قضايا المرأة.. نحو اجتهاد إسلامي معاصر

ومحاولات إنتاج معرفة نسوية بديلة

فاطمة حافظ*

* باحثة ومؤرخة من مصر.

 

مدخل

قد لا يكون انعقاد مؤتمر يبحث في قضايا المرأة حدثاً فريداً أو مهمًّا في حد ذاته، فمنذ مؤتمر القاهرة للسكان 1994م الذي نظمته الأمم المتحدة في أكبر بلد عربي، والمؤتمرات لا تزال تنعقد حول قضايا المرأة والإشكالات المرتبطة بها على الأصعدة المختلفة السياسية والقانونية والاجتماعية.

غير أنه منذ سنوات قلائل طرأ بعض التحول حين شرعت بعض المؤتمرات تولي اهتماماً بدور المرأة على الصعيد الديني، وقد تواكب هذا مع ظهور ما يسمى بـ«النسوية الإسلامية» التي نشأت في إيران وتركيا الجارتان الإسلاميتان، ثم بدأت تتمدَّد في خجل إلى العالم العربي منذ الألفية الجديدة، ولم تلقب بهذا الاسم إلَّا مؤخراً، ورغم أنها لا تزال في طور التشكُّل والتبلور، إلَّا أنها فرضت نفسها خاصة وأنها تسعى إلى الجمع بين ما كان يُظن تعذر الجمع بينهما، ألا وهما المرجعية الإسلامية والوعي النسوي.

والنسوية الإسلامية في جوهرها حركة ذات طبيعة معرفية، تأسست على فكرة مفادها أن الإسلام كدين سماوي ومن خلال نصوصه المقدسة، لا يعادي النساء، ولا يؤسس لتراتبية اجتماعية تجعل الرجال أفضل منزلة، لكن هذه الأفكار التنقيصية بحق النساء قد تسللت إليه تدريجيًّا خلال عملية تأويل النصوص التي قام بها علماء من السلف عبر قرون متأثرين بأوضاع تاريخية وثقافية ومادية معينة.

ولذلك لم تنفك النسوية الإسلامية عن المطالبة بضرورة الفصل والتمييز بين ما هو وحي مقدس، وتعبر عنه النصوص الإسلامية (القرآن والسنة النبوية الصحيحة)، وما هو قراءة بشرية تاريخية لهذه النصوص المقدسة.

ويتوزع النشاط المعرفي للنسوية الإسلامية على مستويين: المستوى الأول: نقض وتفكيك التراث القديم الذي تراكم عبر قرون، عبر تتبع دلالات المفاهيم والأفكار السلبية التي ارتبطت بالنساء، وشكَّلت الوعي الجمعي، والمستوى الثاني: السعي إلى تقديم معرفة بديلة فيما يتعلَّق بهذه المفاهيم والأفكار، على نحو يجعلها أكثر تلبية لمستجدات العصر واحتياجاته.

وهذان المستويان قد برزا بجلاء ضمن الأوراق المقدمة إلى المؤتمر الذي نظمته مكتبة الإسكندرية في الفترة من (10-11) مارس الماضي تحت عنوان «قضايا المرأة: نحو اجتهاد إسلامي معاصر»، بالتعاون مع مؤسستين فاعلتين، وهما مؤسسة مدى (مصر) ووقف نهوض لدراسات التنمية (الكويت).

وقبل التطرُّق إلى ما حملته هذه الأوراق، وما تضمنته من «اجتهادات» ومن محاولات إنتاج معرفة نسوية بديلة، نجد لزامًا أن نُبيِّن الطبيعة المعرفية المغايرة لهذا المؤتمر، وبعض أوجه تفرُّده، والتي يمكن أن نجملها في الآتي:

أولاً: شهد المؤتمر الإطلاق الحقيقي لما يمكن تسميته النسوية الإسلامية في صيغتها العربية، وبطبيعة الحال فإننا لا نعني أنه المؤتمر الأول الذي ينعقد لبحث مسألة النسوية الإسلامية في العالم العربي[1] أو الذي تشارك فيه مجموعة من الأكاديميات المسلمات، وإنما نعني أنه المؤتمر الذي حرص على أن يكون بحث هذه المسألة مقتصراً على نسويات عربيات دون حضور لأي أطراف خارجية، وهو ما يعكس حرص المشاركات في التأسيس لتيار النسوية الإسلامية في العالم العربي، بعيداً عن أي ارتباطات خارجية، وعلى نحو يبدو أنه مطلب داخلي أكثر من كونه ارتباطاً خارجيًّا.

