الديمقراطية والمواطنة واتيقا الحوار

الدكتورة نوره عابد- باحثة في الفلسفة، وأستاذة مشاركة جامعة سعيدة، الجزائر.

مدخل عام

تنشد الدول المعاصرة تحقيق العدالة وإقرار الحقوق من خلال الممارسات الديمقراطية المختلفة، عكس ما كان سائدًا في الممارسات السياسية الشمولية القديمة، والتي عرفت الاستبداد وإلغاء الحريات الفردية و الجماعية، فأين يكمن الحق في إطار الممارسة الديمقراطية؟ وما هو النظام الذي يستطيع تحقيق دولة الحق القانون؟ بل وكيف يتم إرساؤه داخل المجتمع التواصلي؟

الديمقراطية -كما هو معلوم- شكل من أشكال الحكم السياسي القائم على التداول السلمي للسلطة، وحكم الأغلبية، و حماية حقوق الأفراد والجماعات (الأقليات)، فهي من ناحية تعبر عن نظام حكم، ومن ناحية أخرى تعبر عن مجتمع حر وقانوني.

وتعود أصول الديمقراطية إلى العهد اليوناني القديم، ولذلك كانت الديمقراطية لغة متكونة من لفظين ديموس وتعني الشعب، وكراتوس وتعني الحكم. وعرفت اليونان نوعين من الحكم، حكم ديمقراطي وحكم أوليغارشي، فالنظام الجمهوري يحسب في صالح الديمقراطية التي تقوم على الأغلبية، أما الأرستقراطية فكانت تمثل الأوليغارشية التي تقوم على الأقلية.

ولقد تناول فلاسفة العقد الاجتماعي موضوع الديمقراطية على أساس العقد الاجتماعي، للبحث عن البديل السياسي ومشروع النهوض المبني على التعاقد الحر، ولكل فيلسوف من فلاسفة العقد رؤيته الخاصة، وإن كان التفكير السياسي لهوبز يشكل أساس السياسات الحديثة، ولكن المعبر الحقيقي عن الديمقراطية في العقد الاجتماعي هو جون جاك روسو (Jean jack Rousseau) الذي حدد مراحل تشريع القانون وكيفية ممارسته من خلال كتابه «العقد الاجتماعي».

هذه الممارسة لا تتم إلَّا بمقتضى القانون الحاصل عن اتفاق أفراد المجتمع، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة طاعة للقانون. ويميز روسو بين الإرادة العامة وإرادة الكل، فهذه الأخيرة تبنى على أساس المصلحة المشتركة والأولى على المصلحة الخاصة. «فالفرد لا يمكن أن يحقق مصلحته بمعزل عن الآخرين، وحتى يتم التعاون وجب الاتفاق، والاتفاق ينشأ بموجب القانون الذي يعبر عن العقد الاجتماعي»[1].

ومن المقاربة والتحليل الذي أقامه هابرماس للديمقراطية باعتبارها أساس دولة الحق والقانون، فقد استعار هابرماس مصطلح تقرير المصير من روسو، والذي يعني العلاقة القائمة بين الرأي العام والإرادة العامة التي تعبر عن الحالة الاجتماعية الذي يعيشها، وتستلزم الاعتراف بها من قبل كل واحد، ثم تحول إلى مبدأ إجرائي يمارس من خلال الديمقراطية، بواسطة نشاطات تواصلية تفترض على أشكال الحياة المرتبطة بعلاقات متبادلة تقتضي الاعتراف[2].

بينما تقوم الديمقراطية الدستورية على مبدأ المشاركة كحق مضمون دستوريًّا والكل متساوي، وحسب راولس (John Rawls) «الكل متساوي بالوضعية الأصلية المضمونة دستوريًّا، لأنه ضمن الوضعية الأصلية تتم كل الاتفاقات المبرمة، والتي تم الوصول إليها بإنصاف مع جميع المشاركين»[3].

بهذا الإجراء تحافظ الدولة على الصيغة التمثيلية لكل المشاركين السياسيين وبالتساوي، فالسلطة تحدد السياسة الاجتماعية المجسدة في العضو التمثيلي المنتخب، وهو مسؤول أمامهم لأن يشرع القوانين.

وقد عرفت الديمقراطية الدستورية شكلين من الممارسة، الأولى تتماشى مع التصور الليبرالي المحكوم باقتصاد السوق والذي يضمن فيه الاعتراف بحقوق الإنسان والحفاظ على الحريات، والثاني هو التصور الجمهوري الذي يقر بالحريات السياسية التي تحقق السيادة الشعبية، غير أن هابرماس انتقد هذين الشكلين واعتبرهما أشبه بالتصور الأرسطي ما بين الأوليغارشية والديمقراطية، إلَّا أنه أدخل مفهوم التواصل ودافع عنه، وبيَّن كيف أن النخبة تصل إلى السلطة بالممارسة الديمقراطية، والتي تستمد شرعيتها منها، وهذا النمط من الممارسة يؤدي إلى تأسيس نظم شمولية لأنها بإمكانها أن تسد الطريق أمام نشوء مجموعات اجتماعية تحمل تصورات تجديدية[4].

فعملية التبرير هذه تقتضي المناقشة، وعليه وضع هابرماس أخلاق المناقشة كشرط لنجاح ممارسة الديمقراطية، فما هي إذًا أخلاق المناقشة؟ وهل لأخلاق المناقشة أن تؤسس الممارسة الحقة للديمقراطية؟

إن إتيقا المناقشة هي ثمرة اطّلاع هابرماس على فلسفة اللغة الأنجلو-أمريكية (ألوسين وبيرس) واستثمارها لها من جهة، وإعادة صياغة التحول البين ذاتي لنظرية الأخلاق الكانطية من جهة أخرى، وقد أراد بها هابرماس إعادة بناء العقل العملي، فسماها بإتيقا المناقشة، ثم أصبحت نظرية المناقشة هي البحث في شروط صلاحية المعايير، عن طريق مناقشة حجاجية بين ذوات قادرة على العقل والكلام وذات كفاءة لغوية تواصلية.

