بقلم:أ/غريبي مراد(*)

إنّ إشراقة الوعي الإسلامي الجديد، تنطلق من عمق الانفتاح على الله بالانفتاح على دينه الحنيف الإسلام، عبر التفكّر والعمل على بناء إنسان مسلم واع، قادر على ملاحقة مظاهر التخلّف والرجعية ومواجهة الاستكبار، و يتجاوز ضيق الأفق في مواجهة مشاكل الحياة.

في هذه السّطور، سأحاول الاستنارة بومضاتٍ من فكر العلامة الأستاذ الفقيه المجدّد، المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، بهدف مقاربة عامّة للتّأسيس المعرفي والثقافي لمفهوم الإنسانيّة في الإسلام، ومدى وعي الإنسان المسلم لها، كتمهيدٍ للعبور نحو تبيان بعض العناصر لولادة المجتمع الإسلاميّ الجديد في فكر سماحة العلامة السيّد محمد حسين فضل الله(رض)...

قيمة الإنسان أوّلاً:

لا يمكننا أن نتعرّف إلى ولادة المجتمع الاسلامي الجديد، إلا عبر التعرّف إلى عنصره الأساسي(الإنسان)، بحسب الرؤية الإسلامية الصحيحة، كما يعبّر سماحة العلامة الفقيه المجدّد المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) بالقول: "الإنسان هو أخو الإنسان، يماثله ولا يرتفع عنه إلا بارتفاع مستوى إنسانيّته في غنى الإنسانيّة، من خلال غنى العقل أو الرّوح أو الحركة، فليس هناك أيّة ميزة لإنسان على إنسان آخر في درجة إنسانيّته: "كلّكم من آدم و آدم من تراب"، وفي الخطّ القرآنيّ: {ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى? وَجَعَلْنَاكُمْشُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُو?اْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ?للَّهِأَتْقَاكُمْ إِنَّ ?للَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13]".

نستوحي من حديث الأستاذ الفقيه المجدّد السيّد فضل الله(رض)، أنّ المدخل الرئيس في البناء الاجتماعيّ الرّشيد، هو معرفة حقيقة إنسانيّة الإنسان، وبالتالي، القدرة على التقدّم نحو وعي قيمة الإنسان في المجتمع الجديد، حيث يشير سماحته(رض) إلى ذلك بالقول: "فالقيمة هي فيما تنطلق به إنسانيّتك لتكبر بالعلم: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ?لَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ?لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}[الزمر: 9]، وبالعمل: {?لَّذِي خَلَقَ ?لْمَوْتَ وَ?لْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاًوَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْغَفُورُ}[الملك: 2].

وبالتالي، يركّز سماحته(رض) على دعامتين لقيمة الإنسان بحسب الخطّ القرآني: العلم والعمل، ثم يضيف بالقول(رض): "فالإسلام ـ على ضوء هذا ـ يريد للإنسان أن يقف أمام إنسان آخر يحاول أن يفرض عليه سيادته وسيطرته، أن يقف أمامه موقف الإنسان الّذي يحترم إنسانيّته في ذاته أمام الإنسان الآخر، فلا تسقط إنسانيّتك أمام أحد...".

تصوّر الإنسان المسلم للإسلام:

بعد التطرّق لقيمة الإنسان في التصوّر الإسلاميّ، ننتقل الآن لاستكمال المقابلة الّتي من خلالها يمكن التوسّع أكثر في تحديد معالم ولادة المجتمع الإسلامي الجديد ومقوّماتها، لأنّ حديث النصوص الإسلاميّة وتأصيلها لقيمة الإنسان وكرامته، تعتبر الأساس المعرفيّ الّذي من خلاله يكتشف المسلم نظرة الإسلام لإنسانيّة الإنسان، لكنّ القيمة المضافة معرفياً وثقافياً لذلك، تتمثّل في معرفة تصوره كإنسان ينتمي إلى الدّائرة الدينيّة، بمعنى أن يكون المسلم مصداقاً عملياً لما يؤمن به. في هذا الخصوص، يتساءل الفقيه المجدّد المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض): "ما هو تصوّرنا للإسلام، عندما ننتمي إليه ونصف أنفسنا بصفته؟ هناك تصوّر للإسلام بالطريقة الساذجة البسيطة، وهو أن ينطق الإنسان بالشهادتين، وأن يخضع من ناحية عملية لمتطلّبات الإسلام بشكل عام، بحيث يكون خاضعاً لهذا الخطّ بعيداً عن معنى الإسلام في عقله وفي قلبه وفي خطّه في الحياة. وهذا ما نلاحظه في الكثير من المسلمين في الواقع الإسلاميّ، فنحن نلاحظ أنّ هناك شيئاً من صورة الإسلام يتحرّك في مساجد المسلمين وفي نواديهم وفي بيوتهم. ولكنّنا نلاحظ إلى جانب ذلك انحرافاً كبيراً جداً عن الإسلام ـ العقيدة، والإسلام ـ،المفاهيم، والإسلام ـ الحركة...".

