تبدأ العصور الوسطى من سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس الميلادي و كان ذلك بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية في داخلها وبسبب الغزوات المتكررة من قبل القبائل الجرمانية، وخلال فترة من الزمن انتشرت وسيطرت هذه القبائل على مختلف أنحاء أوروبا ولأنها كانت تحمل شرائع وعادات المجتمع الريفي فقد جعلت أوروبا ترزح تحت نظام الإقطاع القديم ، أما عن الديانة المسيحية في ذلك الوقت فكانت قد استقرت دعائمها بعد جعل الإمبراطورية الرومانية لها الدين الرسمي . عندما بعث الله سبحانه وتعالى النبي عيسى عليه وعلى نبينا السلام، لم تكن دعوته تتعرض لنظام حكم. لكن عندما حاول بعض اليهود الإيقاع به من خلال القول أنه لا يدفع الضرائب لقيصر، طلب منهم أن يروه نوعية الضرائب التي يدفعونها لقيصر. فأروه العملة التي عليها صورة القيصر، فقال لهم (كما ورد في التراث المسيحي): أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وقد اتخذ بعض المسيحيون هذه المقولة لاحقا لفصل الدين عن الدولة.

في القرن الرابع الميلادي (مع اقتراب نهاية العظمة الإمبراطورية الرومانية) اعتنق إمبراطور روما الدين المسيحي، مما أدى لانتشار المسيحية في أوروبا التي كانت تسيطر عليها دولة الروم. فإمبراطور روما "قسطنطين" وصل للحكم في العام 306م واستمر حتى 337م، وهو الذي نقل مركز الإمبراطورية من روما إلى القسطنطينية (واسمها بيزنطة قبل تغيير الاسم) وجعل المسيحية دين الدولة مما أدى لانتشار المسيحية بشكل واسع وأدى كذلك لسيطرة الكنيسة على الحكم والملوك اللاحقين.

سان آمبرواز (340-397م) أحد أهم مفكري المسيحية الذين نظروا للكنيسة وعلاقاتها بالدولة وقال بأن سلطة الكنيسة أعلى من كل شيء وحتى من الإمبراطور. وقال آمبرواز أنه مرتبط بالإمبراطورية لأن الإمبراطورية مسيحية ولكنه ينتظر من الإمبراطور مسلكا يليق بالمسيحية. كما ظهر القديس أوغسطين (354-430م) كشخصية ريادية في العالم المسيحي، الذي آمن بأن الحياة الاجتماعية مقدسة ولذلك فإن الدولة هامة في حياة الناس للحفاظ على المجتمع. وأن على "الملك" أن يكون في خدمة الإله. وأدان طغيان الملوك واستضعاف الأمم الفقيرة. وقد رأى بأن الطغيان من الحكام "لا يبرر" الثورة عليهم. وأن على المسيحية أن تركز على المحبة وعليها أيضا أن تؤكد الطاعة للدولة. ومن هنا فإن الدعوة المسيحية التي بدأت بعيدا عن الحكم أصبحت الديانة الرئيسية للإمبراطورية والمشاركة في الحكم. ودعا أوغسطين لوحدة الكنيسة وعالمية سيطرتها على ا ل عالم المسيحي، وقال بأن النور )الوحي الإلهي ) هو الذي يعطي الإنسان الحقائق. وآمن بأن هناك مدينة الله ومدينة الشيطان وأن مدينة الله لا يمكن معرفتها إلا من خلال سلطة الكنيسة المقدسة وغير القابلة للنقاش.بعد فترة، نشأت أزمة السلطان الديني والسلطان الدنيوي. وبدأت فكرة الفصل بين السلطتين، سلطة دينية بيد القساوسة وسلطة دنيوية بيد القياصرة. غير أن السلطة الدينية أعلى من السلطة الدنيوية، وكانت قوة رجال الكنيسة تسمح لهم بالتدخل في الأمور الدنيوية وتهديد الملك إذا لم يستجيب. وهكذا كان الصراع مستمرا في القرون اللاحقة.