وتعود هذه الفكرة إلى مرجعيات الفلسفة العملية التي لها أصول ثلاثة «لا تزال المناقشات الراهنة تستمد معينها منها، وهي: الأخلاق الأرسطية، النزعة النفعية، والنظرية الأخلاقية الكانطية. ونظرًا إلى أن الحداثة تحتاج إلى نموذج أخلاقي ذي خاصية كونية ومعيارية مستقلة خاصة، فقد استبعد هابرماس الأخلاق الأرسطية لأنها ركزت على الخير وجعلت منه موضوع كل الرغبات، لأن كل فنون الإنسان وبحوثه الفكرية وأفعاله وقراراته تصبو إلى خير معين محل رغبته.

وليس هذا الخير سوى السعادة، كما استبعد هابرماس النزعة النفعية؛ لأنها جعلت المنفعة أساس الأخلاق، مؤكدة أن صلاح الأفعال مشروط بمضاعفة الخيرات واللذات وتجنب الألم وكل أشكال الحرمان.

لكن جعل المنفعة القاعدة الموجهة للسلوك البشري، يرجح كفّة الفعل الأداتي الاستراتيجي ويؤدي إلى الصراع على الخيرات؛ لذا ألغى هابرماس المسائل المتعلقة بالحياة السعيدة، التي ركزت عليها الأخلاق الكلاسيكية، كما رفض اللجوء إلى المشاعر أو القرارات اللاعقلانية»[5].

ولم يبقَ أمام هابرماس سوى النظرية الأخلاقية الكانطية لبناء إتيقا المناقشة، كونها جعلت معرفة شروط صلاحية المعايير مطلبها الرئيسي وأن المسائل العملية قابلة للحقيقة.

إذًا إتيقا المناقشة لها طابع إجرائي هدفه إعطاء قيمة للمتطلبات المعيارية بواسطة المناقشة، فهي لا تهتم فقط بالمضامين بقدر ما تهتم بالمناقشة العملية ذاتها، أن يحل المشاركون نزاعاتهم بالاتفاق. فإتيقا المناقشة إتيقا ديونتولوجية مستوحاة من الأخلاق الكانطية ذات طابع واجباتي، تهتم بالمسألة الأخلاقية المتعلقة بالعدالة فهي لا تحقق إلَّا بصورة نزيهة وحيادية، تضمن المصلحة المشتركة للكل[6].

إذ إنها تعالج الصراعات والنزاعات بين الأفراد والجماعات بالاستناد إلى معايير صالحة يتم على ضوئها تبرير الفعل، فالديمقراطية عند هابرماس هي تعبير عن المصالح العامة للمجتمع ككل.

على هذا الأساس كل مواطن مطالب بالدفاع عن هذه المصالح، وإقناع الآخر بتبني رأيه اعتمادًا على منطق التشاور والحوار، في ظل فضاء عمومي ديمقراطي. وما نسميه بالتعددية التأويلية هو فهم للذات نفسها، وإدراكًا للقيم والمصالح الخاصة بالأشخاص، وبفعل التاريخ صارت داخل تقاليد خاصة.

إن هذه التعددية عند الأفراد في الرؤى المتعددة تجعل منها فكرًا منفتحًا على البديهيات التي لا تعني مبدأ الشموليات، ثم إنه يجب الأخذ بعين الاعتبار طريقة المراعاة لكل مشارك في المناقشة انطلاقًا من رؤيته الخاصة، لإرساء السياق العام المتضمن لمختلف المصالح المعينة، مع استحالة رفض الاستراتيجية الهادفة إلى «تصوير الذاتية»[7]، متممة للعلاقات مع الذات (الإبستمية أو العملية) والموجودة داخل العلاقات التي تربطنا بالغير.

يتوسع هابرماس في شرح هذه الاستراتيجية من خلال ملاحظتين:

الأولى: هناك اختلاف جوهري بين مفهوم الحرية الذاتية والتصور الكانطي للاستقلالية، فالحرية الذاتية يكون الوعي فيها متمحورًا حول موضوع واحد. بينما الاستقلالية نجد فيها الإرادة منضوية في بديهيات تعد مفتاح نجاح الاختيار الخاص ببلوغ الشمولية، مما يسهل لنا النظر إلى جماعة أخلاقية بما هي جماعة شاملة، في حين الحرية الذاتية تضع أمامنا تصورًا لبعض الأفراد يستغلون حريتهم إلى أبعد حد ممكن بخلاف الاستقلالية، وعلى هذا يمكن أن نؤكد أن حرية الفرد لا تكون إلَّا إذا كانت هناك درجة متساوية يتمتع بها كل الأشخاص.

أما الملاحظة الثانية: إن ما يواجه اختيارات المشاركين في مناقشة عملية، هو الإكراه المتضمن في أسباب يفترض سيرها على الجميع، وليس فيما يعكس حقيقة ما أفضله أو حقيقة ما يفضله غيري، وهذه أسباب يكتشف من خلالها الممارسة الأمثل للجميع للوصول إلى ضبط مشكلة ما؛ إذ ينبغي للمنخرطين في المناقشة أن يبحثوا عن أنماط الأسباب أو البواعث المقبولة عند كل المشاركين، عند إعلانهم عن مواقفهم المختلفة، فإتيقا المناقشة تلبي شرطين هما:

الأول: أن كل مشارك حر بحيازته السلطة الإبستمية في صيغة المتكلم والتي تمكنه من اتخاذ موقف معين.

الثاني: هذه السلطة غرضها البحث عن اتفاق عقلاني مدروس، والعمل على اختيار الحلول المقبولة عقليًّا.

إذًا فالشرط الأول يبين لنا عن عدم عزل الطرد لحساب الشرط الثاني. بل تثبت هذه الفردانية داخل علاقة متميزة تسعى للوصول إلى إجماع أو توافق، بينما تعكس الرابطة الاجتماعية تسليم الفرد لها رغم التنافس في ايجاد أفضل الحجج للفرد[8].

فهذه الديمقراطية تقوم على سماع مختلف الآراء ومناقشتها مع الجهات المختصة، وما نلمسه أيضًا، أن الديمقراطية التشاورية تستند على أخلاق الحوار والمناقشة بين المتحاورين العقلانيين الهادفين إلى تحقيق التوافق حول الشؤون العامة التي تقدم لها إجراءات الالتزام بقيم كونية تفرض على المناقشين منذ البدء ضرورة الالتزام بقيم كونية شاملة.