ويتابع سماحته(رض) بالتّحليل لواقع الإسلام اليوم، حيث يعبّر عن ذلك بقوله: "لقد حاصروا الدّين في زاوية مغلقة ليس لها علاقة بالعقل، وليس لها علاقة بالإحساس والشعور. نعم، فيها شيء من العاطفة.. ولكنّها ليست الإسلام بأيّ حال من الأحوال. ولعلّ هذا هو الّذي قد تمثّله الآية الكريمة: {قَالَتِ ?لأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـ?كِن قُولُو?اْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ?لإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}[الحجرات: 14]، وربما كانت هذه الآية تشير إلى من دخل الإسلام رغبةً أو رهبةً، ولكنّها تتّسع إلى من دخلوا الإسلام تقليداً، أي بالطّريقة التقليديّة وليس بالطّريقة المنفتحة...". وعليه، يهدف سماحته(رض) من خلال ما سبق، إلى القول إنّ الإسلام مسؤوليّة معرفيّة وحركة ثقافيّة وإنسانيّة ناضجة في رحاب معارف الإسلام.

هل الدّين يستعبد الإنسان؟

لايزال الواقع الإسلاميّ العام يتحرّك ضمن ثقافةٍ تعمل على أساس محاصرة الدّين ضمن الأطر العباديّة الضيّقة أو التصوّرات الساذجة، ففكرة أنّ الدّين هو برنامج لتقييد حريّة الإنسان، أصبحت اليوم أكثر حضوراً وبروزاً في تفاصيل حياة المسلمين، وحول هذه القضيّة، يقول سماحة العلامة السيّد(رض): "أيّها الأحبّة، قال البعض عن الدّين إنّه وسيلة لاستعباد الإنسان، لأنّه يحبسه ويمذهبه ويطيّفه ويجعله يخضع، حتّى إنّ بعض المتفلسفين قال إنّ الدّين يوحي للإنسان بالضّعف، وذلك عندما يقول الإنسان: «لا حول ولا قوّة إلا بالله»، فكأنّ الإنسان ينفي الحول عن نفسه وينفي القوّة عن نفسه، وقال البعض إنّ الدّين يعلِّم الإنسان الضّعف والعجز والخضوع، ولكنَّ مشكلة هؤلاء النّاس الّذين يتفلسفون عندما يتحدَّثون عن الله تعالى، هي أنّهم يرون أنّ الله تعالى يمثِّل وجوداً في مقابل الإنسان؛ فهناك الله وهناك الإنسان، وهناك الحرب بين الله وبين الإنسان، وهناك العبوديّة بين الله وبين الإنسان.. هؤلاء لم يفهموا ولن يفهموا من هو الإنسان، { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}(ص:71-72)".

ويستمرّ سماحته في بحث القضيّة بكلّ رحابة وموضوعيّة، حيث يعبّر بالقول: "مشكلتنا، أنّنا نستغرق في نقاط القوّة عند الآخرين، ولكنّنا لا نفكّر في نقاط القوّة عندنا، ونستغرق في نقاط الضّعف عندنا، فنسقط قبل أن ندخل المعركة. إنّنا عندما ندرس تطوّر الإنسان في الحياة، سنرى أنّ الصّغير اليوم سيكون كبيراً غداً، وأنّ الكبير اليوم سيكون صغيراً غداً، وكمثالٍ على ذلك: كيف كانت أمريكا، وكيف كانت بريطانيا؟ و كانت سيّدة البحار، وخرجت من البحار، وأصبحت تبحث عن موقع في برّ هنا وجبل هناك، أصبحت في موقع ضعفٍ تحاول أن تأخذ القوَّة من الآخرين: {وتلك الأيّام نداولها بين الناس}(آل عمران:140)، ليس هناك قوّة خالدة وليس هناك ضعف خالد".

أن تكون إنساناً؟!

يرسم سماحة الأستاذ الفقيه المجدّد السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، صورةً حيويّةً ومعبّرةً عن الإنسان والحياة، فيقول(رض): "إنّ قضيّة أن تكون إنساناً هي قضيّة عقلك، عندما يتعمّق لينطلق من خلال هذا العمق الفكريّ ليجول في كلّ الآفاق، فلا يبقى هناك أفق لا ينفذ إليه العقل، لأنّ مسألة أن تكون عقلاً هي أن تكون حرّاً، أمّا الّذين يعيشون الزّنازين على كلّ المستويات، فإنّهم يعيشون الجهل، وإن أعطوه بعض صفات العقل. أن تنفذ إلى الدّاخل لتكون قلباً، وعندما تكون قلباً تكون حبّاً، لأنّ القلب لا يطيق الحقد حتّى لو زحف الحقد ليحيط بكلِّ خفقاته، لأنّ نبضة الحبّ تبقى تفرض نفسها على عمق القلب، تنفذ إلى الدّاخل لتكون حركةً تعطيها وجوداً مميّزاً يمكن أن يبدع وينتج... أن تنفذ إلى الدّاخل أن تكون أنت، لأنّ الّذين يحدّقون بالخارج بلمعات العيون أو بالكلمات الّتي تنافق هنا وتخادع هناك، هؤلاء لا يعيشون معنى إنسانيّتهم".

(*) كاتب وباحث من الجزائر