وعلى هذا استبق المؤتمر جلساته بورشة عمل مغلقة ومعمقة، شاركت فيها مجموعة من الباحثات العربيات ممَّن لديهن إسهام حقيقي على صعيد النسوية الإسلامية.

وفي هذه الجلسة طُرحت التساؤلات حول مصطلح النسوية الإسلامية، ومدى ملائمته لوصف أنشطة الباحثات، وما هي المقولات التي تتأسس عليها النسوية الإسلامية؟، وما السبيل لتطويرها لتصبح مجالاً معرفيًّا مستقلاً؟، وما هي الصلات التي تربطها بغيرها من النسويات الموجودة على الساحة المحلية والدولية؟.

ومما يسترعي الانتباه أن هذا المنحى على توكيد الصبغة العربية للنسوية الإسلامية، لم يكن قاصراً على هذه الجلسة النقاشية المغلقة، وإنما تعدَّاها إلى أعمال المؤتمر الذي حرص أن تكون الأوراق المقدمة من إعداد باحثات مسلمات ينتمين إلى العالم العربي، رغم أن المؤتمر شهد حضوراً لعدد من الباحثات والناشطات من العالم الغربي، ومن العالم الإسلامي، وبخاصة من أندونيسيا وماليزيا.

ثانياً: اختتم المؤتمر أعماله بإصدار إعلان الإسكندرية الخاص بحقوق المرأة في الإسلام، ويتميز هذا الإعلان بأنه صياغة جماعية من قبل مجموعة من الباحثات المسلمات من أقطار عربية وإسلامية مختلفة، وهو بذلك يغاير الإعلانات الإسلامية السابقة التي كانت تُكتب بأقلام بعض علماء الشريعة أو بعض المؤسسات المعنية بالقضية النسائية وقلما شاركت النساء في صياغتها، ولذلك أتت هذه الإعلانات تعبيراً عن رؤية كاتبيها ولم تُعبِّر مباشرة عن النساء ومشكلاتهن وتطلعاتهن.

ومما يحسب لإعلان الإسكندرية كذلك عدم وقوعه في أسر الثنائيات التقليدية الحاكمة للخطاب الإسلامي بشأن المرأة، من قبيل «الإسلام والغرب» و«التقليد والحداثة» و«الإسلام والعلمانية»، وهي الثنائيات التي حفل بها الخطاب الإسلامي لحقب طويلة، وحالت بينه وبين البحث عن الجذور الحقيقية للإشكالات المتعلقة بالنساء، وكان للتخلي عن هذه الثنائيات أثره في كل من لغة الإعلان وفي طبيعة مقاربته لقضايا المرأة وحقوقها.

فمن جهة حال دون تحول لغة الخطاب إلى لغة اعتذارية دفاعية، كما هو الحال مع الخطابات الإسلامية التي تستدعي الآخر في مناقشتها لقضية المرأة، ومن جهة أخرى فإنها حتمت أن تكون مقاربة قضية المرأة بحسبانها قضية داخلية ذات أبعاد إنسانية واجتماعية، وليست قضية أيديولوجية توظف من قبل القوى المجتمعية والسياسية المختلفة.

ثالثاً: انفرد المؤتمر بأنه جمع الناشطات والأكاديميات النسويات مع علماء الشريعة، فقد توخي القائمون عليه أن تقوم الباحثات بإعداد الأوراق البحثية على حين يتولى التعقيب عليها كتابة أحد علماء الشريعة من المختصين بموضوع الورقة المقدمة، وعلى هذا النحو تضمَّنت أعمال المؤتمر عشر أوراق بحثية، في مقابل عشرة تعقيبات.