إن إتيقا المناقشة التي تجاوز بها هابرماس أخلاق كانط، تخلق بين المتحاورين تفاهمًا متبادلًا حول كونية المصالح، وكذلك حول مشكلة تأسيس النظرية الأخلاقية من خلال مبدأ الكونية، انطلاقًا من افتراضات مسبقة. وفي هذا يقول هابرماس: «فقط تأسيس المبدأ الأخلاقي الذي ليس راجعًا بالمرة إلى فعل العقل، يمكن أن يبطل الشك في نزعة كلامية عرقية مركزية»[9].

كما يؤكد هابرماس أن من مهام إتيقا المناقشة ارتكازها على مبدأ الكونية الذي يعرفه بقوله: «ينبغي على كل معيار ذي صلاحية أن يستجيب للشرط الذي بمقتضاه يمكن لكل النتائج والآثار الثانوية التي هي بصورة متوقعة متأنية من واقع كون المعيار تمت ملاحظته على نحو كوني بقصد تلبية مصالح كل واحد من الأشخاص، أن تكون مقبولة من طرف كافة الأشخاص المعنيين»[10].

أصبحت الإتيقا اليوم ضرورة في نمط معيشة الإنسان في هذا العالم، فهي تسمح بوجود الإنسانية للعقل، فسقراط قديمًا وجّه التعقل الإنساني نحو الطبيعة ونحو النفس، وأنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وأجبرها على تنظيم الحياة، فسقراط هو من وجّه التعقل الإنساني، وأتى بدراسة حول الاستحقاقات الأخلاقية.. وهو أول من أعطاها مفهومًا عالميًّا»[11].

كذلك السفسطائيون أشاروا إلى العيش المشترك، وتخصصهم في الحوار وفن الإقناع دليل على ذلك، هذا ويبقى سقراط هو الذي أرجع الإنسان إلى نفسه، وبحثه عن كيفية سيادته في هذا العالم بواسطة العقل. فالتفلسف يصبح فكرًا واضحًا ينتقل بالإنسان ويسافر به من خلال الكلام الحر، وفي هذا يشير هيجل إلى أن «التفلسف الخالص هو الذي يحمل على الروح المطلق بتدخل في مختلف طرق تقديم هذه الروح»[12].

فالإتيقا تعني دراسة نظرية الأسس التي تقود الفعل الإنساني في كل سياقاته، أي إن يكون هناك تحرر من أجل التكلم بلغة أرسطية[13]، كما أن الفلاسفة المسلمين وعلى رأسهم الفارابي قد تحدثوا عن العيش المشترك وإتيقا الحوار.

هذه الأفكار التي تأخذ جذورها من التقليد اليوناني، ولكنها أفكار قوية كونها تجمع بين الفضاء الأسطوري والفضاء الديني والفضاء المعرفي والفلسفي، فالفارابي تصور كيفية العيش السعيد في ظل العيش المشترك، على اعتبار أن السعادة الإنسانية تكمن عند الفارابي في الاكتمال الإنساني واكتمال الروح، «الروح تصل إلى الكمال، أن الكمال يستمر بدون مادة يصبح جوهر معارف وثابتًا إلى الأبد على تلك الحالة»[14].

كما أن التعقل أيضًا عند الفارابي «يعطي للعقل أبعاده الاجتماعية لأنها يستطيع أن يكون أصل ذلك النسيج للعلاقة مع الآخر كمواصفات أساسية لكل ما هو إنساني»[15].

إن التعقل يمنح للإنسان أبعادًا اجتماعية وإنسانية، فالعقلانية هي أساس كل ما هو تسيير جيد للأمور حسب سبينوزا. والتعقل الإنساني يسعى إلى الإقرار بالنوع الإنساني في السعادة. «فالعدالة في المدينة الفاضلة تقوم على العون والمحبة، والمحبة في الاشتقاق، بحيث تستطيع الوضعية العاطفية حسب بن مسكويه أن تكوَن العشق، الصداقة، الولع والمودة»[16].

يقول ابن مسكويه: «الأنس ضرورة تستوجب تحقيق وضعية الأفراد المتفرقين يؤلفون جماعة متصلة بانسجام، إلى درجة أن يكون بفضل هذا الانسجام يشعرون مثل فرد واحد، أن يكون كل الأعضاء يتنافسون معًا في إنتاج نفس الفعل النافع له.»[17]

إن العيش المشترك داخل الانسجام المترجم، ليس فقط العدالة المرافقة للعقل والحب، ولكن أيضًا تفاهمًا ممكنًا بين البشر، إنسانية حب التقاسم. هذا الوصف للعيش المشترك، وهذه «المحبة تجد الترجمة الحقيقية لها عند التوحيدي الذي يسميها المؤانسة، فلو كان العيش المشترك وضعية طبيعية عند الإنسان، فالأنس والمؤانسة هما شكلان إتيقيان (أخلاقيان) والمحبة ليست شرط الأنس، بل أيضًا شرط الاستطاعة على التفكير»[18].

الحق والمواطنة

ناقش هابرماس فكرة المواطنة، وهذا النقاش لا يختلف عن تفكيره في موضوع الديمقراطية، واعتبرها هي التجسيد الوحيد لمفهوم الديمقراطية، من حيث هي تعبير عن الخيار الجماعي المشترك، ونجد في تحليله للمواطنة أنه اعتمد على فكرة «المواطنة الدستورية» القائمة على إرادة السياسة، وعلى عقلنة العالم المعيش من خلال تبنيها لعقلانية تواصلية ولهوية أخلاقية[19].

غير أن مصطلح ومفهوم المواطنة الدستورية لم يكن هابرماس أول من استعمله، بل سبق أن وظّفه الفيلسوف الألماني دولف ستارنبرغر (1907-1989م) «بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثلاثين للقانون الألماني في 23 مايو 1979 [20]، وأراد من وراء استعمال هذا المصطلح الجديد استبدال الانتماء العرقي والجغرافي للشعب الألماني بانتماء وطني آخر يقوم على الشعور بالانتماء العقلاني للمبادئ المتضمنة في المعيار الأسمى للدولة وهو الدستور[21].