الدين المسيحي لم يتعرض لنظام الحكم بل تركه لجهود البشر لكي يشتغلوا به حسب ما يروه مناسبا لحياتهم واكتفى بالدعوة للفضائل الأخلاقية التي تحقق السعادة للبشر مثل العدل والبر والرحمة والإحسان وغيرها الكثير وهذه الفضائل هي الدعائم التي تبنى عليها الإرادة العامة وتتغذى وهذا ساهم في دعم كبير لنظرية الإرادة العامة . وتدعو المسيحية للمساواة بين البشر لأنهم جميعا خلق الله ويرجعون إليه ليحاسبوا على أعمالهم الدنيوية وكل إنسان جدير بالتقدير والاحترام لكونه إنسانا فقط بغض النظر عن وضعه الاجتماعي أو المادي وأن الله تعالى هو المسيطر على هذا الكون وأن قوانين الله العليا يجب أن تخضع لها قوانين الدولة وتسترشد بها ،وهذا يجعل مصدر السلطة هو الله لذلك فإن تحديد من صاحب الحق في ممارستها على أرض الواقع يتم عن طريق إحدى النظريات الثيوقراطية التالية :

1- نظرية الحق الإلهي المباشر :
وتقول هذه النظرية أن الله هو الذي يختار الشخص أو الأشخاص أو الأسرة التي لها الحق في الحكم السياسي في الدولة وهذا يعني أن سلطة الملوك مستمدة من الله الذي أختارهم وأيدهم بقوته ليرعوا مصالح الأفراد الذين بدورهم يجب عليهم أن يطيعوهم،ولهذا فإن الله تعالى باختياره للحاكم وما يملكه من أجهزة الإكراه والعقاب التي تمثل التنظيم السياسي هي بسبب طبيعة الإنسان الفاسدة التي فرضها الله عليه بسبب الخطيئة الأولى فيجب على الإنسان بذلك طاعة الحاكم أيا كانت تصرفاته ما لم يخالف تعاليم الدين لأنها إرادة الله وهذا ما بنا عليه آباء الكنيسة الأوائل نظرتهم للحكم.

2- نظرية الحق الإلهي غير المباشر :
وتقول هذه النظرية أن الله تعالى لا يختار الملوك مباشرة بل إن العناية الإلهية ترتب الحوادث بشكل معين حتى يستلم فرد أو أسرة أعباء الحكم بواسطة الشعب واختياره ، وكانت هذه النظرية أول محاولة للحد من السلطان المطلق للملوك في العصور الوسطى المسيحية لأن الملك لا يمارس سلطته السياسية بالقوة أو باعتبارها حقا شخصيا لأن الله أختاره مباشرة ولكن يمارسها باختيار الناس له لأنهم وسطاء بينه وبين السلطة من الله، ويظهر مما سبق أن هذه النظرية تتسع لفكرة الإرادة العامة لأنها هنا مستمدة من الله وهي عبارة عن تطور لنظرية الحق الإلهي المباشر التي سببت الصراع بين الدولة والكنيسة إبان حركة الإصلاح الديني .

وقد كان هناك العديد من المنظرين لهذه الفترة و من أبرزهم جون سال سبري وقد وضع قيود على الحاكم عن طريق القانون الإلهي الأسمى وبذلك يستطيع أفراد الشعب مقاومة الأمير أو الحاكم إذا لم يلتزم بتلك القوانين الإلهية على أن يقوموا هم أيضا بواجباتهم والتزاماتهم في ظل هذا القانون ،لإن القوة والقضاء على الحريات وعدم الاهتمام بالمصالح العامة يبيح الثورة على الحكام و قتل الطغاة بل إنه يعتبر من العدل والصواب لأنهم استبدوا بالسيف ولا بدا أن يقتلوا بنفس السيف، لأنه من واجب الأمير أو الحاكم أن يكون خادما لزملائه وللمصلحة العامة ويطيع القانون ويحقق العدالة والثراء والقيم الأخلاقية . القديس توما الأكويني الذي ألتزم بالأصل الفلسفي الذي وضعه أباء الكنيسة حيث أنه يؤمن بقداسة السلطة لأنها من عند الله ولكنها غير مقدسة في طريقة إسنادها للحاكم وأنه يجب أن يكون هدف أو غاية أي حكومة هو هدف أخلاقي و أن يتم انتخاب الحاكم ومعاونيه في الحكم وأن تكون لسلطته حدود هي القانون و أن تكون للصالح العام وليس للمصلحة الخاصة والشخصية لأنه يمثل الشعب ولكن إن أستبد في حكمه فأصبح من حق الشعب مقاومته ولكن بشرطيين :
1- أن لا يمارس هذا الحق طائفة من الشعب بل كل الشعب.
