الحلقة الثانية

( 2- 4 )

تحدثنا فى الحلقة الأولى السابقة من هذا الموضوع، عن نهج وتوجهات السياسة الإعلامية العربية التى تتبعها منظومة الإعلام العربي، وأشرنا إلى أنها وراء التداعيت التى تشهدها المنطقة، وبروزوانتشارمعظم الظواهرالغريبة والشادة التى إنتشرت فى المجتمعات العربية والوطن العربي بصورة عامة، ومن أهمها، ظاهرة الفكرالمتطرف والثقافة التكفيرية، كما أوضحنا بأن الأخطرفى ذلك هوقيامها ببث أخبارها واستعراض ممارساتها وإطلاق المسميات الإسلامية عليها، وهوالأمر الذى أساء إلى المسلمين وتشويه صورة وسماحة الإسلام..! 

 وفى هذه الحلقة الثانية أتناول جوانب أخرى من التداعيات الإعلامية العربية،  ومنها على سبيل المثال قضية الإعلام الخليجي نموذجا، فهناك للأسف من يعمل على جرها إلى التطاحن الطائفي إعلاميا، وهذا خلافا لما كان يسودها من أمن إعلامي سابقا، فهذه المنطقة كما هومعلوم، هي منطقة هادئة تحفل بتنوع سكاني يتعايش فيه  مختلف المكونات الدينية، بأمن ووئام منذ مئات السنين، حيث لم تسجل فيها ولله الحمد حوادث أوسجالات عنفية متطرفة تذكر، إلا فى الحقبة الأخيرة بعد إنطلاق موجة مايسمى بالربيع العربي وتردى الأوضاع وانهيارمنظومة التعاون العربي، وسيادة الإعلام التحريضي المغذي للفكرالطائفي المتطرف وانغماسه فى تعميق شرخ الفرقة والدفع بالممارسات الخارجة عن طبيعة الحياة الهادئة المستقرة التى ألفناها، إلى التصادم والفرقة وتوتيرالعلاقة وتمزيق وتفتيت عرى المحبة والتعاون والروابط الدينية والأخوية القائمة، التى حكمت أوجه العلاقة بين مختلف هذه المكونات منذ مئات السنين كما ذكرت..!

 وهذا مايجسده الواقع للأسف وبشكل ظاهروبارزفى ظهورهذه الظواهرالسلبية التى إجتاحت بلداننا الخليجية والعربية بوجه عام، بصورها البشعة والمقيتة، فلقد كانت شعوب المنطقة منذ مئات السنين وحتى مابعد الثورة الإيرانية بسنوات، وقبل أن تخرج علينا فى فضاء هذه الأمة، هذه الموجات العارمة الملوثة التى شوشت وشوهت أفكارنا ونخرت عقولنا، بتلك المفاهيم الجديدة المغلوطة والمزاعم والإفتراءات والأكاذيب الباطلة، والتى منها ما يتعلق بحقيقة البعبع الشيعي المزعوم الذى تروج له نوافيخ أدعياء أصحاب الفكرالإرتجالي، من الذين يتبنون تلك الدعايات الإعلامية والمزاعم الملفقة..أقول كانت شعوب هذه المنطقة تنعم بحياة هادئة وادعة، وتعيش بمكونها الشيعي والسني فى إستقرارواطمئنان ووئام وأمان وسلام دائم، وعلى جميع الصعد والمستويات (أمنيا واجتماعيا وطائفيا وإعلاميا وحتى سياسيا)فعلى مستوى المنطقة مثلا، كنا كمواطنين وكشعوب متجاورة متحابة، نموذجا يحتذى به فى المثالية لتلك العلاقة الطيبة، سواء فى المنطقة الشرقية أوسائرمناطق المملكة أوفى سائردول الخليج العربي عامة، فقد كنا كأسرة واحدة نتعايش ونتزاورونتزاوج ونعمل معا، تجمعنا لحمة الأخوة والدين والمحبة، حتى أننا كنا لانميز فيما بيننا من هوالشيعي ومن هوالسني، ولم نسمع أحدا أبدا ابدا يتحدث بالنبرة الطائفية، وﻻ فى الناحية المذهبية أبدا ومطلقا، وباعتبارأن مسألة التدين والعبادة، هي خصوصية ينفرد فيها العبد بينه وبين ربه، كذلك لاننسى أيضا انه كان ومنذ تلك الحقبة الزمنية الطويلة، كان يعيش بيننا وفى منطقتنا، وربما حتى اليوم أعدادا لابأس بها من الأخوة اﻹيرانيين، بقي منهم ممن تجنسوا وذابوا فى معظم محيط مجتمعاتنا الخليجية، وأصبحوا يعيشون معنا ويشاركوننا أفراحنا وأتراحنا وحياتنا الإجتماعية والإقتصادية، فلم نكن نعرف مثل هذه الحساسية الطارئة التى نشأت اليوم، ولم نكن نشعربهم أونتبين منهم، إلا من لكنة لهجاتهم المتأثرة بلغتهم الفارسية الأصلية، ولذلك لم نلقى منهم بمايفسد علاقاتنا بهم، ﻻمن الناحية الأخلاقية وﻻ الطائفية ولا من الناحية العرقية أوالقومية، وﻻ من أي ناحية أخرى، فإذن العلاقة بيننا كشعوب ومجتمعات، هي علاقة جيرة وأخوة إسلامية لا أقل ولا أكثر، وبالتالى فهي علاقة قديمة أيضا ضاربة فى عمق التاريخ، ولذا فهي لم تكن علاقة طارئة مستحدثة أووليدة هذه السنوات، ومن هنا فقد كانت هذه المنطقة مثاﻻ نموذجيا يحتذى به، لحياة الإستقراروالمحبة والتعايش السلمي بين كافة أفراد مجتمعاتها، وكذا بين جميع جيرانها من المجتمعات وبما فيها إيران ذاتها، وكذلك بين جميع مكوناتها الذين كانوا جميعا أفرادا وجماعات فى منئ بعيد كليا عن جميع هذه الخلافات والصراعات والنزعات الطائفية أوالعرقية أوالقومية، ولكن حينما تغيرت الأوضاع فجأة، وعندما دخلت السياسة، والسياسة الإعلامية خصوصا فى علاقاتنا، وجائنا من يخرب هذه العلاقات بالتشكيك فى ولاءات وانتماءات مكون كبيريضرب بجذورأصولية التاريخية فى أعماق هذه الأرض والمنطقة بوجه عام، فقد بات الأمرمختلف تماما وكليا، بل وأصبح هناك تحول(نوعي) سلبي كبيروصارخ، فى أوجه هذه العلاقة بين مكونات شعوب المنطقة، بشكل مؤثرفاق كل تصورولم يسبق له مثيل، خاصة على مستوى قضية العلاقة الحميمة التى تربطنا إجتماعيا على الأقل، ليس بأيي مجتمع أودولة أخرى، ولكن وهوالشئ المؤسف جدا جدا، على مستوى علاقاتنا الحميمة الخاصة بنا، كمكونات شيعية وسنية، وكمواطنين إخوة تعاعيشوا متحابين ومتجاورين على أرض واحدة وبلد واحد ولحقبات زمنية طويلة، أقول أن هذه التحولات الطارئة للأسف، قد أخلت وأضرت بوحدتنا الوطنية كإخوة وشركاء يتعايشون فى وطن واحد، وهذا الوضع للأسف لم يقتصرعلى بلدنا فحسب ولكنه أيضا طال جميع بلداننا الخليجية..!