وبهذا التصميم الفريد استطاع المؤتمر أن يبني جسوراً من الحوار الممتد حول القضايا المطروحة بين الطرفين، على نحو أتاح لكل طرف التعرف إلى آراء الطرف الآخر.

ويجدر هنا أن نشير إلى اهتمام المؤسسة الدينية الأزهرية بالمشاركة القوية في هذا المؤتمر، والتي تمثلت في ترؤُّس مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي علام لأحد جلسات المؤتمر، ومشاركة ثلة من أبرز مفكريها كالدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور محمود عزب والدكتور كمال إمام مستشاري شيخ الأزهر، إضافة إلى بعض المفكرين الإسلاميين من العالم العربي وفي مقدمتهم الأستاذ زكي الميلاد رئيس تحرير دورية الكلمة، وفي الجهة المقابلة شاركت مجموعة من أبرز النسويات الإسلاميات، مثل: الدكتورة أماني صالح والدكتورة أميمة أبو بكر والدكتورة زينة أنور والدكتورة مروة شرف الدين.

المرأة في المنظور القرآني: المفاهيم التأسيسية

توزَّعت أعمال مؤتمر (قضايا المرأة: نحو اجتهاد إسلامي معاصر) على أربعة محاور رئيسة، المحور الأول جاء تحت عنوان «المرأة في المنظور القرآني: المفاهيم التأسيسية» وسعى إلى إعادة قراءة المفاهيم القرآنية التي حددت إطار العلاقة الكلية بين الرجال والنساء.

وضمن هذا المحور قدمت الدكتورة نادية الشرقاوي الباحثة بمركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، ورقة بعنوان «أسس العلاقة بين المرأة والرجل من منظور قرآني»، حاولت خلالها أن تجيب عن التساؤلات التالية: كيف قدم القرآن صورة المرأة الإنسان؟ وما هو المفهوم التحرري الذي جسدته الآيات القرآنية لمطلق الإنسان رجلاً أم امرأة؟ وما هي أبعاد القراءة التجديدية لعلاقة المرأة بالرجل على ضوء القراءة الشمولية للقرآن؟

وفي محاولتها لقراءة أبعاد علاقة الرجل والمرأة في الإسلام ذهبت الشرقاوي إلى أن هناك ثلاث «قراءات تدبرية» للقرآن يمكن من خلالها استنباط هذه العلاقة، وهي: القراءة الشمولية، وتعني بها عدم استخلاص الأحكام واستنباطها إلَّا بعد جمع الآيات القرآنية في الموضوع، ومراعاة السياق الواردة فيه، وتحديد الموضوع العام للسورة التي وردت فيها، وأوردت مثلاً بسورة النساء التي لا يمكن فصل أحكام النساء الواردة فيها عن أحكام اليتامى وأحكام الوصية وغيرها.

أما القراءة المقاصدية والتي تعني القراءة الهادفة إلى استنباط الأحكام وفقا لمقاصد الشريعة وقيمها الحاكمة وعلى رأسها العدل «فإن كان الحكم بعيدا عن مقصد العدل ومقصد المساواة وجب إعادة قراءة النص» على هديهما.

على حين تشير القراءة الاجتهادية إلى حتمية إعادة قراءة النص القرآني على ضوء التطورات المجتمعية والمعرفية الحاصلة في المجتمعات الحديثة.

وتذهب الشرقاوي إلى أن القراءة الشمولية تفرض علينا تجاوز القراءة التجزيئية التي تقف عند الآيات التي تخدم فهماً معيناً، والقراءة المقاصدية تفرض علينا استحضار ومراعاة المقاصد العامة التي جاء بها القرآن كالعدل والحرية والاختيار والمسؤولية الفردية، والقراءة الاجتهادية تفرض علينا ألَّا تكون الثقافة العُرفية مُوجِّهة لفهمنا للنص القرآني، وتتعامل مع الآيات القرآنية بعيداً عن الفكر المقيّد بالزمان والمحصور بالمحيط خاص به.