استعمل مصطلح (المواطنة الدستورية) من قبل عالم الاجتماع ماريو راينر لبسيوس (MARIORAINER LEPSIUS) للإشارة إلى القبول التدريجي في ألمانيا الفدرالية[22] لنظام سياسي قائم على حق تقرير المصير الديمقراطي، ومنفصل عن فكرة جماعة المصير المشترك.

غير أن الفضل الحقيقي في استعمال هذا المصطلح وتأسيسه يرجع إلى هابرماس، وذلك خلال مشاركته الفعّالة في النقاش الذي جرى سنة 1986م بين عدد من المثقفين والمؤرخين في ألمانيا بشأن الطريقة التي يجب التعامل بواسطتها مع ماضي المواطنة الاشتراكية.

ونجد أن المواطنة الدستورية في ألمانيا تبحث عن معالم هويتها في مواجهتها لماضيها، فبالنسبة لهابرماس يجب إعادة بناء الهوية الألمانية لكي تكون ضد التمجيد القومي، وهنا يتضح وفائه لليبرالية الأنوارية الحديثة ومن منطلقات جديدة، فبالنسبة له ليس ثمة علاقة ضرورية بين الوعي القومي والمسلك الديمقراطي في الحكم، حتى ولو كان من الجانب التاريخي، إن العامل القومي يشكل قوة دفع ممهدة للنظام التعاقدي الديمقراطي[23].

غير أن المعيار الأساسي للديمقراطية عند هابرماس ليس انغراسها في الهوية القومية، وإنما بناؤها على أساس التعاقد الحر بين الأفراد الذين يُنَظّمون حياتهم الجماعية على قواعد تنظيمية إجرائية تضمن العدل فيما بينهم.

وإذا كان هذا النموذج قد ارتبط تاريخيًّا بشكل الدولة القومية، فإنه اليوم يسير في اتجاه مبدأ المواطنة الدستورية التي تنجم عن فكرة الشراكة الكونية العابرة للحدود السياسية الوطنية، ومنه نجد انسجام أفراد المجتمع السياسي مع المبادئ القانونية ذات الأهداف الكونية، ويتعلق الأمر بمبادئ العدالة والديمقراطية والمساواة في المواطنة وحقوق الإنسان التي هي مبادئ مؤسسة الدولة الديمقراطية[24].

وعليه كان غرضه في القول بالمواطنة الدستورية في مقابل المفهوم القومي أو العرقي للمواطنة الذي كان سائدًا، أي التداخل مع أمة قومية تجمعها قيم جماعية مشتركة.

فبالنسبة لهابرماس المواطنة الدستورية لا تحتاج إلى شروط قومية، وإنما تكون وفق مبادئ معيارية وأخلاقية شاملة، وإذا كانت الثقافة القومية ضرورية للهوية القومية، فإنها غير ضرورية للمواطنة الدستورية التي تحتاج فقط إلى ثقافة سياسية ليبرالية.

لقد حدد هابرماس المبادئ الرئيسة لتأسيس المواطنة الدستورية على الشكل التالي:

أولًا: ضرورة الفصل بين الدولة والأمة

إن المواطنة الدستورية تعتبر أنه لا يوجد رباط داخلي بين ما يسمى بالقومية والجمهورية، لكن العلاقة تاريخية لم تصبح فقط وظيفة من الناحية السياسية إلَّا لفترة معينة[25]. والآن قد أصبحت متجاوزة، حيث أصبح الأمر يتعلق بضرورة العمل على فصل الارتباط الذي أرسَتْه الدولة بين الجماعة التاريخية للانتماء، وبين الجماعة السياسية الديمقراطية، والهدف من هذا كله هو إعادة بناء جديد للتضامن بين المواطنين على مستوى كوني أكثر تجريدًا[26].

وقد اعتبر هابرماس القومية نتيجة من نتائج عمل القوى الثورية الصناعية الإدارية والإعلامية، على اعتبار أن المواطنة أصبحت منفصلة عن الأمة، وذلك نتيجة أسباب من بينها أن مبادئ السياسة العالمية التي كانت تنتظم حولها المواطنة، لم تعد حكرًا على أمة معينة دون أخرى، فهنا نجد قد حصل انفصال بين الديمقراطية والقومية.

وما حدث في الثورة الفرنسية هو الجمع بين الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطن في الوقت نفسه، إذًا لا يمكن لأية دولة اليوم أن تعيد مثل هذا المشروع بصورة شرعية حسب اعتقاده.

ثانيًا: بديل لتحقيق الاندماج الاجتماعي

ليس الاندماج القومي هو الذي يجعل بالإمكان تحقيق الديمقراطية، بمعنى الاعتماد على العامل العاطفي لتجذير المبادئ الديمقراطية في أذهان المواطنين باعتبارها ثقافة عمومية مشتركة، بل على العكس من ذلك بإرساء آليات تمثيل ومشاركة سياسية مناسبة لظهور ثقافة عمومية ديمقراطية.

وذلك بالنظر إلى الرعايا كمواطنين مدعوّين لممارسات تشاورية، بحيث تخلق لدى هؤلاء الإطار الملائم لظهور شعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة، ومن ثمة شروط ملائمة لاندماج وطني ناجح[27]، وبهذا نجد أن هابرماس حاول أن يبيّن أن الوحدة السياسية لجماعة ما، يمكن أن تتضح وتتجلى نتيجة الممارسة الديمقراطية ذاتها، فأمة المدينة التي يدعو إليها هابرماس لا تجد هويتها في الوحدة السياسية لجماعة ما، بل في الممارسة الديمقراطية للمواطنين.

ثالثًا: ما بعد الوطنية

من المعلوم أن الإرساء الفصلي لمبادئ الديمقراطية ودولة القانون، يفترض بالضرورة قاعدة مادية لتطبيق هذه المبادئ في سياقات زمانية ومكانية مميزة بتاريخ وثقافة وتقاليد، غير أن الحقيقة لا تشكل اعتراضًا كبيرًا ضد إمكانية قيام هوية ما بعد الوطنية، مادام التحقيق الكلي للديمقراطية مستحيلًا في الواقع المعيش، فإن هذا الأخير لا يناقض فكرة ارتباط المواطنين فيما وراء انتماءاتهم العاطفية بمبادئ قانونية، وبقيم أخلاقية كونية بإمكانها إرساء بنية فعّالة لهوية سياسية متحررة من التحديدات القبلية والهوية[28].

