، ماذا يعني كل هذا؟ أو لماذا أُذكّر الآن بكل هذا، وأريد من الإنسان/ كل إنسان أن يضع نفسه (يتخيّل موقعها) في سياق هذا التاريخ الكبير/ التاريخ الكوني ؟ هل المعرفة هنا هي غاية ذاتها، أم هي السبيل لخلق تصوّر شمولي عن الذات، تصور يفرض على الذات إجراء كثير من المتغيرات السلوكية الخاصة/ الازمة والعامة/ المتعدية؟ وإذا كان هذا التذكير لغاية تتجاوز الإطار المعرفي الخالص؛ ففي أي اتجاه تشير بوصلته في مقصدها الأخير؟ 

بلا شك، فإن التصورات الداروينية وإن وسّعت آفاق الإنسان حينا، فإنها قادته ـ وخاصة عبر تفسيراتها ذات الحد المادي الصلب ـ إلى داروينية اجتماعية في كثير من الأحيان. فكانت شَيْئنة/ طَبْعَنة للإنسان، بدل أن تكون دعما لمسار التأنسن. ولكن، في اعتقادي أن الأمر هنا يتجاوز الإطار الدارويني، حتى في تفسيراته الأكثر انفتاحا على الاحتمالات، إذ إن رؤية الإنسان لنفسه/ للوجود الإنساني في مسار التاريخ الكبير، وعلى ضوء جدلية تستبطن عذابات البشرية في رحلتها التطوّرية، من شأنه أن يخلق إنسانا أكثر تواضعا، إنسانا أكثر وعيا بظرفيته، إنسانا أكثر وعينا بهشاشة وجوده، بل وبتفاهة وجوده الفردي والجماعاتي؛ عبر إدراج هذا الوجود المتحيّز في تاريخ طويل، هو ـ في الوقت نفسه ـ تاريخ هامشي وعابر. وهذا ـ في تصوري ـ سيفك كثيرا من مغاليق التعصبات والتحزبات، ليس فقط من خلال استيعاب حقيقة الأصل المشترك لكل البشر، ولا للعلاقات العضوية بين البشر وسائر مظاهر الحياة، ثم سائر الأشياء، وإنما أيضا من خلال ما يُورثه هذا الاستبطان لحقائق التاريخ الكبير من الشعور بهامشية وتفاهة وظرفية كل ما يستنفد الإنسان طاقته في الصراع عليه؛ وكأنه بتحقيق انتصاراته التافهة سيظفر بالقدرة الهائلة التي تمنع الكون ـ بما فيه الإنسان ـ من قدره المحكوم بمساره العدمي.