وعقَّب على هذه الورقة الدكتور عاصم حفني من مصر، محاضر بالدراسات الإسلامية، جامعة ماربورج الألمانية.

وضمن المحور ذاته خصَّصت الدكتورة أماني صالح أستاذ مساعد العلوم السياسية في جامعة مصر الدولية، ورئيس جمعية دراسات المرأة والحضارة ورقتها المعنونة «مفهوم المساواة في الرؤية القرآنية» لتقديم قراءة نسوية جديدة لمفهوم المساواة، واستهلتها بتحديد سمات ومعالم الرؤية التراثية للمرأة وأجملتها في العناصر التالية:

1- الخلط بين «الاختلاف» و«التمايز»: أي الخلط بين اختلاف النوع البشري كحقيقة موضوعية محايدة لا جدال فيها، وبين القول بأفضلية أحدهما على الآخر.

2- تأثر عقلية وضمير المجتهدين وعلماء الدين بشدة بالقيم الثقافية والتاريخية السائدة في عصرهم، والنظر إليها بوصفها سُنناً للخالق أو حقائق وطبائع الأشياء، مما أكسب هذه الرؤى التاريخية البشرية طابع القداسة.

3- بناء القواعد العامة لقضية العلاقة بين الجنسين على منهجية «الاستقراء»، أي بناء الرؤية الكلية من خلال تعميم بعض الأحكام الجزئية (مثل الميراث وغيره)، بدلاً من تنزيل الكلي أي القيم والمقاصد على الجزئي.

وكان من نتيجة تفاعل هذه العوامل مجتمعة تبني المؤسسات المعرفية الدينية وبخاصة مؤسسة الفقه والتفسير منظومة أفضلية الرجل على المرأة.

وفي القسم الثاني من ورقتها قدمت أماني صالح رؤية نسوية بديلة لمفهوم المساواة، وقد أسست هذه الرؤية على عدد من الآيات القرآنية التي تشير إلى تساوي الخلائق جميعاً أمام خالقهم، ومن خلال قراءة هذه الآيات خلصت إلى أن المساواة بين الجنسين ليست قضية اجتماعية بل هي قضية وجودية (أنطولوجية)، وأن الاختلاف بين الجنسين لا يعني التمايز أو الأفضلية التي صرحت الآيات القرآنية بأن معيارها الأساس هو التقوى.

وأن إعمال قاعدة المساواة في تشخيص العلاقة بين النساء والرجال في الرؤية القرآنية تبدأ من العموم إلى الخصوص، فهي تبدأ من الأصل الإنساني تنزيلاً ونزولاً وتعميماً نحو ما هو ثقافي وقانوني، وهو ما يغاير ما ذهب إليه المفسرون من الانطلاق من الخاص إلى العام.

عقَّب على هذه الورقة الدكتور عمرو الورداني أمين الفتوى ومدير التدريب بدار الإفتاء المصرية.

المرأة والمنظومة الأسرية

كان البحث في موقع المرأة داخل المنظومة الأسرية، هو موضوع المحور الثاني من محاور المؤتمر، وضمن هذا المحور قُدمت ثلاث أوراق بحثية، الأولى حملت عنوان «مفهوم القوامة: رؤية اجتهادية جديدة»، وقد أعدتها الدكتورة أميمة أبو بكر أستاذ الأدب الإنجليزي المقارن بجامعة القاهرة.

وفي افتتاحيتها أكدت الأهمية المركزية التي يتمتع بها هذا المفهوم في المنظومة الإسلامية حتى أصبح معياراً وأساساً لتحديد العلاقة بين الرجال والنساء وبخاصة داخل المؤسسة الزواجية، باعتبارها علاقة غير متساوية، وقد تجلَّت أهميته المعاصرة في كونه عقبة في طريق إصلاح قوانين الأسرة، حيث يحول دون تقنين أي رؤية مساواتية في الحقوق وتكافؤ الفرص.