وفي اعتقاده دائمًا، يعتبر الاتحاد الأوروبي فضاء ملائمًا لصياغة مثل هذا الانتماء لما بعد الوطنية، فمن جهة بدأت الدول الوطنية الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تنزع نحو تطوير شعور الما بعد وطني.

نخلص إذًا لمجمل هذه المبادئ للمواطنة الدستورية، على أنها شكل من أشكال المواطنة القائمة على إرادة المشاركة السياسية، وعلى عقلنة العالم المعيش من خلال تبنّيها لعقلانية تواصلية ولهوية أخلاقية في أفق نقدي، وبهذا نلحظ أن هذه المبادئ لا تتم بالإكراه أو بالقوة لكي تكون هناك مواطنة، بل تتم كنتيجة للممارسات التشاورية.

المواطنة هي عبارة عن وضع يترجم في شكل حدود المدينة، وأن المواطنين هم أيضًا أشخاص لهم هويات فردية نمت وترعرعت وسط تقاليد معينة وفي أوساط ثقافية نوعية. لذا فإنه يتوجب أن نضع في اعتبارنا أن هؤلاء الأشخاص هم في حاجة لهذه التقاليد حتى يتمكنوا من الحفاظ على هوياتهم.

كما أنه -وفي حالات خاصة- يمكننا أن نوسع من حاضنة الحقوق المدنية حتى نتمكن من تلقيحها بالحقوق الثقافية، فهذه الحقوق تسمح للمواطنين جميعهم وبمساواة تامة الانتماء لجماعة ثقافية معينة.. تمكنهم من اختيار هويتهم وإرسائها بكل حرية.

هناك اختلاف حول تحديد مفهوم المواطن، إذ تتحدد منزلة المواطنين بواسطة الحقوق الذاتية التي تعطى لهم من طرف الدول، ومن خلال احترامهم لحدود الملكية الخاصة التي يضبطها القانون مع التزام الدولة بحمايتهم وعدم التعدي على ممتلكاتهم الشرعية بطرق غير شرعية. عندئذٍ تكون الحقوق الذاتية هي حقوق سلبية حيث تمنح الدولة هامشًا من الاختيار داخلهم، حيث يكون الأفراد مستقلين عن كل ضغط خارجي[29].

والحقوق السياسية هنا تسمح للمواطنين بأن يؤكدوا ملكياتهم الخاصة، وأن يكونوا إرادة سياسية وقوة ضغط تحافظ لهم على مصالحهم، وأن يكون لهم من يمثلهم في الانتخابات وفي البرلمان وفي الإدارة.

إن الإيمان بقيم المواطنة هو الحل الذي يجب تقديمه كبديل عن انغلاق العالم السياسي في الدولة الشمولية، وإن التوجه نحو الاندماج والسلم والتعايش والتسامح هي الطريق الشرعي نحو الديمقراطية[30].

أما في النموذج الجمهوري فنجد أن منزلة المواطنين لا تتحدد وفق الحريات السلبية، وإنما من خلال الحقوق المدنية وخاصة حق المشاركة والتعبير والممارسة العمومية وتحمل المسؤولية في الجماعة السياسية. كما أن المسار السياسي لا يتوقف عند مراقبة المواطنين لنشاط الحكومة، وذلك بممارسة حرياتهم والمحافظة على حقوقهم الخاصة، وإنما يمتد نحو إيجاد أرضية ديمقراطية للتجاذب بين الدولة والمجتمع، والنظر إلى السلطة الحكومية على أنها قدرة أصلية تتأسس عن طريق التواصل بين المؤسسات.

وممارسة القدرة على التحديد الذاتي لدى المواطنين من خلال حماية الدولة لهذه الممارسة عن طريق مأسسة الحرية العامة؛ لذلك لا تستمد الدولة مشروعيتها من حماية الحقوق الذاتية، ومن تمكين المواطن من الدفاع على مصلحته الخاصة، وإنما من ضمان مسار تكوين الرأي والإرادة من طرف المواطنين الأحرار والمتساوين، باعتبار المصلحة المشتركة بينهم.

هكذا يكون المواطن في النموذج الجمهوري أكثر فاعلية في تحقيق المصالح المشتركة من المواطن في النموذج الليبرالي، الذي يظل حريصًا على المصالح الخاصة والفردية، ومؤثرًا في حياة اقتصادية خالية من ضجيج السياسة.

غير أن العيب الذي يقع فيه النموذج الليبرالي هو إخضاعه دولة الحق إلى معايير المجتمع الاقتصادي، والحرص على إشباع حاجة المواطنين المنتجين في التمتع بالسعادة الخاصة.

مبادئ المنافسة الديمقراطية

إن إتيقا المناقشة تستند إلى مبدأ آخر، إضافة إلى مبدأ الكونية وهو مبدأ المناقشة، يعبر عنه هابرماس بقوله: «لا يمكن لأي معيار أن يدَّعي الصلاحية، إلَّا إذا تمكن جميع الأشخاص المعنيين من الاتفاق عليه بوصفهم مشاركين في مناقشة عملية حول صلاحية هذا المعيار»[31]. والنقاش الذي يحدث هو نقاش بين-ذاتي تفاعلي، والمعنيون لا يمكنهم تحقيق الاتفاق إلَّا إذا احترموا شروط المناقشة الديمقراطية وهي:

1- التحلي بالتعقل والنزاهة.

2- قبول التفاهم حول المواضيع من قبل المستمعين.

3- اجتهاد المتكلم (المتحدث) في أن يفهم من قبل المستمعين.

4- البحث عن التفاهم والاتفاق.

5- لكل واحد نصيب في النقاش والحق في إثارة أي مسألة والتعبير عن أرائه وأفكاره.

6- اتخاذ المواقف بكل حرية وبمعزل عن أي ضغط أو إكراه.

7- مشاركة أكبر عدد ممكن من الأفراد.

8- الاتفاق القابل للتعديل إذا وجدت الحجة الأفضل[32].