2- أن لا تنتج من مقاومة الحاكم مساوئ وأضرار أكثر مساوئ الحاكم أو ما يعادلها .
مارسيليو أوف بادو الذي أتفق مع أكويني من حيث الإعلاء من شأن الإرادة العامة وكان ذلك في القرنين الثالث عشر والرابع عشر و قد عمل على إنشاء نظام ديمقراطي مثالي لتنظيم العلاقة بين الكنيسة والإمبراطورية الرومانية على أساس المسؤولية الروحية والزمنية للحاكم أمام الشعب ومنحة سلطة إيجابية للجماعة، وكان مارسيليو أرسطيا فيما يتعلق بأنواع الحكومات فقد كانت الحكومة عنده تتكون من مجالس منتخبة تعنى بشؤون الدولة والكنيسة وأن تعمل على تحقيق الصالح العام وفقا لإرادة الشعب وإلا أصبحت طالحة وفاسدة، أما القانون فقد قسمه إلى نوعين:
1-القانون المقدس وهو أوامر من الله مباشرة.
2-القانون البشري وهو أوامر جماعة من المواطنين ومن هنا لا يمكن لرجال الدين أن تكون لهم السلطة لأن سلطتهم بلا قوة تنفيذية إلا إذا أعطاهم المشرع هذه القوة،
على أن توجد هيئة تنفيذية منتخبة من الشعب تقوم على تنفيذ القوانين ومعاقبة من يخالفها والتأكد من قيام دوائر الدولة المختلفة بأعمالها بما يخدم الصالح العام و أن أي تقصير منها يجوز للشعب إسقاطها . تيودور دي بيز الذي أعلن عن فكرة الإرادة العامة في القرن السادس عشر حين بدأت الفلسفة السياسية تعمل على إعطاء الشعوب حقها فقد ذكر في كتابه (حق ولاة الأمور على الرعايا) أن الأمراء للشعوب وليس الشعوب للأمراء وقد أعطى للشعوب الحق في مقاومة الملوك والأمراء بواسطة ممثلين عنهم إذا أخل هؤلاء الحكام بعقودهم وشروطها التي تجمعهم مع الشعب .
المؤلف البروتستانتي فرانسو أوتمان الذي بين أن النظام الفرنسي القديم كان يعترف بإرادة العامة للشعب التي كان يمارسها عن طريق مجلس الأمة الذي كان من حقه خلع الملك ونقل التاج من أسرة إلى أسرة . المفكر البروتستانتي ايبير لانجو الذي لا يعتبر الإرادة العامة هي إرادة الشعوب بل هي إرادة ممثلي الأمة الذين أختارهم الشعب وفوضهم في مباشرة حقه في الإشراف على تصرفات الملك، وقد هاجم لانجو بشدة الطغاة والطغيان وبين أنه من حق الشعوب المقاومة لاسترداد السلطة من حكامهم إذا أسائوا استعمالها وقد تكون هذه المقاومة فردية أو جماعية . بيشامان الذي كتب رسالة في اسكتلندا عنوانها (قوانين الملكية لدى الاسكتلنديون) وقد بين فيها أن الشعب أسمى من الملك وإن الملك إن جار وجب على الشعب أن يخلعه. جون أتيسيوس الذي قال في كتابه (السياسة المثلى) نفس الأفكار البروتستانتية واستمرت هذه الأفكار في بداية القرن السابع عشر ولكن بأوصاف جديدة وقد قال بها فرانسو سواريز في كتابه (الدفاع عن العقيدة) وقال بها أتين دي لابواتي في كتابه( العبودية الاختيارية) .
