قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) 207 آل عمران. وقال: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) 23 الحشر. وقال الإمام الحسين(ع): (من كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا). (01)

 

لانزال مع اصحاب الامام الحسين(ع)، الذين اختفت تفاصيل سير أكثرهم عن المنبر الحسيني، ومع الذي استشهدوا في الحملة الاولى، ومع الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل معتقدهم، ومع الذين قدموا ارواحهم فداء لإمامهم، ومع الذين رغم علمهم أن القوم يطلبون الإمام(ع) وحده، ولو إنهم ظفروا به ما أبهوا بغيره. ونحن هنا نحاول تجميع سيرهم المتناثر هنا وهناك، وتجميع تاريخهم المخفي عنا في صفحات التاريخ، محاولين استخراج سيرهم الحقيقية، ولو إنها كتبت بأيدي معادية لفكر الإمام الحسين(ع).  

 

وبين أيدينا الجوهرة الثانية والخمسين من خرزات هذه السلسلة المباركة، الخرزة التي التحقت بركب شهداء الإصلاح الحسيني، الخرزة التي استشهدت ضمن الذين استشهدوا في الحملة الاولى في يوم عاشوراء، وهذه الجوهرة هو:

 الاسم: عمرو بن خالد الصيداوي
شباك المدفن: ضريح شهداء كربلاء
تاريخ الوفاة: عاشوراء عام 61هـ.
سبب الشهرة: استشهاده يوم عاشوراء (01)


نسب الشهيد عمرو الصيداوي:
هو أبو خالد عمرو أو عمر، بن خالد الأسدي الصيداوي. (01) وهو حفيد حكيم بن حزام الأسدي الكوفي المستشهد بين يدي الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء. (05)

 

هوية الشهيد:

كان عمرو بن خالد الاسدي شريفاً في الكوفة، ومسانداً لمسلم بن عقيل، ومخلصاً الولاء لأهل البيت. ويقول أبو مخنف: إن عمرو بن خالد ومولاه سعد بايعا مسلماً بن عقيل بالكوفة. (01) وقيل أن الأسديّون الذين ناصروا الحسين(عليه السّلام) وفدوه بأنفسهم قد كانوا ثمانية، بالإضافة إلى سعد مولى عمرو بن خالد الصيداوي. (04)


خروج الشهيد من الكوفة:
يقول أبو مخنف: وبعد أن خانت الكوفة بمسلم خرج عمرو بن خالد ومولاه سعد متخفين منها. لكن التستري يشكك في هذا القول، وهناك أخبار أخرى تقول: لما سمع عمرو بقتل قيس بن مسهر، وأخبر أن الإمام الحسين(ع) صار بـالحاجر خرج إليه ومعه مولاه سعد، ومجمع العائذي وابنه، وجنادة بن الحرث السلماني، واتبعهم غلام لـنافع البجلي بفرسه - المدعو الكامل - فأبعدوه، وأخذوا دليلاً لهم يدعى "الطرماح بن عدي الطائي"، وكان قد جاء إلى الكوفة يجلب لأهله طعاماً، فخرج بهم على طريق متنكبة، وسار سيراً عنيفاً من الخوف؛ لأنهم علموا أن الطريق مرصود، فأوصلهم إلى ركب الإمام الحسين(ع). (01)

التحاق الشهيد بالإمام: 
عندما ترائت خيم الإمام الحسين(ع) في عذيب الهجانات حدا بهم الطرماح، فأنشد يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري          وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر                 حتى تحلي بكريم النجر
الماجد الحر رحيب الصدر             أتى به الله لخير أمر
ثمة أبقاه بقاء الدهر
وعندما وصلوا إلى الإمام الحسين(ع)، وسمع الأبيات قال لهم الإمام (ع): "أما وَاللَّهِ إني لأرجو أن يكون خيراً مَا أراد اللَّه بنا، قتلنا أم ظفرنا". (01)


حماية الإمام(ع) للشهيد: 
وعندما التحق عمرو ومن معه بالإمام الحسين(ع)، جاء الحر ـ الذي كان قد تبعهم من الكوفة ـ إلى الإمام(ع) قائلاً: "إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم". فقال له الحسين(ع): "لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لي بشيء حتى يأتيك كتاب ابن زياد". فقال الحر: أجل، لكن لم يأتوا معك. فقال الإمام(ع): "هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تمّمت على ما كان بيني وبينك، وإلاّ ناجزتك". فكفّ عنهم الحر.  (01)


استشهاده:
ويروي أبو مخنف، ويقول: ولمّا اشتد القتال بين الحسين(ع) وبين جيش عمرو بن سعد – وكان اصحاب الحسين(ع) متقدمين بأسيافهم، عطف عليهم أصحاب ابن سعد فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم. فلما نظر الحسين(ع) إلى ذلك، ندب إليهم أخاه العباس، فحمل على القوم وحده يضرب فيهم بسيفه قدماً، حتى خلص إليهم وستنقذهم، فجاءوا وقد جرحوا. فلما كانوا في أثناء الطريق والعباس يسوقهم، رأوا القوم تدانوا إليهم ليقطعوا عليهم الطريق، فانسلوا من العباس، وشدوا على القوم بأسيافهم شدة واحدة على ما بهم من الجراحات، وقاتلوا حتى قتلوا في مكان واحد، (01) وكان بينهم عمرو بن خالد الاسدي الصيداوي، (02) فتركهم العباس ورجع إلى الحسين(ع) فأخبره بذلك، فترحم عليهم الإمام(ع)، وجعل يكرر ذلك. (01) وقيل أن عمرو بن خالد الصيداوي جاء إلى الإمام الحسين(ع) فقال: السلام عليك يا أبا عبدالله! قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف فأراك وحيدا من أهلك قتيلا. فقال له الحسين(ع): تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة، فتقدم وقاتل قتالا شديدا حتى قتل. (03)

زيارة الشهيد:
ورد اسمه في زيارة الشهداء، ووقع التسليم عليه. (01) ورد ذكره والسّلام عليه في الزيارة المنسوبة إلى الناحية المقدسة بقول: ((السّلام على عمرو بن خالد الصيداوي)). (04)

 

وهنا تنتهي بنا حلقتنا هذه باستشهاد "عمرو بن خالد الصيداوي" مناصراً لأبي الضيم وابو الأحرار(ع) ومدافعاً عنه، بل مناصراً للحق الالهي، منقذاً نفسه من نار سعرها جبارها لغضبه، متوجه إلى جنة عرضها السماوات والارض، أعدها ربها لرحمته.   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر: (01)(ويكي شيعة) – (02)(مكتبة الموسى الثقافية) – (03)(المكتبة الشيعية) – 

(04)(شبكة الإمامين الحسنين الثقافية) – (05) (تاريخ المراقد الحسين وأهل بيته وأنصاره ج05 دائرة المعارف الحسينية)