انطلاقًا من هذه الشروط، يطرح هابرماس تصوره للديمقراطية من خلال نظرية المناقشة، ويربطها بمفاهيم معيارية أكثر واقعية من حيث تحقيقها للحريات الأساسية، فهو يرى أن النموذجين الليبرالي والجمهوري يشتركان في مبادئ، ولكن لكل نموذج تعامله الخاص معها وفق تصوره الخاص، وبكيفية التعامل مع الدستور إما تشريعيًّا أو امتثاليًّا.

فالنموذج الجمهوري يطرح الحريات الأساسية وفق مبدأ السيادة الشعبية، أن يكون الشعب هو المشرّع وهو الحاكم (مثلًا الثورة الفرنسية)، والسلطة تستمد شرعيتها من الشعب عن طريق الانتخاب أو الاستفتاء، أما النموذج الليبرالي فيقوم على التزاوج بين الحريات الأساسية والحريات الخاصة.

وهنا الممارسة الديمقراطية تتوقف على مجموعة من القواعد المفروضة، وهنا يضع هابرماس إصبعه على التعارض الموجود بين الخضوع وممارسة الحقوق السياسية. وهنا لا يمكن أن نسمي الديمقراطية بالديمقراطية، بل يجب أن نفسر المفاهيم، فما كان سببًا لهذا التعارض يختفي بمجرد أن نرفع هذا الالتباس بين الشروط الضاغطة وشروط الإمكان[33].

ومن هنا أيضًا، يوضح هابرماس مدى «إلزامية الدستور مع الديمقراطية وعلاقتها بالحريات الأساسية، والمتضمنة في الحقوق الأساسية، أن الدستور يلتزم بحمايتها، فالحقوق الأساسية الليبرالية والتي تحمي الملكية الفردية (الخاصة) تأخذ قيمة جوهرية عند ممارسة الحقوق السياسية»[34].

ونظرية المناقشة في الإطار الديمقراطي تحدد الإجراءات وشروط التواصل، التي تساهم في التكوين السياسي للرأي والإرادة، والممارسة الديمقراطية تستند إلى أخلاق المناقشة والتواصل.

يقدم هابرماس ثلاثة نماذج للديمقراطية:

1- نموذج ضمن التصور الليبرالي: تقوم وظيفة الديمقراطية على برمجة الدولة داخل المصالح الاجتماعية، و«تكون بذلك مجرد إدارة تشكل البنيات الاجتماعية من خلال اقتصاد السوق الذي يكون فيها الأفراد والأشخاص العالم الاجتماعي»[35].

مصطلح الليبرالية لا يعني الاقتصاد الذي يستند إلى حماية استقلال المجال الخاص للأفراد، وشرعية اقتصاد السوق من جهة، والحريات الفردية من جهة أخرى، بل يعني النموذج الليبرالي أن كل الناس سواسية أمام القانون الذي هو حامي الفرد والحاكم على تصرفاته اليومية عبر احترام الرأي والرأي الآخر، مع احترام جميع حقوق الأفراد دون تمييز عرقي أو عقائدي»[36].

2- نموذج ضمن التصور الجمهوري: يقوم بتكوين الرأي العام والإدارة عبر مراحل داخل الفضاء العمومي، الذي لا يتوقف على اقتصاد السوق، بل على المناقشة العمومية التي تتم داخل البرلمان. وهي بنية مستقلة موجهة للتفاهم ومحققة للسيادة الشعبية.

ويؤكد هابرماس على أهمية المجتمع الجمهوري باعتباره تشكيل جماعي للرأي العام والإرادة العمومية، غير أنه يختلف مع هذا التصور وهذا التشكيل، في عدم إمكانه أن يكون نابعًا من هوية جماعية مشتركة معتبرة وفق نموذج العرقية، إذ يقترح عوض هذا التصور للجماعة إجراءات عمومية تأخذ بعين الاعتبار الاقتضاء الليبرالي للفرضية. ويتمثل أساس هذه الإجراءات في فكرة تذاوتية لمسارات الاتفاق التي تتم بواسطة إجراءات ديمقراطية أو في شبكة تواصلية.

3- نموذج ضمن التصور للسياسة التداولية: التي تكتسب إمكانية تجريبية، تأخذ في الحساب تعدد وتنوع أشكال التواصل التي من خلالهما تتكون إرادة جماعية، لا فقط على التفاهم الأخلاقي، بل المعادلة القبلية في المصالح والضغط القائم على الاختيار العقلاني وفق الحدود النهائية للوسائل المملوكة من قبل الإثبات الأخلاقي والتجانس القضائي[37].

فرغم الاشتراك القائم بين الليبراليين والجمهوريين إلَّا أن هابرماس يتجاوزهما بطرح فكرة المداولات (Délibérations) كعملية إجرائية تمكّن من تأسيس ديمقراطية مداولاتية بجعلها تعلو على التصور الليبرالي والجمهوري.

وتأتي نظرية هابرماس في الديمقراطية التداولية كطريق ثالث لمعقولية العناية السياسية، وتقتضي تفادي أخطاء النموذجين السابقين الليبرالي والجمهوري مع محاولة التوفيق بين استراتيجيتهما المعيارية. فبالنسبة لهابرماس «يكمن امتياز الديمقراطية التداولية في قدرتها على تحقيق المطالب المعيارية الفردانية للمذهب الليبرالي، وكذا المعيارية الجماعية للمذهب الجمهوري»[38].

أشكال التداول الديمقراطي

في نظر هابرماس كل ديمقراطية مؤسسة على التداول تدعم ذاتها بمجموعة من أشكال الاتصال، والذي يضمن نزاهتها هو المؤسسة القضائية التي تصبح الوسيط المحقق للممارسة الديمقراطية، فالحقوق الأساسية هي حقوق سياسية.

وهناك أربع فئات حسب هابرماس، الفئة الأولى الحقوق الأساسية تنشأ مما تمليه الحريات الفردية وتكون متساوية لكل فرد، والفئة الثانية تفرض هيكل قانوني خاص، والفئة الثالثة تفرض حماية قضائية، أما الفئة الرابعة تكون الحقوق الأساسية وفق التصور الواقعي، تقدم فرص المشاركة السياسية بالتساوي في عملية التشريع لكل فرد[39].

ولا يسمح أبدًا بالمجازفة في الأمور الخاصة بالأمن؛ لأن الاستقرار ضروري لنجاح العملية الديمقراطية، وحتى يتسنى التفكير في وضع قوانين تنظم الحياة الشخصية والسياسية، ومنه تنشأ جميع الحقوق الأساسية المستمدة من حقوق الإنسان.