وتابعت أميمة أبو بكر في ورقتها المركّزة آليات تشكُّل هذا المفهوم في التراث التفسيري منذ الإمام الطبري في القرن العاشر الميلادي وصولاً إلى الإمام محمد عبده في مفتتح القرن العشرين، ورصدت عدداً من الملاحظات عليه: أولها أن المفهوم لم يرد في صيغة الاسم وإنما ورد في صيغة الفعل في الخطاب القرآني، وهو ما يعني أنه مفهوم تم صكه فقهيًّا مثله مثل مفاهيم الإمامة والحاكمية والخلافة.

وثانيها أنه تأسس بمعزل عن الآيات السابقة التي تطرقت إلى المواريث، وثالثها أن المفسرين انتقلوا به من مجرد الإخبار والتعليل لأسباب تفاوت الميراث إلى التعميم حين جعلوا منه قاعدة عامة تحكم مجمل علاقة الرجال بالنساء.

ورابعها عدم التفات المفسرين إلى المقصد القرآني الأسمى للسورة، وهو إرساء مبدأ العدل في توزيع الموارد المالية، وعدم استئثار الرجال بالموارد المالية دون النساء، واختتمت ملاحظتها بالقول: إنه «تم تحميل مسئولية الإنفاق مضامين معنوية لم ترد في النص القرآني إطلاقاً... وهكذا تحوَّل هذا التكليف بالرعاية المادية إلى سبب إلهي (مزعوم) للتميز والأفضلية والتفوق، وتأسس منطق دائري مغلوط: الرجال ينفقون لأنهم أفضل، وهم أفضل لأنهم ينفقون».

عقَّب على هذه الورقة الدكتور مجدي عاشور المستشار الأكاديمي لفضيلة مفتي الديار المصرية.

أما الورقة الثانية ضمن هذه المحور فكانت من نصيب الدكتورة منجية النفزي السوايحي أستاذ بالمعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة (تونس)، وجاءت ورقتها تحت عنوان «العنف الأسري: قراءة في مفهوم الضرب وتأويلاته»، وقد حاولت خلالها أن تجيب عن سؤال رئيس هو مدى مشروعية الضرب من المنظور القرآني؟

وفي محاولتها للإجابة عمدت إلى حصر المعاني المتعددة لمفهوم الضرب في القرآن الكريم، ثم تتبعت تأويلات المفسرين -الأوائل والمحدثين- لمفهوم الضرب، وتوصلت إلى أنه من بين المفسرين المعاصرين انفرد الطاهر بن عاشور بالقول بخطورة الضرب، حتى إنه أجاز لولاة الأمر أن يُعزِّروا من يسيء استعمال هذه العقوبة بحق زوجته.

واختتمت بحثها باستخلاص مؤداه أنه يحق للمسلم المعاصر أن يختار من بين المعاني والدلالات الواسعة لكلمة الضرب في القرآن، وفي اللغة، ما يتلاءم مع قيم الرحمة والمعروف التي تسم العلاقة الزوجية، على حين رجَّحت في خاتمة المطاف أن يكون معنى الضرب الوارد في الآية الكريمة هو الابتعاد وترك البيت، وليس معناها إنزال العقاب البدني على الزوجة.

وعقَّب على هذه الورقة الدكتور سالم أبو عاصي أستاذ التفسير، جامعة الأزهر.

