مشكلات التكتل:

الإطلالة البسيطة على واقعنا توحي لنا بمدى التخلف الذي نمارسه بكل أريحية و ثقة و تعالم، فالتكتل عندنا ليس معامل استراتيجي و لكنه عقدة نفسية تاريخية، نتكتل بإسم الحزب و القبيلة و الطائفة و المذهب و الدين ضد الآخر من كل هذه العناوين في الوطن الواحد و الأمة الجامعة، هذا هو مقدار وعينا للتكتل إنه وعي متسخ بأغبرة التاريخ التي نرجع عبرها لبحث أسئلة الحاضر المتعلقة بالتاريخ و الدين و السياسة و ما هنالك من مسائل و إشكاليات و مشكلات، و دون أن نشقى كثيرا إننا نعبد التاريخ و أشخاصه و ثقافاته و عصبياته ، إننا ندمن الرجعية عبر الهروب من الحاضر إلى التاريخ و مقدساته الوهمية،لأننا نخشى من المستقبل و ندمن الاسترخاء كالأطفال الذين تربوا على كثرة النوم كسل في الفكر و برود في الشعور و فوضى في العمل، هكذا نفهم التكتل بثقافة ميتة و قاتلة و حتى الثقافة الحية نتخطاها كي لا تترتب علينا مسؤوليات...

من خلال مشكلة التكتل هذه، يمكننا أن نستوعب محنة الحقيقة في حاضرنا العربي و الإسلامي،  التكتلات المجهرية المتوزعة في جغرافيا واقعنا تنطلق من ملكية الحقيقة المطلقة، و على أساس حقيقتها المقدسة تتعامل و تقترب و تبتعد و تتعاون و تتحارب، و بالتالي صراع الحقائق المقدسة يغذي فوضى المقدس في إجتماعنا العام، و ترتفع أسهم الحرب المقدسة في بورصة الحاضر العربي المسلم، و في ظل العولمة التي ابتلعت كل خصوصياتنا و نتجادل حولها في أصداء التخلف المستشري في أنظمة إجتماعنا العام، نتكتل لصناعة عولمة التخلف المتعدد الجاهليات في قبال الشركات المتعددة الجنسيات...

ليس سهلا الإلمام بمدى  خطورة حالنا أمتنا لفرد مستغرق في مقدسات وهمية و متخفي من مسؤوليات الحاضر و المستقبل وراء جدران تاريخية، إن أفراد هذه الأمة بحاجة إلى الخروج من صناديق التكتلات الوهمية لإكتشاف نور الأمة و هواءها الطلق سوية، مثنى و فرادى، ليكتشفوا أن عالمية الأمة لا تتحقق بفوضى و صراع التكتلات و سياسات التخوين و الترهيب و التكفير  تحت مسميات المقدس و هو الدين الحنيف البريء من كل هذه الجاهليات العابثة بحقيقة الإسلام الناصعة البيضاء التي لوثتها عنتريات الطوائف و المذاهب و الأحزاب الجاهلة بروح الإسلام السمح...

و عليه التكتل الإستراتيجي الذي نرنو إليه هو ذلك الإجماع المنظم للإختلاف و التنوع داخل الأمة، ذلك الإطار القانوني الأخلاقي المنسق للحريات و الضامن للحقوق و المرشد للواجبات، إنه التكتل  العابر من الأنا نحو الآخر، يعني الجامع بين نقد الذات و السعي نحو التعرف على الآخر.

مشكلات التفكك:

 التفكك هنا هو عمق حقيقة التكتل الوهمي و نواته، لأنه المركبات الطائفية و الحزبية و المذهبية و الدينية و القبلية، لا تنزع إلى التكتلات التاريخية إلا بسبب مشكلات التفكك التي تشعر بها في عمقها النفسي و الاجتماعي، و ذلك مرده إلى التأسيس الايديولوجي المقدس داخل كل مركب من هذه المركبات بحيث لا يمنع منعا باتا النقد داخل المركب الواحد و يسمح فقط بالنقد للآخر المزاحم في الساحة الأممية أو الاجتماع العام، طبعا لاشك أن مشكلات التفكك نابعة من إشكاليات معرفية و أزمات نفسية تراكمت و ترسبت عبر تاريخ هذه الأمة من جراء صراعات وهمية رسمت معالمها السياسة و الإستدمار، و الدليل على ظاهرة التفكك راهن الأمة منذ سقوط ما عرف بزمن الخلافة، التي لا يزال ينادي بها البعض و قد بكى عليها رواد الإصلاح في القرن الماضي، لكن مفهوم الخلافة في بعده الحضاري للأمة يختلف تماما عن التصور السياسي الضيق، لأن موت الخلافة في تمظهرها السياسي كان طبيعي جدا بالنظر للنشاطية الكاملة لأنزيمات التفكك في الاجتماع العام على مستوى الفهم و الممارسة و التطلع في تاريخ الأمة السياسي.

هكذا التفكك في المجال العربي المسلم مأزق خطير، لا ينتج سوى نهاية الكينونة الاجتماعية، و بالتالي انفجار الهويات الطارئة، و هذا ما سبق أن لمحت إليه، بأن التكتلات الوهمية هي نتائج لمشكلات التفكك في عمق الذات، و مشكلات التفكك لا يمكن اكتشافها بسرعة إلا من خلال معاينة أسس الاجتماع العام، تلك الأسس التاريخية التي استطاعت أن تجمع كل هذه التنوعات و الهويات تحت سقف واحد، و التي يأتي في مقدمتها الإخاء الديني و الإنساني و يرتبط به من مقومات الحرية و التعارف و الحوار و التعايش و التسامح، هذه الركائز كلها هي التي بينت الرشد من الغي...

التفكك النفسي و المعرفي في الذات هو الذي يغوينا بالتكتلات الوهمية عبر التعصب الأعمى، و سبيل الخلاص منه يبدأ بترميم التشققات النفسية و تجاوز الانسدادات المعرفية في الذات تجاه الآخر، لأن استمرارها و توالدها سيضخم المشكلات و يزيد من المأساة و يضاعف الأخطار المحدقة بالذات و الآخر في إجتماعنا العام.

 مشكلات الاغتراب:

الإغتراب يعني افتعال الغربة عن القيم، لتبرير التفكك من أجل الوصول إلى التكتل الوهمي، و هذا أساسه مشكلات نفسية معقدة و إشكاليات معرفية عويصة، تراكمت عبر الزمن دون محاولة تجاوزها و حلها، حيث تضاعفت معها منشطاتها و تطورت آلياتها بالتوازي مع المتغيرات التاريخية و الإجتماعية...

هكذا الاغتراب هو التراث النفسي و المعرفي المعقد من الآخر، هو الفوضى المستحكمة فينا، التي تزيغ بنا عن قيم و مبادئ النظم في ديننا و تاريخنا الإنساني المجيد، إن الإغتراب جذر الفساد الذي نعيشه في تفاصيل يومياتنا، حيث نهرب من إصلاح ما فسد فينا و بيننا نحو التفكك عن بعض ثم التكتل عبر  آفاقنا الضيقة...مشكلات الإغتراب شكلت عندنا ثقافة لديها نظم و مؤسسات و برامج تجتهد في الحفاظ على الفوضى في واقع إجتماعنا العام.

هذا الإغتراب هو مأزق في الذات، يعطل كل التطلعات و المشاريع ، بل إنه يزيد من تعقيدات الحاضر، مما يجعل مطلب تجديد فهم الذات لدى التنوعات في إجتماعنا العام أساسيا بل مصيريا، حتى يتسنى لنا أن نخاطب الآخر الإنساني كأمة و ليس كتكتلات مغرورة حاقدة تبني أمجادها على حساب إخوتها في الدين -الذي تؤمن ببعضه و تكفر ببعضه الآخر- و التاريخ -الذي تعبد فيه ما يرضي أهواءها-، فهم يبدأ بتحديد المقدس خارج آليات التأويل، و بنظم الحاضر عبر فلسفة التاريخ و العلوم و الدين ، دون إفراط أو تفريط بالنقد و التثوير و التفكيك و التحليل و التركيب...