ويؤكد هابرماس على أن المجتمع يمثل فقط مجموعة إنتاجية تقوم على إشباع الحاجات كما تصورها ماركس، بل مجتمع يقوم على المحافظة على القيم الثقافية والأخلاقية بقدر ما يحافظ على الإنتاج، فأفراد المجتمع مهمتهم ليس الإنتاج فقط، بل التفاعل والمشاركة من خلال الديمقراطية داخل العالم المعيش.

وقد حاول هابرماس توضيح الأسس الثقافية للصراعات الاجتماعية التي تؤسس الديمقراطية واعتبرها شرطًا أساسيًّا لها، فالديمقراطية عندما تحكم المطالب الاجتماعية للحياة السياسية هذه المطالب بدورها هي محكومة بالتوجهات الثقافية، التي هي «عبارة عن تعبيرات اجتماعية متعارضة ومتكاملة في آن واحد، دون أن ننسى أن هناك صراعًا اجتماعيًّا مركزيًّا، ولكن في إطار أهداف ثقافية مشتركة، إنه الشرط الأساسي لتحقيق الديمقراطية والحرية في اختيار الرؤساء، فلا يمكن أن نستغني عنها لكنها لا تمثل الحق الكافي لتحقيق الديمقراطية.

ديالكتيك الحق والممارسة الإتيقية

إن نظرية المناقشة التي تناولها هابرماس تتضمن في طياتها إتيقا المناقشة ونظريتي الحق والسياسة المداولاتية، ولهذا كان له وعي بضرورة إعادة مراجعة إتيقا المناقشة، وإعادة بناء معياري للحق والسياسة المداولاتية.

وهذا ما تجسد بالفعل في مؤلفه «الحق والديمقراطية بين الوقائع والمعايير»، وذلك بالتركيز على الحق وكيفية بناء معياري لإجراءات المناقشة الإتيقية ونظرية السياسة.

فمبدأ المناقشة يرتكز على مبدأ أخلاقي، وإتيقا المناقشة المبني على أساس الوسائل التداولية، أما المناقشات القانونية فهابرماس يميز بين المبدأ الديمقراطي والمبدأ الأخلاقي، فالمبدأ الديمقراطي يتعلق بتأسيس شرعي للحق يتمثل مضمونه فيما يلي: «إن القواعد القانونية التي يمكنها وحدها ادّعاء الصلاحية المشروعة هي تلك التي يتفق عليها جميع الشركاء القانونيين في مسار تأسيس الحق، وذلك بواسطة مناقشة وضعت في حد ذاتها ضمن أفق قانوني»[40].

وتعد نظرية الديمقراطية التشاورية توسيعًا لمجال «البراديغم التواصلي»، الذي شرع في التنظير له منذ مطلع الستينيات، «فالبراديغم التشاوري لا يمكن فصله عن منطلقات نظرية الفعل التواصلي التي نظَر لها قبل بحث أخلاقيات المناقشة»[41].

فالمبدأ الديمقراطي ينطلق من افتراض أو تكوين حقلين للرأي والإرادة السياسية، وذلك بوضع نسق من الحقوق التي تضمن لكل واحد مشاركة متساوية مع مسار تأسيس الحق. والمبدأ الأخلاقي يمتد إلى كل معايير العقل التي لا تبرر إلَّا باللجوء إلى مبررات أخلاقية.

بينما المبدأ الديمقراطي لا يتوافق إلَّا مع المعايير القانونية التي تتكون شيئًا فشيئًا عبر التطور التاريخي «بالنظر إلى قواعد التفاعل، فالعقوبة التي يمكن تقويمها انطلاقًا من وجهة نظر أخلاقية للمعايير القانونية ذات طابع اصطناعي، إنها تشكل صنفًا من المعايير العملية منتجة بصفة قصدية وتفكيرية ما دامت قابلة للتطبيق على ذاتها»[42].

بمعنى أن المعايير الأخلاقية ليس مصدرها الدين أو الميتافيزيقا، بل هي نتاج لحوار مؤسس على افتراضات تواصلية مسبقة تضفي عليها صفة الشرعية، ولهذا الطرح والتمييز بين المبدأ الأخلاقي والمبدأ الديمقراطي، هابرماس لا يفصل بين الأخلاق والقانون بل يدافع عن تكاملها.

إذ لاحظ هابرماس أنه مع انفجار الأسس الميتافيزيقية المقدسة للنسيج المعرفي انفصلت المسائل القانونية عن المسائل الأخلاقية من الناحية الثقافية والإتيقية، وانفصل من الناحية المؤسساتية الحق الوضعي عن العادات والتقاليد التي لم تعد سوى قيمة اتفاقيات بسيطة[43].

ورغم العلاقة بين الأخلاق والحق الوضعي، إلَّا أن الحقوق تتميز عن الأخلاق كون هذه الأخيرة لا تمثل سوى شكل من المعرفة الثقافية على المستوى المؤسساتي، كنسب الحق في الوقت نفسه قوة الإلزام، فلم يعد نظام رمزي بل نظام فعل.

وقد كان اهتمام هابرماس بالعلاقة بين الأخلاق والحق، نتيجة الانتقادات التي وجهت له بخصوص نظرية «أخلاقيات المناقشة»، فمثلًا انتقادات ألبرت فيلمر (A.Wellmer) على سبيل المثال، دفعته إلى إعادة النظر في العلاقة القائمة بين المعايير الأخلاقية والمعايير القانونية.

لأن هابرماس ولحدود هذه المرحلة من البحث، كان له خلط نظري بين المعيارين وهذا ما شرع في تجاوزه في الأبحاث اللاحقة[44].

ففي كتابه «نظرية الفعل التواصلي» أعلن هابرماس أنه «يفكر في العلاقة المعقدة بين الحق والأخلاق والحياة الأخلاقية، كما سيتفحص اتساع مدلول مقولة الحق القانوني»[45].