واختتمت أشغال هذا المحور بورقة الدكتورة نيفين رضا الأستاذة بكلية إيمانويل جامعة تورنتو الكندية، وعنوانها «النسوية الإسلامية وأصول الفقه: رؤية معاصرة للإجماع من خلال مسألة تعدد الزوجات»، وقد ضمنتها رؤية اجتهادية جديدة لمسألة تعدد الزوجات، غير أنها مهدت لموضوعها بتعريف للنسوية الإسلامية بقولها: «إنها نظرية المساواة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين الجنسين، وحركة تهتم بقضايا المرأة وحقوقها، فالنسوية الإسلامية هي نسوية نابعة من أصول الدين الإسلامي، وتعبير لها بمفاهيم ومصطلحات إسلامية وداخل إطار إسلامي... ومن المنظور النسوي الإسلامي هي وجه من أوجه الجهاد من أجل المستضعفين في الأرض من النساء، وخير من الصبر على الظلم، أو الاعتذار له، وهي من سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يتمثل نشاطه النسوي في منعه للوأد وفي تكريمه للمرأة في شتى المجالات».

وفي قراءتها النسوية لآية التعدد، ذهبت نيفين رضا إلى أن الآية ينبغي أن تقرأ في سياق الآيات السابقة لها في سورة النساء، والتي تضع ثلاث قيود أو شروط لإجازة التعدد، الأول الخوف من عدم القسط في اليتامى، والثاني أن تطيب نفس النساء لقبول التعدد -وهنا نلحظ أنها لم توافق المفسرين على أن لفظ «طاب» يعني الإجازة والإباحة-، والثالث أن يفوق الخوف من الإقساط في اليتامى الخوف من عدم العدل بين النساء.

وتسوق رضا عدداً من القرائن القرآنية التي تفيد أفضيلة الاكتفاء بزوجة واحدة ومنها قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}. وفي القسم الأخير من ورقتها ناقشت قضية الإجماع الفقهي، وقدمت قراءة نقدية لما ارتكز عليه الفقهاء من أدلة نصية تجيز التعدد مطلقاً.

عقَّب على هذه الورقة الدكتور محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة، كلية الحقوق، جامعة القاهرة.

حقوق المرأة بين الأصول النظرية والممارسات الواقعية

عُنّي المحور الثالث من محاور المؤتمر بقضية حقوق المرأة في الإسلام من منظور نقدي مقارن استهدف إعادة قراءة هذه الحقوق في الأصول التأسيسية المنشئة (القرآن الكريم والسنة النبوية)، والبحث في كيفية تجسدها في صورتها الواقعية الراهنة.

وقد افتتحته الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد الباحثة الإسلامية وعضو اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بالسعودية، بتناول قضية الحقوق السياسية في ورقتها المعنونة «المرأة والقيادة السياسية: قراءة في مفهوم الولاية»، وذهبت إلى أن الإسلام لم يحظر على المرأة الانخراط في العمل السياسي، مستدلة بأن الخالق جل شأنه قد ساوى بين الرجال والنساء في الولاية وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوقفت أمام الأدلة التي يسوقها الفقهاء لمنع المرأة من العمل السياسي وعلى رأسها حديث «لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»، وذهبت أنه لا يؤخذ به للأسباب التالية:

أولاً: تناقضه مع عدد من آيات القرآن الكريم، وبخاصة آية الولاية {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، وآية البيعة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ}.

ثانياً: تناقضه مع إشادة الخالق جل شأنه بملكة سبأ لكونها امرأة شورية، وبيان قوة دولتها في قوله تعالى على لسان قومها: {نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}، ولو كان لا ولاية لامرأة لبيَّن الخالق ذلك في هذه الآيات، واستنكر حكمها لقومها، بل نجد سيدنا سليمان (عليه السلام) قد أقر ملكة سبأ على حكم اليمن بعد إسلامها.

ثالثاً: الحديث رواية مفردة، فلم يروه إلّا عبد الرحمن بن أبي بكرة، والروايات المفردة لا يعتد بها في الأحكام الفقهية. كما أنه لا تقبل رواية راوي هذا الحديث لتطبيق حد القذف عليه، وقد طبّقه عليه عمر بن الخطاب وقد قال الله عزّ وجل عمن حُدّ حدّ القذف: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا... إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}.