  والتساؤل الأهم والأبرزالمطروح هنا..عن ماهية الدواعي والأسباب والمسوغات والمبررات التى أدت لهذا التحول المفاجئ، والذى مس أحوالنا ومجريات   العلاقة بيننا، وبالتالي الأسباب التى أدت لهذا التحول بحيث تنقلب أوضاعنا رأسا على عقب، من حياة الهدوء والسكينة والإطمئنان والإستقرار، والحياة الوادعة الهادئة، إلى حياة القلق والتشكيك والخوف والتشضي، وإثارة القلاقل والصراعات والنعرات الطائفية المقيتة، وشن الحملات وبث السموم والضغوط النفسية والإعلامية المدمرة، لكل مايرتبط بأوجه وعرى العلاقات الأخوية فيما بيننا كأفراد وجماعات..؟!

  أقول..بمنتهى الأمانة والإخلاص والصدق والجرأة أيضا، إن الذى يقف وراء أحداث كل هذه العوامل والتداعيات المشوشة التى أرقت حياتنا، السبب المباشر لمن يقف ورائها للأسف، مرة أخرى هي منظومة الإعلام العربي الفاشلة نفسها بوجه عام وبمختلف مؤسساتها..!

  نعم هوالإعلام المسؤول عن هذه التداعيات، والذى تمثله وتديره مختلف الهيئات والفئات الفاعلة، وخاصة ممن يفتعلون أدوات وقصص الإثارة وشخصنة القضايا الطائفية، أقول نعم هي منظومة الإعلام وخاصة بما يمثلها من زمرة الإعلاميين والنخب والمثقفين والمفكرين، ممن يزعمون كذبا ورياء وتزلفا، بأنهم خبراء وباحثون ومحللون عسكريون وسياسيون، من الذين يتواجدون منهم تحديدا على شاشات التلفزة، ويفرضون أنفسهم على الساحة العربية ويظهرون علينا كل يوم عبرمعظم وسائل الإعلام، وهم يتحفوننا بترهاتهم من تلك التحاليل والأكاذيب والقصص والروايات الفارغة والأفكارالسوداء الملفقة عن قضايا وهمية وخيالية لاوجود لها أصلا إلا فى أدمغتهم الخاوية..!