خاتمة

في الأخير يمكن القول: إن هابرماس يقف موقفًا نقديًّا بين النموذجين الليبرالي والجمهوري، ومن ثم وجود نموذجين من الحقوق المادية والحقوق الصورية. فالأولى حقوق ذات طابع جماعي يهتم بالمساواة والعدالة في توزيع الثروات وتكافؤ الفرص، والثاني حقوق فردية تتصف بالاستقلالية. ويخشى هابرماس في النموذج الأول أن تتحول الديمقراطية إلى ديمقراطية الرعاع démocratie de masse والسلطة في جهاز الدولة.

أما في النموذج الثاني وهو حياد الدولة الذي يكرس سيطرة الأجهزة المالية والإدارية؛ ولهذا لا بد من إعادة الاعتبار للسياسة من خلال مشاركة المواطنين بشكل فعلي في السياسة وفي الفضاء العمومي. فالديمقراطية التواصلية تقتضي توسيع الفضاء العمومي الذي يصبح فضاء للمناقشة أن تطرح القضايا السياسية ولا يتغلب الجانب الإداري ولا منطق المصلحة الاقتصادية، أي لا يهيمن منطق الجهاز سواء كان اقتصاديًّا أو بيروقراطيًّا.. بل يساهم الرأي العام في بعث الاهتمام بالسياسة كي لا تتحول الديمقراطية إلى تقنوقراطية.

 

 

 


[1] عبد القادر مالفي، الديمقراطية والتواصل استعمال نظري وتطبيقي لمنطق هابرماس، أطروحة دكتوراه، السنة الجامعية 2009-2010م، ص167.

[2] Jürgen Habermas, l’intégration républicaine, traduit par Ramer Rochlitz, Edition Fayard, Paris 1998, p56.

[3] Rawls Johnthéorie de la justice, traduit par CatherineAudran, Ed le seuil 1997, p258.

[4] JürgenHabermas, droit et démocratie.

[5] جميلة حنيفي، من الحداثة إلى المعقولية التواصلية، ص200.

[6] يورغن هابرماس، إتيقا المناقشة، ص20.

[7] المصدر نفسه، ص 21.

[8] يورغن هابرماس، إتيقا المناقشة، ص27.

[9] Jürgen Habermas, de l’éthique de discussion, traduit par Mark Hunyadi, Edition de cerf, paris1997, p18.

[10] Jürgen Habermas, morale et communication, conscience morale et activité communicationnels, traduit par Christian Bouchain homme, paris Edition Flammarion 1986, p86.87.

[11] Fethitriki.philosopher le Vivre ensemble chaire UNESCO de philosophie, l’or du temps 1988, Tunisie, P29.

[12] Hegel, leçon sur l’histoire de la philosophie, Vrin, Paris 1975, p398.

[13] Fethitriki.Ibid, p30.

[14] يوسف كرم، الفارابي، أفكار أهل المدينة الفاضلة، بيروت 1980، ص7.

[15] FethiTriki.Ibid. p.32 

[16] FethiTriki.opcit. p.34.

[17] تهذيب الأخلاق لابن مسكويه، دراسة وتحقيق: عماد الهلالي، منشورات الجمل، ط 1، 2011، ص 43.

[18] يورغن هبرماس، المعرفة والمصلحة، ترجمة: حسن صقر، منشورات الجمل، 2001، ص 86.

[19] عبد العزيز ركح، ما بعد الدولة – الأمة عند يورغن هابرماس، الجزائر: منشورات الاختلاف، ط1، 2011، ص83.

[20] المصدر نفسه، ص84.

[21] المصدر نفسه، ص84.

[22] كانت ألمانيا تعيش أزمة هوية ليس فقط بالنظر إلى ماضيها الوطني الاشتراكي الذي لا يريد أن يمضي بحسب تعبير أرنست تولته، ولكن أيضًا إلى انقسامها إلى قسمين شرقي وغربي، الأمر الذي عزز عند الشعب الألماني الشعور بفقدان الهوية.

[23] عبد العزيز ركح، ما بعد الدولة – الأمة عند يورغن هابرماس، مرجع سابق، ص85.

[24] Habermas l’Etat de droit démocratique:la réunion paradoxale de principes contradictoires Gallimard France 2005.P:167.

[25] عبد العزيز ركح، ما بعد الدولة – الأمة، مرجع سابق، ص86.

[26] المصدر نفسه، ص86.

[27] عبد العزيز ركح، ما بعد الدولة – الأمة، المرجع السابق، ص88.

[28] يورغن هابرماس، إيتيقا المناقشة، مرجع سابق، ص45.

[29] يورغن هابرماس، إتيقا المناقشة، مرجع سابق، ص20.

[30] عبد العزيز ركح ما بعد الدولة الأمة، مرجع سابق، ص90.

[31] Jürgen Habermas, de l’éthique de discussion.Ibid p87.

[32] Jürgen Habermas, de l’éthique de discussion.Ibid p122.

[33] مالفي عبد القادر، الديمقراطية والتواصل، مرجع سابق، ص 167.

[34] Jürgen Habermas, de l’éthique de discussion.Ibid p123.

[35] أبو النور حمدي أبو النور حسن، يورغن هابرماس الأخلاق والتواصل، بيروت: دار التنوير، ص 191.

[36] Jürgen Habermas, au de la libéralisme et républicanisme la démocratie délibérative, n1, 2003 France? P58.

[37] Jürgen Habermas: l’intégrationrépublicaine tr.rainer rochlitz.Ed. Fayard.paris 1998.p259 - 265.

[38] عبد العزيز ركح، ما بعد الدولة الأمة، المرجع السابق، ص150.

[39] Jürgen Habermas: trois versions de la démocratie libérale, traduit par Christian Bouchiddhomme, le débat du mai- aout 2003, n125 p129,131.

[40] Jürgen Habermas, droit et démocratie faits et normes, Ibid. p126.

[41] محمد المصباحي، فلسفة الحق عند هابرماس، ص170.

[42] Jürgen Habermas, droit et démocratie. Ibid.P127.

[43] جميلة حنفي، بورغن هابرماس من الحداثة إلى المعقولية التواصلية، ص258.

[44] محمد المصباحي، فلسفة الحق عند هابرماس، مرجع سابق، ص172.

[45] JürgenHabermas, théorie de l’agir communicationnel, tr.bouchind et Kaimer, Rochlitz, Fayard 1987, p10.

مجلة الكلمة