واختتمت زين العابدين بأن الإسلام أعطى للمرأة حقوق الشورى والبيعة والولاية بنصوص قرآنية واضحة قطعية الدلالة لا تحتاج إلى تأويل ولا اجتهاد، بل آية البيعة جاء فيها الخطاب للنساء {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ}، وآية الولاية ذكر فيها المؤمنات مع المؤمنين {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، وآيتا الشورى جاءتا بصيغة العموم بحيث شملت الذكور والإناث معًا. واستخلصت من وراء هذا كله أنه لا يصح حرمان النساء من العمل السياسي احتجاجاً بأحاديث لم تثبت صحتها، أو أعراف وممارسات ثقافية تناقض الأصل القرآني.

عقّب على هذه الورقة الدكتور محمد أبو زيد الأمير، عميد كلية الدراسات الإسلامية، جامعة الأزهر، المنصورة.

الورقة الثانية ضمن محور حقوق المرأة أعدتها الدكتورة ميادة الحسن أستاذ الفقه والأصول المساعد بجامعة الملك فيصل، وكرستها للبحث في «حقوق المرأة الاقتصادية بين الشريعة والعرف».

وقد حددت الباحثة منهجها في مقاربة هذا الموضوع بكونه عرضاً للنصوص أكثر من استقراء الآراء الفقهية، وذلك بغية إرساء منهج العودة إلى النصوص الثابتة واستخلاص الأحكام المباشرة منها دون تقديس الاجتهادات المتغيرة. والتزاماً منها بهذا المنهج قدمت عدداً كبيراً من الأدلة النصية والعملية التي تؤكد حقوق المرأة الاقتصادية بشقيها الحق في التملك والحق في التصرف.

عقَّب على هذه الورقة الدكتورة فاطمة المدغري، أستاذ القانون الإداري، مركز التوجيه والتخطيط (المغرب).

أما الورقة الثالثة فقد حملت عنوان «النساء والحق في الاجتهاد وإنتاج المعرفة: قراءة في مفهوم النقص وتأويلاته»، وهي من إعداد الأستاذة فاطمة حافظ الباحثة بمركز خطوة للتوثيق والدراسات، والإشكالية الرئيسة التي حاولت الإجابة عنها هي أنه إذا كان الإسلام يُعلي من شأن العقل ويجعله مناط التكليف، فكيف يمكن أن نفهم ما نسب إلى النساء من انتقاص للعقل في حديث نبوي، ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات الفرعية حول ماهية النقص الذي ورد في الحديث الشريف، وكيف تم استيعابه في الخبرة التاريخية، وهل حال دون إسهام النساء في عملية إنتاج المعرفة الدينية؟

وفي محاولتها للإجابة تتبعت فاطمة حافظ تأويلات مفهوم النقص لدى عدد من المفسرين والفقهاء منذ القرن السابع وحتى خواتيم القرن العشرين، ثم استعرضت دور النساء في إنتاج المعرفة الدينية على نحو اتضح معه امتداد هذه المشاركة العلمية في القرون الإسلامية الأولى وتراجعها منذ القرن الثامن وما يليه خلال المرحلة العثمانية بفعل تجذر مؤسسة الحريم في الدولة العثمانية.

وفي القسم الثالث والأخير قدمت قراءة موجزة في موقف الفقهاء من اجتهاد المرأة، واختتمت حافظ بحثها بنتيجة مؤداها أن نص الحديث لم يفهم منه امتناع النساء عن المشاركة في إنتاج المعرفة الدينية، وأن إقصاء النساء واستبعادهن من عملية إنتاج المعرفة قد تم بفعل التأويلات والمدلولات التي أقحمت على النص وأكسبته حمولات سلبية في مراحل تاريخية لاحقة.

عقَّب على الورقة الأستاذ زكي الميلاد، رئيس تحرير مجلة الكلمة (السعودية).

