تكمن المشكلة حقيقة في الجدلية القائمة بين مفهومي الحرية و المقدس و هي نسبية التفكير الإنساني ،المقدس هو محدد في تقييد المفكر الديني للفهم الديني بحسب تصوراته وفق أدوات الأصول ، و كل – تابو- في الحوار العلمي الديني هو من عائلة المقدس ، العالم الديني هو مبدع القداسة في المجتمعات الدينية ،قد تكون تلك القداسة قطعية من خلال وضوح النص الديني المقدس أو ظنية اجتهادية وفق تأويل عالم الدين للنص الديني غير الواضح ، المقدسات ليست قيم روحية فقط بل هي معبرة عن كيان الإنسان الثقافي والحضاري ، ولا يمكن الوصول في فك هذه الجدلية من خلال النتائج فقط و نهايات المفاهيم ، و لكن العودة لجذرية المفهوم لتوضح مواطن التوافق و التباين بين القداسة و الحرية . ببساطة الجدلية القائمة بين المقدس و حرية التعبير هي من قبيل أشكل الإشكالات توضيح الواضحات ، و بأسلوب دقيق: هي جدلية وهمية نابعة من عدم تحديد المفاهيم و الذهاب لاستنطاق الثنائيات المفاهيمية في أدبياتنا الثقافية والنتيجة أن المقدس الحقيقي لا يتعارض مع الحرية السليمة ، كما الحرية مفهوم توافقي عقلاني بحت كذلك المقدس الحقيقي هو ذلك الذي لا يتعارض مع كرامة الإنسان ، ماهية المقدس إذن ؟ هي ترشيد حرية الإنسان بحيث لايعتدي على حرية الآخرين ويسيء إليهم والى أفكارهم ورموزهم ، ويبقى المقدس كمفهوم هو مشترك أساسا بين بني البشر لكنه كمصطلح يكون تابعا لنسبية التصور الإنساني للنصوص و الطقوس و الأحداث و المواقف و الشخصيات.
وللأسف الشديد، فإن هامش الحرية للمقدس الديني أنتزع بفعل القمع والممارسات والانتهاكات،بمعنى آخر أنه في الوقت الذي نستنكر فيه وندين مختلف الاعتداءات والتجاوزات التي تتم ولا تزال مستعرة باسم حرية الرأي والتعبير يتم التعرض والإساءة فيها إلى الرموز الدينية وإهانة الأديان والمقدسات ، لأنها تمثل اعتداء على الله تعالى وعلى رسوله العظيم  وعلى كتابه الكريم وعلى المؤمنين وعلى حقوق الإنسان وعلى قيم الأخلاق والفضيلة ، في ذات الوقت نؤكد الدعوة على احترام المقدسات لارتباطها بحق الإنسان وأهميتها في توجهه الروحي والديني ، وما يحتمه الواجب الأخلاقي تجاه الحالة الدينية في حياة الإنسان , في حين أن احترام المقدسات لا يتعارض مع الحق في حرية التعبير والرأي إذا لم تتضمن الإساءة والاعتداء على الآخرين . وفق ضوابط كفيلة بحسن الاستخدام والتوجيه إلى ما ينفع الناس ويرضي الخالق سبحانه .

فمفهوم حرية الرأي هو القدرة على تكوين الرأي وإعلانه دون تأثير من أحد . وهو حق أساسي لكل إنسان كفلته الشريعة السمحاء ، فكل فرد يتمتع بالحرية في رأيه والتعبير عنه والجهر به بما يحقق نفع الناس ويصون مصالحهم ويحترم كرامتهم ، ويحفظ النظام العام في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
و مفهوم المقدس أو المقدسات فغالبا ماتكون هي الديانات بالدرجة الأولى ، وأماكن العبادة وتشمل المعتقدات والعادات المتوارثة التي تشكل أساسيات في حياة الإنسان وبها تنبني سلوكياته وثقافته وممارساته .وأما احترام الأديان والمقدسات فهي حالة دينية اقتضتها المجتمعات البشرية على اختلاف دياناتها تعبيرا عن اعتقادها القلبي وارتباطها العبادي ، بوجود مظاهر ورموز ومحاور وطقوس وممارسات يتمركز حولها المتدينون بذلك الدين فيتواصلون عبرها ويتدافعون ويتواصون على التمسك والثبات على دينهم الذي يسيرون عليه ، مما يدلل على أهمية المقدسات في حياة الأمم والشعوب ، وقد عبر عنها (بلوتارك) المؤرخ الإغريقي الشهير منذ نحو من ألفي سنة قائلا: (وقد نجد مدناً بلا أسوار، أو بدون ملوك، أو حضارة أو مسرح ولكن لم يرَ إنسان مدينة بدون أمكان للعبادة والعبّاد)، ولذا فإن احترام المقدسات هو نابع من احترام الدين نفسه ،كما تعد المقدسات جزءاً من العقيدة لأي دين من الأديان حرص الإسلام على احترامها باعتبارها جزءا من العقيدة لايجور الاعتداء عليها .

حدود وقيود حرية الرأي والتعبير:
على الرغم من كفالة الإسلام وكافة القوانين الدولية والعالمية لحرية الرأي والتعبير لدى الناس إلا أنه لم يترك هذا الأمر على إطلاقه بل جعلها مقيدة ومحددة ضمن حدود وقيود وضوابط ، وتضمن عدم انتهاك حرمات الأديان أو الاعتداء على الأعراض أو التشهير أو الإساءة إلى الآخرين أوالى المقدسات وأماكن ودور العبادة ، وعدم مخالفة النظام العام والتمسك بالأخلاق والآداب الإسلامية وكل ذلك مضبوط ضمن الإطار العام للشريعة الإسلامية ونظامها الأدبي والأخلاقي، هذا من جهة ومن جهة أخرى جاءت نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتؤكد على حق الفرد في اعتناق الدين الذي يرغب به ،والتعبير عن آراءه بالطريقة التي يريد دون التقيد بالحدود الجغرافية . ونصت المادة 29 على : أ - على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نمواً حراُ كاملاً .
ب- يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي .
جـ-لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ويبدو من الفقرتين (ب ، ج) حُرية الفرد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرتبطة بمراعاة حقوق الآخرين ، فممارسة حقي تقف عند حق الآخر ، وهنا يتجلى احترام الرأي الآخر فكل إنسان حر في اعتناق أي دين وفي العمل على نشره والدفاع عنه ولاكن دون التعدي على الآخرين ومهاجمة آرائهم ومعتقداتهم التي قد تصل أحيانا ليس فقط للاعتداء اللفظي والجسدي والسب والطعن بل يتعدى الأمر إلى القتل والتكفير ، مما يتطلب ذلك " وجود حماية كافية ضد أعمال الكراهية والتمييز والترويع والإكراه الناجمة عن ازدراء الأديان والتحريض على الكراهية الدينية بشكل عام." ولايتم ذلك عبر مجموعة من الأمور أهمها :
1- إيجاد قوانين حماية دولية واستصدار قوانين وأحكام محلية تحرم وتجرم الاعتداء على الأديان والمقدسات والإساءة إلى الرموز .
2- أهمية العمل على تعزيز مفهوم حرية الرأي والتعبير واحترام الأديان والمقدسات وفق المنهج الإسلامي الصحيح .
3- تحمل المسؤولية الإنسانية والأخلاقية وتبني الدور الإيجابي في الدفاع عن الآراء والمعتقدات والمقدسات .