ولكن عندما انهارت الإمبراطورية الرومانية أصبحت الكنيسة المسيطرة على العالم المسيحي كله مما ساعدها على تكييف علاقتها بالسلطة الزمنية و بإخضاعها للكنيسة لأنها كانت هي التي تمثل الشعب المسيحي وبذلك أصبحت سلطة البابا تمارس على جميع المسحيين بما فيهم الحكام ومع مرور الزمن أصبح الحاكم الزمني يستمد سلطته من الحاكم الروحي على أساس أن الله سلم سيفين للبابا أحتفظ بأحدهما وهو سيف السلطة الدينية وأعطى الثاني للحاكم الزمني وهو بذلك يستطيع حرمانه منه إذا لم يقم بالواجبات المفروضة عليه ونتج عن ذلك أن البابا بدأ يفرض سلطته على الحاكم الزمني ويتحكم به،وقد استمرت نظرية الحق الإلهي غير المباشر سائدة طوال قرنين كانت فيها للكنيسة النفوذ و اليد الطولى في المجتمع الأوروبي المسيحي ولكن ما لبث أن تقلص هذا النفوذ خاصة فيما يتصل بالشؤون غير الدينية بسبب عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وفكرية طرأت على أوروبا في نهاية هذه الفترة من الزمن .
القرن السابع الميلادي شهد بداية ظهور الإسلام الذي بدوره أدى إلى ظهور حضارة جديدة ونهضة كبرى في العالم أجمع مما أثر على الديانة المسيحية في أوروبا لأنه عمل على تنظيم حياة الفرد والجماعة من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية . و عليه تمت استنتاجات و اقتباسات هذه النظريات الثيوقراطية بشقيها المباشر و الغير مباشر من وحي الرسالة المحمدية الطاهرة و المتمثلة في شخص النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم , من النشاط السائد في تلك الفترة من الترجمات و الاطلاع المعاصر الإعلامي على شؤون الدولة الإسلامية الوليدة آنذاك . كان يتمثل الحق الإلهي المباشر في شخص النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم فهو المختار من قبل الله سبحانه و تعالى بتبليغ رسالته للبشرية كافة لتكون رسالة عالمية ظاهرة على الأديان السماوية الأخرى و مكلف من قبل الله سبحانه و تعالى بالقيادة الروحية و السلطوية و ما تشملهما من السلطة القضائية و السلطة التشريعية و السلطة الفقهية و السلطة التنفيذية و كلها سلسلة دساتير متصلة لعنان السماء حتى يوم القيامة .
لكن بعد رزية يوم الخميس و سقيفة بني ساعدة المشهورة ووفاة نبي الرحمة محمد صلى الله عليه و آله , نشأت نظرية الحق الإلهي غير المباشر ومنها تشعبت الايدولوجيات الأوتوقراطية و الديموقراطية في العالم العربي و الإسلامي حتى يومنا هذا , نتيجة افتراق المسلمين و بث الفرقة المغرضة من خلال الصراعات و الحروب الدينية و العنصرية و الطائفية و الاقتصادية اللانهائية من أجل السلطة الدنيوية . النظريات الثيوقراطية تم تداولها و استنساخها فيما بين أرباب الأديان السماوية فقط لكن لم تسلم من التحريف و التدليس بين دين و آخر وذلك لأن المصالح الدنيوية و السلطوية هي الطاغية على الدين وعليه يتم الفصل بين رجل الدين و رجل السياسة .


5 ربيع الأول 1433 ه
29 يناير 2012 م