لذلك في المكان الاجتماعي الذي تتواجد فيه مجتمعات بشرية، تنتمي إلى مدارس عقدية وفقهية مختلفة عن مدرسة الأكثرية إذا جاز التعبير، تعاني هذه المجتمعات من مدى انسجامها والتحامها مع بعضها البعض.

وحتى نتمكن من معالجة هذه المسألة بشكل صحيح، من الضروري القول: إن المشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية المترتبة من وجود حقائق التنوع والتعدد، ليست نابعة من طبيعة التعدد الفقهي والمذهبي أو التنوع الثقافي والاجتماعي، وإنما نابعة من طبيعة الخيارات المتبعة في إدارة حقائق التعدد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. 

وحتى لا نقع في المواقف الأيدلوجية التي تغطي مقتضيات الموضوعية في التعامل مع مثل هذه الموضوعات، نتمكن من القول: إن جميع المسلمين بمختلف مدارسهم الفقهية ومشاريعهم الفكرية فشلوا على المستوى العملي في إدارة التنوع المذهبي الموجود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

لهذا نحن بحاجة باستمرار إلى تطوير مناهج وآليات إدارتنا لحقائق التنوع الموجودة في مجتمعاتنا، حتى نتجاوز كل العيوب التي قد نقع فيها، وتسبب إشكاليات عملية من جراء سوء إدارتنا أو تعاملنا مع حقائق التنوع المذهبي. 

ولو تتبعنا اليوم طبيعة الصراعات والصدامات التي تجري في أغلب المناطق العربية والإسلامية، سنجد أن أغلب هذه الصراعات والصدامات، تعود في جذورها إلى الإخفاق الكلي أو النسبي في إدارة حقائق التنوع المذهبي الموجودة في البلدان العربية والإسلامية.

وما نود أن نثيره في هذا المقال هو طبيعة المشكلة الطائفية التي تعاني الأمة منها، ولكن من زاوية أخرى. وهي ما نسميها الطائفية المغلوبة أو المعكوسة.

بمعنى أن الممارسة الطائفية سواء أكانت خشنة أم ناعمة، تمارس على نحوين أساسيين وهما: أن المجتمع الغالب يمارس طائفيته المعهودة، حيث التهميش والإقصاء والاستبعاد، والتعامل مع الطرف المذهبي المختلف، بوصفه مشكلة حقيقية وواقعية، تقتضي الاحتراز من هذا الطرف وعدم تمكينه من بعض المواقع الإدارية والسياسية.

لذلك ووفق هذه الرؤية الضيقة في التعامل مع التعددية المذهبية، فإن هذه الرؤية بدل أن تفكر في خيارات حضارية في التعامل مع هذه التعددية، فهي تلتزم بالرؤية السائدة في المنطقة العربية، التي تقتضي الإبعاد الممنهج والإقصاء وتصل بعض الحالات والنماذج إلى ممارسة التمييز بحق الطرف الوطني أو الاجتماعي الذي ينتمي إلى مدرسة فقهية مختلفة أو مغايرة.

وفي مقابل هذه الرؤية، فإن المجتمع الذي تقع عليه سياسات الإقصاء والتهميش، فإنه يقع في ذات المشكلة التي يعاني منها. وهذا ما نسميه الطائفية المغلوبة أو المعكوسة. ولعل من أهم سمات هذه الطائفية المعكوسة هي النقاط التالية:

1 العزلة والانكفاء والابتعاد قدر الإمكان عن المحيط الاجتماعي والثقافي والوطني. فإذا كان الغالب يمارس التهميش، فإن المغلوب يمارس العزلة والانكفاء وعدم الاندماج الوطني.

وعلى المستوى التاريخي إذا كانت هناك مبررات ومسوغات للعزلة والانكفاء في حقب تاريخية سابقة. فإن الانكفاء والانعزال في الحقبة الراهنة، يعمق فعل التهميش والإقصاء.

ولا معالجة واقعية لفعل التهميش والإقصاء إلا في الحضور الواعي والحيوي والفاعل على المستويات الوطنية كافة؛ لأن العزلة ومتوالياتها الإدارية والاجتماعية والثقافية، تضيع الكثير من الفرص التي توفر إمكانية عملية لتجاوز سياسات التهميش أو خيارات الإقصاء.

لذلك فإننا نتمكن من القول: إنه مهما كانت خيارات الإقصاء والتهميش، فإن خيار العزلة والانكفاء يفاقمها ويزيد وطأتها في مختلف الدوائر والمستويات.

ولا حل حقيقيا إلا بكسر حاجز العزلة والانكفاء والانطلاق في رحاب الوطن بعيدا عن مركبات النقص التي قد تصيب تلك المجتمعات، التي تراكمت عليها سياسات الإقصاء والتهميش.

2 توسيع دائرة المقدس. لو تأملنا في طبيعة السلوك الجماعي الذي تأخذه وتمارسه المجتمعات المنهزمة أو المغلوبة، فإننا نجد أن من أبرز هذا السلوك وكشكل من أشكال الدفاع عن الذات ومقدساتها، هو العمل على توسيع المقدس لديها لحماية المقدس الحقيقي لديها، وحتى لا يتمكن الطرف الغالب من التعدي المباشر على المقدس الحقيقي؛ لذلك فإننا نرى أن حجم المقدسات لدى المجتمعات المستقرة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا يختلف جذريا عن حجم المقدسات لدى المجتمعات المهددة في وجودها أو كيانها العميق.

من هنا فإن المجتمعات المغلوبة تزداد تمسكا بذاتها الثقافية، ولا تكتفي بذلك، وإنما تعمل عبر آليات عديدة إلى توسيع المقدس كوسيلة من وسائل الدفاع عن المقدس الحقيقي. ومع الزمن تتحول المقدسات الإضافية إلى مقدسات حقيقية من جراء تعاقب الأجيال واختلاف الظروف والأحوال.

3 الرهاب من التجديد: من الناحية السوسيولوجية فإن المجتمعات المغلوبة لا تمارس التجديد، ولا تعتبره من أولوياتها القصوى، وإن أغلب جهدها الحقيقي يتجه صوب وقف حالة المغلوبية، والتمسك بأهداب الهوية الذاتية التي هي خط الدفاع الأخير لهذا المجتمع.

أعتقد أن هذه السمات هي من أبرز سمات المجتمعات المغلوبة والتي وقعت في فخ ما نسميه الطائفية المغلوبة.

ولن تتمكن هذه المجتمعات المغلوبة من معالجة واقعها وراهنها، إلا بالتحرر من الطائفية المغلوبة وهي الخطوة الأولى في مشروع التحرر من الطائفية الغالبة من أجل المشاركة الفاعلة في وطن للجميع وينعم به الجميع وتتلاحم فيه كل شرائح وفئات المجتمع.

لذلك ومن منطلق وطني عميق، ينبغي أن نقف ضد كل نوازع العزلة والانكفاء ونشجع أبناء الوطن بمختلف أطيافهم للانفتاح على بعضهم البعض وكسر حواجز ومبررات الانكفاء.