المرأة والمجال العام

في المحور الرابع والأخير بحث المؤتمر قضية حضور المرأة في المجال العام، وضمن هذا السياق تمت مناقشة ورقتين، الأولى للدكتور محمد الأرناؤوط أستاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت تحت عنوان «الوقف كمؤشر لحضور المرأة في المجال العام: الماضي والحاضر والمستقبل»، وقد ألقاها نيابة عنه الدكتور إبراهيم البيومي غانم الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، واستعرض خلالها نماذج تاريخية لسيدات مسلمات أوقفن ممتلكاتهن للنفع العام. وخلص إلى أن هذه النماذج التي توزعت عبر العصور التاريخية المختلفة تبرهن أن النساء المسلمات لم يغبن عن ساحة المجال العام كما يزعم البعض.

أما الورقة التالية التي حملت عنوان «تحديات تعديل قانون الأحوال الشخصية من منظور نسوي إسلامي» فقدمتها الدكتورة مروة شرف الدين المدير التنفيذي لحركة مساواة في مصر، وتطرقت خلالها إلى التحديات التي تواجه مساعي النسوية لإصلاح قانون الأحوال الشخصية في مصر، وقد حاولت خلالها الإجابة عن سؤال رئيس هو: هل يعد قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم العلاقات الأسرية في مصر قانوناً إسلاميًّا صرفاً أم أنه قانون بشري يحمل فهم واضعيه لرسالة الإسلام؟ ومن هنا تطرقت إلى تعريف عدد من المصطلحات المهمة في هذا الإطار مثل الشريعة والفقه وبينت الفروق بينهما.

وفي القسم الثاني تطرقت شرف الدين إلى «النسوية الإسلامية» التي عرفتها بأنها «الوعى بالظلم الواقع على النساء جراء كونهن نساء، وإرادة فعل شيء حيال ذلك، سواء في شكل إنتاج معرفي جديد أو موقف دعم ومساندة أو الاثنين في الوقت ذاته».

ثم عرضت شرف الدين لآراء مجموعة من المنظمات غير الحكومية ذات الصبغة الإسلامية تتعلق بقانون الأحوال الشخصية، وخلصت إلى أنها جميعاً تعتقد بضرورة مراجعة الآراء التي قدمها فقهاء السلف والتي يتأسس عليها قانون الأحوال الشخصية، وتقديم آراء جديدة تكون أكثر ارتباطاً بالحياة المعاصرة.

عقَّب على الورقة الدكتورة سوسن الشريف باحثة بمركز البحوث الاجتماعية، الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

خاتمة

كان من الطبيعي أن تُثير بعض الآراء أو «الاجتهادات» -حسب وصف الباحثات- ردود فعل لدى علماء المؤسسة الأزهرية الذين حضروا أشغال المؤتمر، وبإيجاز شديد يمكن القول: إن عدداً من الانتقادات قد وجهت إلى الباحثات، وأهمها اقترابهن من النصوص الشرعية دون امتلاك ناصية العلوم الشرعية، وأنهن قللن من قدر علماء السلف بشكل كبير.

ولم تخفِ بعض التعليقات القلق من استخدام مفهوم «النسوية» باعتباره مفهوماً نشأ في ظل المنظومة الغربية ويصطبغ بالدلالات غير الإيجابية، على حين عبر بعض آخر عن خشيته من أن تؤدي محاولات إنتاج المعرفة النسوية البديلة إلى التحول إلى إنتاج «فقه النوع».

ورغم هذه الانتقادات أو بالأحرى التخوفات يمكن القول: إن هذا المؤتمر يعد خطوة حقيقية على طريق توطين المعرفة النسوية في العالم العربي، وعلى طريق تجسير الفجوة المعرفية بين الرموز النسوية وبين رجالات المؤسسة الدينية.

 

 

 

 


[1] يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى ذلك المؤتمر الهام الذي نظمته مؤسسة المرأة والذاكرة بالتعاون مع المعهد الدنمركي المصري للحوار تحت عنوان (النسوية والمنظور الإسلامي.. آفاق جديدة للمعرفة والإصلاح)، والذي عقد في مارس 2012م.

حقوق النشر مجلة الكلمة