وسط خراب اللحظة، وموت الإنسان على نحو مجاني، وضياع الأوطان في مطلع القرن الحادي والعشرين، يستعيد العقل الفلسفي وظائفه الممكنة كبارقة أمل تعكس حيوية التفكير البشري في مواجهة كل تلك الهزائم الوجودية، وهي استعادة لا يخوضها سوى مفكِّر تنويري يُدرك مجرى الوجود بكل تفاصيله؛ يُدرك اليومي كما الكوني، ليس بعيداً عن صيرورة الفكر وتحولاته، ولا عن الواقع ومجرياته وكذلك عن مآلاته، وتلك استعادة لا تتم إلاّ بإعادة بناء العقل البشري، عبر تحليل واقعه المعرفي والوجودي، وتبيان عوائق اشتغاله، وكشف مضادّات أدواره المعرفية والوجودية.

منذ عقود عدّة، يشتغل المفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي في مجالات المعرفة النظرية والعملية. وفي خلال عشرين عاماً مضت بلور مشروعه الفكري في تجديد التفكير الدِّيني مستعيناً بـ (العقل) كونه قدرة نظرية - عملية في آن واحد. ويمثل ذلك تحولاً في المشهد الفلسفي والفكري العراقي، كما يمثل تحولاً في مشهد التفكير الفلسفي في الدِّين، ليستعيد تلك الجذوة الفكرية التي مارسها أسلافنا الفلاسفة العرب والمسلمون عندما قاربوا بين الدِّين والفلسفة أو بين الإيمان والعقل، ولكن برؤية لا تغادر حراك ما يجري في صميم الحياة والوجود على نحو تاريخاني، ولذلك تكتسب تجربة الرفاعي أهميتها التأريخية كما المعرفية في آن.

يستأثر التفكير الفلسفي في الدِّين باهتمام الرفاعي، وهو أرضية أنطولوجية شاملة يتفكَّر عبرها العلاقة بين الفلسفة والدِّين أو العقل والإيمان أو المعرفة والواقع. ولذلك، يعتقد بأن التساؤل أو التسآل حالة مطلوبة، لدفع الانغلاق بعيداً عن حرية الإنسان في التفكير؛ فليس "هناك سؤال أخير، وفي الفلسفة ليس هناك مفهوم أخير، وفي الفكر ليس هناك رأي أخير، وفي العلم ليس هناك نظرية أخيرة، وفي الدِّين ليس هناك اجتهاد أخير"([1]).

فتح أبواب الأسئلة والتسآل هي طريقة فلسفية كون الإنسان في حدِّ ذاته هو كائن تساؤلي، لكن أسئلة هذا الكائن ستذهب هباء منثور المصير إذا ما جرت في حقل معرفي لا يتساوق معها. وفي تجربة الرفاعي بدت (فلسفة الدِّين) خير حقل للمضي قدماً في تجديد الحال الوجودي والمعرفي معاً. ولذلك هيّأ مجاله عندما غامر "باجتراح تفسير لا يخشى توظيف معطيات العلوم الإنسانية والمعارف الجديدة في قراءة النُّصوص الدِّينية، ولا يمتنع من الإفادة من خبرة فلسفة الدِّين الحديثة والمعاصرة في الكشف عن جوهر الدِّين، ونمط التجارب الدِّينية"([2]).

تبدو العلاقة بين الدِّين والفلسفة محورية في تفكير الرفاعي تلك التي تتجلى في خيمة فلسفة الدِّين، ما يعني أن التفكير الفلسفي في الدِّين ليس ترفاً فكرياً إنما ضرورة واقعية ومعرفية؛ فحين "يموت التفكير الفلسفي تموت العلوم والمعارف، كذلك تتعطل الدراسات الدِّينية عن الإبداع حينما يموت التفكير الفلسفي في الدِّين، ولا يمكنها الخلاص من التكرار والاتباع. لقد تعطَّلت العلوم والمعارف في عالم الإسلام لحظة تعطُّل التفكير الفلسفي"([3]).

إن العودة إلى (الدِّين) لدى الرفاعي تبدو مبرَّرة لأهمية هذا القطاع الروحي والفكري في الحياة والوجود مثلما هي أهمية العودة إلى (الفلسفة) التي تمنح التفكير الدِّيني حياته ونبضه. وفي سياق التفكير الفلسفي في الدِّين، وفي سياق العقلانية الدِّينية، تأتي أهمية الدِّين الضرورية؛ فالدِّين "منطلق أيّة عملية للنهوض والتنمية والتحديث في مجتمعاتنا يكون رأسمالها ومادتها المحورية الشخص البشري؛ فالدِّين هو المنبع الأساس في بناء حياته الروحية، وتطهير حياته الأخلاقية، وحماية الكائن البشري من الاغتراب الكوني، والقلق الوجودي، والعبثية، واللامعنى، بإرواء ظمأه الأنطولوجي للمقدس"([4]).

هكذا تبدو المهمة المحورية للدِّين إنما هي "إرواء الظمأ الأنطولوجي للكائن البشري"([5]). وكذلك "إنتاج المعنى، فنمط إنتاج الدِّين يرتبط بالمعنى، أي إنه يخلع المعنى على ما لا يمكن أن تمنحه الوسائل والأدوات الأخرى التي يمتلكها الإنسان معنى"([6]).

لقد تعرَّض الدِّين بوصفه نهوضاً، تعرَّض إلى القمع، وبوصفه منبعاً إلى الردم، وبوصفه إرواء إلى النضب، وبوصفه معنى إلى التحريف والقمع، وتلك إشكاليات الدِّين عبر التأريخ، خصوصاً في الراهن المعاصر؛ حيث "رحلته الجماعات الإسلامية إلى الأيديولوجيا، وحوَّلته إلى وقود يحترق في عربة السياسة، وزجته في الدولة، فأفشلت الدولة، وأمرضت الدِّين، وأفسدت رسالته"([7]).

إن محاولة التخلُّص من كل تلك الإشكاليات إنما يبدأ من وضعها على مسطرة التساؤل الفلسفي عبر حقل معرفي هو (فلسفة الدِّين). على أن حقلاً من هذا النوع لا بد له أن يتوسَّل التفكير الفلسفي طريقة له، وذاك لا يمكن أن يكون من دون إعمال دور العقل، وإحياء مكانته، وتشغيل فاعليته بطاقة قصوى، فالعقل، ومن منظور الرفاعي، حقيقة موضوعية؛ فهو ليس مفارقاً أو متعالياً أو متجاوزاً للعالم الموضوعي نحو آفاق ماورائية غير منظورة ولا محسوسة أو مشعور بها، لذلك لا يجب عد العقل "مستقلاً عن الواقع، وليس خارجاً على التاريخ، وليس ناجزاً نهائياً ساكناً، إنه في حالة تفاعل متواصلة مع البيئة المحيطة، ومع كافة أشكال المعقولية السائدة في عصره"([8]).

إن العقل، بل والتفكير العقلاني الذي تعدُّ الفلسفة خليلته ومنبعه، بحسب الرفاعي([9])، يعاني من عوائق ومعيقات تعطِّل دوره وتلجم فاعليته في الوجود اليومي والمعرفي للإنسان وحراكه التاريخاني؛ منها: (الأسطورة) بوصفها عائق إجهاض للعقلانية، و(الأيديولوجيا)؛ بوصفها العائق الأخطر، ومنه أدلجة الدِّين فيها. و(الصنمية)؛ حيث الرغبة العارمة بنحت زعيم سياسي أو غيره يراد له أن يُعبد، خصوصاً عندما يتحوَّل المفكِّر إلى صنم وقتئذ يكف العقل عن التفكير. و(الشَّغف بالماضي)؛ حيث الحنين المرضي الذي يجهض التفكير الفلسفي([10]).

إن التفكير العقلاني الذي يتوسَّل (العقل) كخلٍّ له، لا بدَّ أن يودي بهذه المعيقات التي تعطِّل عمله، وتلجم التفكير الفلسفي عن ارتياد دوره في الحياة والوجود. ولذلك يتطلب تجديد التفكير الدِّيني المؤسَّس على رؤية فلسفية عقلانية تفكيراً أبستمولوجيا جلي المنحى، ومهمة من هذا النوع، وبحسب مشروع الرفاعي، تحدث الآن نُقلة نوعية في تأريخ التفكير الفلسفي العراقي، بل تحدث قطيعة معارفية (إبستمولوجية) مع موروث فلسفي عراقي معاصر عطل دور العقل (ياسين خليل أنموذجاً منذ عام 1970)، كما أن قطيعة من هذا النوع نراها تؤسِّس لرؤية فلسفية تنصرف إلى قطاع معرفي غاية في الأهمية والخطورة ألا وهو قطاع الدِّين - المعرفة الروحية، وقطاع الدِّين - التجربة الوجودية، فالغاية من كل ذلك هي التصالح مع (الدِّين) بتفكير عقلاني يتوسَّل تفكُّر الدِّين بالعقل، وتدشين مرحلة جديدة في النظر إليه نظرةً عقلانية بوصفه منتجاً لمعنى واقعي المصب؛ ذلك أن "المعنى الذي يخلعه الدِّين على الحياة؛ حياتنا نحن البشر، يتوقف، في تفسيره وأبعاده وشموله ومجالاته، على رؤيتنا للوجود البشري ومعناه وحدود إمكاناته"([11]). ما يعني الإنسان يمثل أهمية كبرى في مجرى أنطولوجيا الدِّين، فهذا الأخير ليس متعال في برج روحي مفارق لكل ما هو محايث، بل هو دين حياة وعمل وتفكير يطلب دائماً من البشر التفكُّر في حالته ليس بعيداً عن المخلوق البشري بوصفه حالة أنطولوجية تفتقر إلى المقدَّس المنزه من مثالب التفكير الأسطوري والأيديولوجي والصنمي وتقديس الماضي المغلق.

الهوامش




[1]. (لا خلاص إلا بالخلاص من أدلجة الدين)، حوار رحيل دندش مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي، موقع مؤمنون بلا حدود الإلكتروني، الرباط، مارس، 2015. منشور ضمن كتاب: (عبد الجبار الرفاعي: الدين والظمأ الأنطولوجي، ص 232، مركز دراسات الدين - بغداد ودار التنوير، بيروت، 2016).

[2]. نفسه، ص 232.

[3]. نفسه، ص 234.

[4]. نفسه، ص 231.

[5]. نفسه، 232.

[6]. (تحديث التفكير الديني)، حوار مولاي أحمد صابر مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مجلة يتفكرون الإلكترونية، الرباط، خريف 2013. منشور ضمن كتاب: (عبد الجبار الرفاعي: الدين والظمأ الأنطولوجي، ص 262، مركز دراسات الدين – بغداد ودار التنوير بيروت، 2016).

[7]. لا خلاص إلا بالخلاص من أدلجة الدين)، ص 232.

[8]. نفسه، ص 210.

[9]. (تحديث التفكير الديني)، ص 256.

[10]. (لا خلاص إلا بالخلاص من أدلجة الدين)، ، ص 209، ص 210، ص 211، ص 212،  ص 228.

[11]. (تحديث التفكير الديني)، ص 261.